أحمد رجب شلتوت - فرانسواز ساغان تكتب سيرتها بذاكرة انتقائية

كا نت الكاتبة الفرنسية فرانسواز ساغان (1935 – 2004) تقول "لم أرد أن أكتب قصة حياتي أبدا، لأنها تضم العديد من الأشخاص الذين ما زالوا على قيد الحياة ولأن ذاكرتي أصبحت متعبة تماما".
فلما انتعشت ذاكرتها توقفت عند بعض الذكريات المرتبطة بالحنين إلى أشخاص كانوا قد ماتوا وقت كتابتها عنهم، وأضاءت من خلال ذكرياتها معهم جوانب مهمة من سيرتها الذاتية، دون حاجة إلى التخفي خلف أقنعة روائية.
فهي فترسم بشكل غير مباشر صورة شخصية لنفسها من خلال تقاطع سيرتها مع سير الشخصيات التي تقاطعت معها في حركة حياتها، وفي نفس الوقت ترسم صورة للحياة الأدبية في باريس في خمسينات وستينات القرن العشرين، لكن تظل السيرة غير مكتملة فهي مثلا تخفي عن قارئها أسباب إدمانها للمخدرات والقمار، هي فقط تتذكر وتحكي دون غوص وراء الأسباب.
وكانت لديها قناعة راسخة بأن ذاكرة الإنسان انتقائية، وأن كلّ منّا ينتخب الأحداث، محتفظاً بالذكريات بالسعيدة وناسياً الشقيّة – أو العكس بالعكس – ذاكرة لا تأنف أحياناً من طلب يد العون من المخيلة. لذلك اختارت من بين ذكرياتها السعيدة فقط، فصولا عشر تكون كتابها "مع أطيب ذكرياتي"، الصادر حديثا عن دار المدى العراقية بترجمة "علاء المفرجي".
لم يكن المال ولا المجد الأدبي هما مالا تبحث عنه ساغان، كانت تبحث عن الحياة، والحياة بالنسبة لها تتمثل في مفردات السرعة والليل والجاز والقمار، فهي مثلا ترى أن "من لا يحب السرعة لا يحب الحياة"، وتقول عن نفسها "إني أحب الحياة حباً كبيراً… ولا يمكن التمتع بها إلا حين أشعر بأنها مقترنة بالحرية"، وكانت السرعة الجنونية في قيادة السيارات من مظاهر الحرية لديها، فالسيارة عندها انعتاق بينما السرعة انتصار على الزمن. وهي تتحدث عن ولعها بالقمار، والسرعة، والحياة الليلية في سانت تروبيه، مستعيدة حكاياتها عن الألعاب الخطرة في الكازينو خصوصا "عندما يتم إطلاقها بأقصى سرعة على طريق ريفية، والعودة مع الحنين إلى الماضي حول سان تروبيه".
ولعل في ترتيب الكتاب ما يدل على تفضيلاتها، فهي تبدأ ذكرياتها الطيبة بالتأكيد على عشقها لأغاني الجاز منذ صباها حيث اعتادت إنفاق كل مصروفها ومصروف صديقتها فلورنس إبنة الكاتب الشهير أندريه مارلو على موسيقى الجاز التي تراها شعورا مكثفا باللامبالاة.
فرانسواز ساغان
السيرة الناقصة
وتقودها الذكريات إلى زيارتها لمدينة نيويورك عقب صدور الترجمة الإنكليزية لروايتها الأولى، وهناك تلتقي بمغنية الجاز الأميركية بيلي هوليداي التي كانت تحيي حفلاتها في مبنى الكارنيجي هول، وقد التقتها فيما بعد في باريس، ومن الجاز إلى القمار الذي كان محورا لذكريات الفصل الثاني، فساغان كانت مقامرة محترفة، بدأت إدمانها له وهي في الحادية والعشرين، وكانت على معرفة بتفاصيله وعروفه في صالاته العالمية، حيث التقت بمشاهير منهم الملك فاروق، وتشير أيضا إلى تفضيلها للرقم ثمانية على الروليت، فبفضل إصرارها عليه رغم تكبدها خسائر بسببه، كسبت في ليلة واحدة مبالغ طائلة مكنتها من شراء بيتها في نورماندي، وعن عالم القمار وصالاته تقول "ما لم أعرفه أنه في الكازينو، كما في أي مكان آخر، تُترجَم الثروة إلى شيكات، وتُقبَل هذه الشيكات في الكازينو المعني باستعداد أكثر أو أقل، وإن احتراس مديري اللعبة المنفر في الغالب يأخذ دور الفرملة، المفيدة حيناً، المهلكة حيناً، لجنون اللاعبين".
وهكذا تستعيد ساغان في الفصول التسعة الأولى ما أسمته "ذكريات القلب التي لم تخلف لديها شيئا سوى تشوش تام".
أما الفصل الأخير فخصصته لما يمكن تسميته ذكريات العقل، متحدثة عن سنوات التكوين والقراءات الأولى، ومنها أشعار رامبو، وقوت الأرض لأندريه جيد، والإنسان المتمرد لألبير كامي، والبحث عن الزمن الضائع لمارسيل بروست، هكذا تضع القراءة في مواجهة كل ما سبق، وتصوغ منها تعريفا مختلفا للحياة، يلخصها في كلمة "عزلة"، والقراءة علمتها العزلة، فلم تعد تأسف إلا لأنها لم تقرأ كل الكتب التي كانت تريد قراءتها.
لم تكن ساغان قد بلغت العشرين من عمرها حينما أوفدها ناشرها إلى الولايات المتحدة في رحلة ترويجية للترجمة الإنكليزية لروايتها "صباح الخير أيها الحزن"، هناك تلقت برقية من تنيسي ويليامز يدعوها لمقابلته في منزله بفلوريدا، كانت مفتونة بقصائده وتراه أهم شاعر أميركي بعد والت ويتمان، وتبقى أسبوعين في ضيافته بمنزله في فلوريدا، وهناك تلتقي بالكاتبة الأميركية كارسون ماكولرز صاحبة رواية "أنشودة المقهى الحزين"، وكانت تعاني من مرحلة متقدمة من مراحل السرطان، وتطوع ويليامز بضيافتها ورعايتها، وبعد عودتها تترجم مسرحيته "طائر الشباب العذب" إلى الفرنسية، ويفاجئها بالحضور إلى باريس لحضور العرض، وتتعدد اللقاءات في أماكن مختلفة وهلى مدى سنوات فتلاحظ كيف يشيخ ويليامز تدريجيا.
ساغان وصفت ويليامز بأنه "رجل قصير، بشعر أشقر وعينين زرقاوين، ونظرة لاهية"، على العكس منه أورسن ويلز، فقد "كان ضخما، كان عملاقا، كانت له عينا صقر، ضحك بطريقة راعدة وأجال طرفه في ميناء كان في حشوده الضالة ويخوته الفاخرة، بنظرة لاهية متقززة في الوقت ذاته". تتذكر مشهدا وكأنه مجتزأ من فيلم كوميدي، فويلز الضخم "قام بسحبي تحت ذراعه مثل حزمة غسيل، بحجة أنه لم يكن يريدني أن أدهَس بسيّارة، وحملني عبْر الشوارع، هادراً وناهراً، يتدلّى رأسي من جانب وقدماي في الجانب الآخر".
وكان ويلز مثلها مسرفا يرمي أمواله من النوافذ، يشاركها القناعة بأن قيمة الأموال في أن نصرفها، لذلك كان كثيرا ما يختلف مع منتجي أفلامه، وقال عنهم لفرانسواز "أنا وأنت فنانان، ليس هناك ما يجمعنا مع ثلة الماليين أو المحتالين عديمي الأهمية هؤلاء، ينبغي تجنبهم كما نتجنب الطاعون، هم مجرد سماسرة". اختصرت ساغان ذكرياتها مع سارتر في رسالة حب وجهتها له، في الحادي والعشرين من يونيو 1979، كان يوم ميلاده الرابع والتسعين، وميلادها الرابع والأربعين، وفيها تقول عن سارتر أنه الأقرب إلى قلبها، وأنها أحبته أكثر من الجميع، يومها احتفلا معا، كانت في منتصف عمرها، بينما هو قبل النهاية بقليل، وكان قد فقد بصره، تكتب مثلا "أحببت أن أمسك بيده، ويمسك هو بروحي. أحببت أن أفعل ما يقوله لي. لم أهتم بخرق عماه. أعجبني أنه استطاع النجاة من عشقه للأدب. أحببت أن آخذ المصعد إلى شقته. أتجول معه في السيارة. أقطع له اللحم، أعد له الشاي.. أجلب له الويسكي خفية".



https://l.facebook.com/l.php?u=https://middle-east-online.com/فرانسواز-ساغان-تكتب-سيرتها-بذاكرة-انتقائية?fbclid=IwAR2EBzZZafDd2XiA4VHjU4e986uX4L6kVnAn1xVN2cwK9eKIU3rPTd0E06o&h=AT03zpz_JvaC_Uz4InM3TEVxQMnJf8BtX_7okLUvpnxQF3ru0vB88aJZWRhA5tMbyibokbMjDy-iWLpacoIrWFRQRrrIXh9eBmHCTMTc0NQIzNuuW3-poxbPHRB697RX1uxKBQM7mypqt3j7Wcja
التفاعلات: مصطفى البشير فودة

تعليقات

ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...