مصطفى مزارى - قراءة في مجموعة " خلف السراب" لمحمد محضار..

الخوض في قراءة مجموعة قصصية تبدو لي أكثر إشكالا، من الخوض في قراءة رواية،لأنه في نظري كل قصة تبقى منجزا سرديا قائما ،رغم القواسم المشتركة بين الجنسين ، من الناحية الشكلية،على الأقل فيما يخص تقنيّات الكتابةالقصصية،والذي يدعم هذا الرأي هو ركوب كاتب القصة موجة التجريب المرتبط بالجنس السردي،هذا ما نلمسه ونحن نقرأ تجربة محمد محضار في مجموعة "خلف السراب".
يطالعنا العنوان المركزي ، خلف السراب، كعتبة تحيلُ على عالم ملغز،فالسّراب يخدع الرؤيا،وكلمة خلف ترد هذه الخدعة بما يؤشر على أفق انتظار حافل بالضبابية، والانتظارية،والسوداوية ، وكذلك العدمية.هل نكون قد حمَّلنَا العنوان أكثرَ مِمّا يحتملُ ؟لعلّ قراءة التيمات المُتداولة في هذا المنجز السّردِي ،هي التي ستجيبُ.
بالرجوع إلى مجموعة خلف السراب وقصص أخرى ، نلاحظ احتضانها لنصوص توزعتها تواريخ،تبدأ من سنة 1981م وتمتدُّ إلى 2015م وقد وردت بدون ترتيب كرنولوجي،سأحاول ترتيبها حسب سنوات الكتابة .
1)1981م:لعبة الحياة ،(نص واحد)
2)1986:خلف السّراب،العذراء والدّم،صالح،شاعر يحكي(أربعة نصوص)
3)1987:اللحظَاتُ الميّتةُ ،ثمن الكرامة،سدُّ الرمق(ثلاثة نصوص)
4)1995:درسنا اليوم (نص واحد)
5)2008 بركة الماء (نص واحد)
6)2009:رحلة الصّمت(نص واحد)
7)2011عبير الماضي (نص واحد)
8)2012:زمن التفاصيل(نص واحد)
9)2014: الحقيقة الضّائعة(نص واحد)
10 )2015:بين الأرض والسّماء ،الكرامة الضّائعة،شرود من نوع خاص
11)2016:المفتش يشرّفنا،في انتظار الزّائر الكريم،عشاءالليلة،العامريّات،حلم بوعلالة
باستقراء هذه التواريخ، نلاحظ أن أغلب هذه النصوص هي وليدة عقد الثمانينيات، وخاصة سنة 1986م الّتي شهدت ميلاد أربعة نصوص، لكن قراءة دقيقة للمتن القصَصِي ،تؤكد أن حتى أخر تاريخ للكتابة وهو 2015م يحيلُ على الماضي،بل يمْتَدُّ إلى مرحلَة الستينيّات، وتحديدا سنة1965م وارتباطها ب23مارس الشهير كتاريخ دموي.
إنّ الكتابة لهذا المنجز القصصي،امتدّ لأزيد من ثلاثة عقود،أغلبها يحمل تيمة اَلحكي الماضويّة ،وبأساليب مختلفة،تركن في مجملها إلى الثمانينيات، ولعلّ جيل الستينيّات وهو يخوضُ غمار الكتابة القلقة في الثمانينيات هو الجيل الّذي اكتوى بنار واقعٍ في زمن مغربيٍّ ،بدأت بوادره أزمته تلوح في شموليتِها واضحة المعالم،ومحمد محضار لا يمَثّلُ الاستثناء،بل هو كأيّ منخرط في الواقع ، يعيش تفاصيله بمرارة المثقف العضويّ،من هنا كانت"خلف السّراب "كمجموعة" قصصية موسومة بهذا القلق الوجودي، والرغبة في التعايش مع الواقع رغم قساوته.
بالنّظر إلى المنجز القصصي،الذي بين أيدينا نلاحظ أن الكاتب محمد محضار اِشتغل على القصّة بشكل احترافِيٍّ، احترم خصوصيات هذا الجنس الأدبي ، فكانت قصصه ذات بناء منسجم.
غلب على كل القصص،طابع السرد بلغة بسيطة،تكَسِّرها حوارية منضبطةً،تتساوق مع روح النّص،لكنّنا نلاحظ أن خلف السراب في جزئها الأول تتجاوز القصة إلى مشروع رواية ،ذلك أن النص الذي يحمل ذات العنوان "خلف السّراب"يتضمن خمسة فصول ، أي ما يعادل 86 صفحة، وربما كان هذا السبب الذي دفع الكاتب إلى عنونة الكتاب ب" خلف السراب وقصص أخرى " ،كإشارة منه إلى كون نص "خلف السراب " هو أقرب للرواية منه للقصة،
ويرسم هذا النص بشكل سرديّ متواتر حياة البطل "عبد الحق" الذي يعيش تمزّقاَ نفسيا جرّاء ضغط الواقع وغياب العمل،وعدم القدرة،على التحرّر من رواسب الوعي الشَقيّ الذي يضاعف من حدّة هذا التشظّي ،رغم تلك الطّاقة الّتي كان يستبطنُهَا وهوَ يحاول خلق تعايش مع الواقع.
يقول عبدالحق باعتباره راويا للأحداث:"سأعود ألى قلب المعمعة من جديد، وأخوض غمار المعركة من أجل الوجود"
ويضيف قائلاً:"وأخيرا فلتذهب سامية ورشيد وطبقتهما إلى الجحيم"
إنّ ضغط الواقع كان كبيرا، لم يسوّغ التعايش معه إلاّ الحلم "أحسست بغربة قاتلة تعتصرني ،ولعنت نواميس المجتمع المهترئة ، وجذور الطبقية المخزية.."
أحس (في الحانة)يقول:"برغبة عميقة في قتل وعيي والاستسلام إلى عالم الحلم ".
إن تقنيّة الحلم اُستُغلت بشكل كبير في هذه المجموعة القصصية،سواء كان حلْمَ يقظة (البطل يحلم بسامية)أو حلما حقيقيا ينقله إلى عوالم قد تصل إلى اللامعقول كما هو الحال في قصة بين الأرض والسّماء،حيث وظف الحلم ودفع به إلى الغرائبيّ، نجد أن البطلَ يَحُلُّ بجسم أخر " عندما فتحت عيني، اكتشفت بأنني قد حللت بجسم غريب عني، جسم يبدو أكثر نضارة وشبابا من جسمي الحقيقي، دقّقْت النَّظر في المكان الذي أتواجَد به، علّنِي أعثر عن شيء يُزيل دهشتي، أنا في غرفة نوم فسيحة، مستلق على سرير ناعم الملمس ،وإلى جانبي تنام سيدة في حدود الثلاثين من العمر، بوجه أبيضَ ناصع، وشعر بنّيّ ينسدل في رقة ،على كتفيها العاجيين ،المنحسر عنهما ثوب الروب الحريري الذي ترتديه"
والأكيد أن تقنية الحلم والغرائبي تم توظيفها، بطريقة ذكية هيأت للقارئ الجَوّالعام المنسجم زمنيّا مع الشّخوص، والأحداث ،والأَشياء،"فبعض الأثاث يبدو قديما نشازا،وجهاز التلفاز لا يشتغل إلا بعد السادسة مساء موعد الإرسال،اليومية قديمة تعود لسنة 1965".بهذه المؤشرات عاد بنا الكاتب إلى عالم الأحداث الطلابية ل23 مارس 1965.ليكون الجسم الذي استعاره ،جسم ضابط شرطة كبير،سيساهم في السيطرة على الوضع المستعر في الشارع المغربي،ولكي يعيدنا الكاتب إلى أجواء القصة بطريقة مشوقة ،فإنه يضعنا فجأة أمام وضع مفاجئ ، وتقفز أمامنا عبارة "وفي لحظة" التي تدفع إلى اكتشاف بطل النص ضمادتين على عينيه،وجبيرة على رجليه،ويسمع صوتا يقول له:"...على سلامتك أسي حسن التدلاوي..معك الدكتور فجر الإسلام بدر".
ويتسأل بطل النص :" هل أصبت في أحداث مارس 1965"ويأتي الجواب مفاجئا:"نحن في سنة 2003 و قد أصبت في الانفجار الإرهابي الذي وقع منذ أسبوع بدار إسبانيا"
في هذه القصة ،سنعيش الحلم والغرائبي ،والهذيان، الذي سيرتبط بالأجواء التي صاحبت الانفجارات الإرهابية ، إن الرابط بين أحداث 1965 وأحداث 2003هو الدّم، الموت، العنف،فهل تغَيّرَ شيءٌ؟ إنّه سؤال العنوان منسجما مع الأحداث التي كتبها الأستاذ محمد محضار.
إن مجموعة خلف السراب تتضمن تيمات موضوعاتية كثيرة يمكن رصدها كما يلي:
1)عطالة المتعلمين ،"ولكن اليوم الأمور انعكست، بعد أن حصلت على الشهادة، وأصبحت مجازا معطلا ، أتسكع بين الأزقة ، أنفق وقتي بين البيت والمقاهي ، ولعل ما يزيد الطي
ن بلّة أنني العاطل الوحيد في البيت،وأنني اليد السفلى الوحيدة"
2)العمل بشهادة أقلّ:"فأخي الأصغر سليمان ، اشتغل بالباكالوريا في أحد البنوك،وأختي نادية حدت حدوه ،وأصبحت معلمة"
3)الضمير المهني والنزاهة ، في مقابل الارتشاء" ولعل الشيء الّذي كنت أقدره فيه(والدي)أكثر هو نقاء سريرته وتجنبه الرشوة والمرتشين، مما جعل وضعه الاجتماعي يظل متواضعا، عكس بعض زملائه ممن فضّلوا بيع ضمائرهم"
4)موضوع الانخراط في العمل السياسي في تلك المرحلة الحارقة،"برغم نصائح والدي فقد كنت خلال سنوات الدراسة الجامعية ، أشارك في كل أنشطة إتحاد الطلاب،ولا تفوتني تظاهرة ،أو وقفة احتجاجية، دون أن أساهم فيها بفعالية غير آبه بالتضييق والقمع الممنهجين،اللذين كانا يسودان سواء داخل الحرم الجامعي أو خارجه،"
5)تدخل الوساطة في العمل:"كان أخي سليمان قد اختار ولوج سوق الشغل مبكرا فبعد حصوله على شهادة الباكالوريا ،التحق بالعمل في إحدى الوكالات البنكية ، بتدخل من أحد معارف والدي"
6) موضوع اهتزاز صورة المعلم بالمغرب ، بعد الهجمة الشرسة والقمعية التي تعرض لها رجال التعليم ،بسبب المحطات النضالية التي خاضوها دفاعا على شرف المهنة،ومن أجل تعليم هادف يسمح بتكافؤ الفرص،وقد كان من نتائج هذه الهجمة تشويه سمعة رجل التعليم عند العامة:"أنا معلم مغلوب على أمري،وأنت تعلم أن المعلّم محتقر ، والمجتمع ينظر إليه بنصف طرف،لأنه لاحول ولاقوة له
ولا يقبض رشوة"
7) موضوع الرقيق الأبيض ،وتفشي ظاهرة الذعارة واستغلال القاصرين جنسيا وهذا مايرصده الخط السردي لقصة " العذراء والدم.
8)نكران الجميل وعقوق الوالدين
ولعلّ الخيط النّاظم ،لكل هذه المواضيع هو التمَزّق الداخلي الذي تعيشه شخوص هذه النصوص ،باعتبارها تعكس صورة الانسان العربي عموما،والمغربي على الخصوص،في صراعه المتواتر مع واقع متناقض ،ووضع اجتماعي مهزوز.
إن تجربة الكاتب محمد محضار في مجموعة " خلف السراب وقصص أخرى"،ترتكز على أسلوب يعتمد السهل الممتنع،واغلبها كُتب من زواية المتكلم ،حيث يتساوى الغائب مع الحاضر ، وتصبح الرؤية متلازمة مصاحبة للشخصية الساردة للأحداث ،ومن هذه النصوص نذكر
:( خلف السراب، بين الأرض والسماء، عبير الماضي ، شرود من نوع خاص ، رحلة الصمت، شاعر يحكي،اللحظات الميتة العامريات في انتظار الزائر الكريم المفتش يشرفنا )بالنسبة لباقي النصوص ،فقد كتبت برؤية سردية من خلف ، أي أن الراوي أو السارد ملم مسبقا بالأحداث ومطلع على أحوال الشخصيات النفسية والاجتماعية ، ومتحكم في ترتيب بنية الزمن والمكان:(العذراء والدم، صالح، زمن التفاصيل ،لعبة الحياة، ثمن الكرامة، درسنا اليوم، حلم بوعلالة، سد الرمق، بركة الماء )
وأخيرا فإن مجموعة "خلف السراب وقصص أخرى" جديرة بالقراءة والمتابعة

المصطفى مزارى

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...