أحمد رجب شلتوت - كيف كسر بيكاسو وأينشتاين الحدود بين الفن والعلم!

يبدأ آرثر آي ميللر كتابه "أينشتاين.. بيكاسو.. المكان والزمان والجمال الذي ينشر الفوضى"، الذي ترجمه عارف حذيفة، وصدر ضمن مشروع "نقل المعارف"، التابع لهيئة البحرين للثقافة والآثار، بالتأكيد على أن أيقونتي القرن العشرين هما أينشتاين في العلم الحديث، وبيكاسو في الفن الحديث، فهل ثمة مشتركات محتملة بين العلم والفن خاصة أن بشرا غير قليلين اعتادوا النظر إليهما كشيئين مختلفين إلى حد التناقض، وبالتالي هل يمكن أن نتوقع تشابهات أو مشتركات بين الرجلين؟
يجد آرثر آي ميللر بينهما توافقات ترتقي لتكون تشابهات غريبة وقابلة للتوثيق بين إبداع الرجلين، والحياة الشخصية والحياة العلمية لكل منهما، كذلك فالتناظرات بينهما خصوصا في خلال أول خمسة عشر سنة في القرن العشرين تظهر بجلاء النقاط المشتركة في تفكيرهما كما تبين طبيعة الإبداع العلمي والفني بما يتيح الوقوف على الحدود المشتركة للفن والعلم. بل أن التشابهات والتباينات في الحياة الشخصية لكل من بيكاسو وأينشتاين، تعكس إلى حد ما الوسط الفكري والاجتماعي الذي كان سائدا لكليهما في ذلك الوقت.
آنسات أفينيون

يخصص الكاتب ثاني فصول كتابه لبيكاسو، ويقوم بتوثيق زيارته لباريس في مايو/أيار 1904، ولم تكن أولى زياراته بل كانت الخامسة، ففي هذا الوقت كانت باريس مركزا للفن في العالم لذلك أصر على أن يمحو عن نفسه أي أثر للأربعة زيارات السابقة مقررا أن يبقى هناك حتى يحقق أحلامه التي تعاظمت عندما زار مدريد لأول مرة وهو ابن الرابعة عشرة الذي بزغت عبقريته، إذ أدت الجودة العالية للصور التي أعدها من أجل امتحان القبول إلى السماح له بأن يتخطى مقررات التعليم الابتدائية، وأن يقبل في صفوف متقدمة مع طلاب يكبرونه بخمس سنوات .
ويبين الكاتب تفاصيل حياة وترحال بيكاسو، فعدم ارتياحه لمدرسة مدريد وعدم قدرتها على تلبية احتياجاته الفنية، وأيضا افتقاره لمسكن ومرسم ملائمين، كلها أمور أصابته بالإحباط الذي أدى إلى الاكتئاب. فقد أضطر لأن يقيم معرضه الأول في حانة، وذلك في فبراير 1900، لكن الانفراجة جاءت مع اختيار إحدى لوحات هذا المعرض، وهي لوحة اللحظات الأخيرة، لتعرض في باريس في المعرض العالمي ضمن الاحتفال بالقرن الجديد، وكانت سببا لزيارته الأولي فلما تكررت لدراسة الفن الفرنسي ولبيع لوحاته، أفلح في الدراسة لكنه فشل في الثانية فعانى التشرد والإفلاس لولا أن أنقذه منهما الشاعر والناقد الفرنسي جاكوب لتغير مسار حياته تماما، لم يكن في غرفة جاكوب سوى سرير واحد تناوبا النوم عليه، كما تبادلا التأثير.
وقد عاش بيكاسو وأصدقاؤه في مرحلة تغير سريع تحدث نادرا، في الفن والأدب والعلم، فتشاركوا في المعرفة، وبذلوا جهدهم لينتجوا أدبا وفنا يضاهيان منجزات العلم، ويستعرض الكتاب نزوات الفنان ووقوعه في الحب تزامنا مع تنامي اتجاهاته الفلسفية، والأدبية، والعلمية، ليصل إلى تحولاته الفنية، ويتوقف طويلا أمام لوحة (آنسات أفينيون)، التي رسمها بيكاسو في عام (1907)، ويصفها آرثر بأنها "اللوحة التي أتت بالفن إلى القرن العشرين" فقد أحدثت طفرة نوعية في أسلوب بيكاسو، وفي تاريخ الفن عموما، حيث أدخلت مبدعها إلى فضاءات التكعيبية، ليشتهر بهذا الأسلوب عالميا. ويمر على مسيرة هذه اللوحة نحو الظهور، وما تعرضت له من نقد قاس في بدايتها، لتأخذ حيزا في العام (1916)، حيث تم الاعتراف بها. ثم يشير لطقوس بيكاسو، وميوله الثقافية، وحياته الشخصية، والتوترات التي حركت إبداعه ليصل أخيرا إلى القناعة بأن العلم والتكنولوجيا والرياضيات، قطع مهمة في هذه الفسيفساء، التي يستعرض المؤلف بعض التفسيرات الشائعة لها، أما الفصل الخامس (بروك وبيكاسو يستكشفان المكان)، فهو بحث استقصائي عن كيف تأثر بيكاسو بالحركة العلمية، وكيف وظفها في أسلوبه التكعيبي.

فوضى الأبكم
"تأخر في البدء بالكلام إلى حد خاف معه المقربون من ألا يتكلم أبدا"، لكنه بعد مسيرة تعليمية وحياتية، حافلة بالفوضى، والغراميات والمراسلات مع الفيزيائيين والعلماء، حيث أتاح له عمله في مكتب براءات الاختراع السويسري، أن يتابع النظريات العلمية، ليشكل نظريته في النسبية عام 1905، وبحسب الكتاب، كان عقله يحلق بعيدا عن هذا العالم الأرضي، بعيدا عن الشخصي البحت إلى حيث يكمن سر مؤشر البوصلة، إلى عالم مبني وفق بديهيات كراسة الهندسة المقدسة، عالم يلاحق المجربون الفكريون فيه الأمواج الضوئية.
كانت دائرة براءات الاختراع ديره الدنيوي، حيث اقترب من السماء أكثر ما أقترب. ويعود في الفصل السادس للحديث عن النسبية وصاحبها، فيسلط الضوء على الدور الذي أداه العالم الفرنسي هنري بوانكاريه، في حياة كل من بيكاسو وأينشتاين، ولا ينفصل عن ذلك تأثير العناصر التكنولوجية للطبيعة في أينشتاين، والذي يشمل ضبط الساعات، واستخدام إشارات كهرطيسية، والقضايا المتعلقة بالمولدات الكهربائية. فاستطاع مد نظريته النسبية لتشمل الجاذبية، ويواصل الكتاب سرد المشتركات بين بيكاسو وأينشتاين، مستعرضا بعض الآراء على النظرية التي طرحها، وصولا إلى تحوله إلى أحد أشهر المشاهير في ذلك العصر، والذي بلغ ذروته عام 1919، تماما كما بدأت شهرت بيكاسو في هذه المرحلة.
اختفاء الحدود
يخلص المؤلف مع نهاية الكتاب إلى "أن نظرية ألبرت أينشتاين، ولوحة بابلو بيكاسو، هما العملان اللذان أدخلا العلم والفن إلى القرن العشرين، حيث لحظة الإبداع تخفي الحدود بين فروع المعرفة. ويغدو علم الجمال هو الأعلى، ويكشف الكاتب، كيف أن الرجلين اشتغلا على ذات المعارف، واستمدا منها عملين ينتسبان إلى فرعين من فروع الرقي الإنساني، كما يشير إلى قولين مهمين لهما، يقول أينشتاين "عندما لايكون لدي مشكلة خاصة أُشغل بها عقلي، أُحب أن أصوغ من جديد براهين نظريات رياضية وفيزيائية أعرفها منذ عهد بعيد، وهذا لايهدف إلى شيء، بل هو فرصة للاستغراق فقط في التفكير الممتع"، أما بيكاسو فيقول "الأمر المهم هو أن نبدع، لاشيء أخر يهم: الإبداع هو كل شيء".
التفاعلات: مصطفى البشير فودة

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...