فالح الكيــــلاني - الشعر العربي في الاندلس – القسم الثاني

مر الشعر الأندلسي بأطوار ثلاثة: فكان منذ الفتح حتى أوائل القرن الخامس الهجري يمثل شعر التقليد لأدب المشرق، ولم يكن التقليد عجزاً عن الابتكار، وإنما شعور بالانتماء إلى الأصل كشعر ابن عبد ربه، وابن هانئ وابن شهيد، وابن دراج القسطلي.
ونلاحظ في هذه الاطوار ان الاول يمتدّ طيلة العهد الأموي و تستغرق نحواً من ثلاثة قرون.وفيها الشعراء و الكتاب الذين ظهروا فى هذه الفترة كانوا شديدي الصلّة بأرض المشرق الّتي انطلقوا منها ومنهم العراقي والحجازي ,والشامي و اليمنى وكلّ منهم يحن إلى الربوع الّتي فارقها. فاذا الشعراء الأولّون يتّغنون بارض نجد و بلاد الشام و اليمن و ينظمون قصيدهم على نحو ما كان اهل الشرق ينظمون. و لقد ظهر التقليد فى كلّ شيءٍ, فى المعاني و الأساليب و الأخيلة و الصورالشعرية و الموضوعات مثل المديح و الهجاء
و الرثاء و الغزل و ….. .
الا انه ظهر جيل اخر ترسم شعراءه خطى من سلفهم لأنّهم كانوا شديدي التأثر بهم و لم تكن الفترة الزمنيّة كافيّة لأنّ تجعلهم يذوبون فى البيئة الجديدة, فقد ظلوا يحسون انّهم غرباء, و ظلّت صلتهم بالمشارقة و حنينهم الى مسقط رؤوس ابائهم حاضرة. فنسجوا على منوالهم فى الاوزان و الأغراض و المعاني و الأساليب لكنّهم يقصرون عنهم تقصير المقلّد عن المبدع. وكان ذلك واضحا فى شعر ابن هانئ الاندلس و ابن عبد ربه و ابن درّاج القسطلى بحيث كانت مطالع قصائدهم غزليّة تقليديّة وفيها وصف للطلول و الصحراء و خيام البدو وحتى الناقة .
لكن ليس طبيعيّا أن يظلّ تقليديّا عدة قرون تقريباً, لولا أن شعراء الأندلس كانوا شديدي المحافظة على التقليد القديم, لشعورهم بالضعف حيّال المشارقة و لكثرة ما اهتدى اليه شعراء المشرق من وجوه الإجادة و الإبداع . فكان هولاء الأندلسيون يحاولون تقليد ابي نواس و مسلم بن الوليد و ابي تمام و البحتري و المتنبّي و سواهم من فطاحل الشعراء في المشرق العربي فى تلك الفترة من الزمن..
و مما امتازت به هذه المرحلة أيضا النشاط اللغوي فقد بذ ر العرب الأولون القادمون من المشرق بذورها و تعهدها على سبيل المثال ابو على القالي بالعناية فتتلمذ بعض الاندلسيين علي يديه وتخرج على يديه لفيف من الأدباء و اللغويين امثال ابن القوطيّة مّؤلف كتاب ( الأفعال) و ابن السيّد البطليوسى صاحب كتاب (الأقتضاب) و أبي بكر الزبيدي صاحب كتاب ( أخبار النحويين) وغيرهم كثير.
اما الطور الثاني وهو طور التجديد وفيه ادرك الأندلسيون خلالها شخصياتهم و تحقق لهم التأثر الفعلي بالبيئة الأندلسية وانماط الحياة فيها و تعمّقت جذورالثقافة العربية فى أراضيهم. و هكذا ظهرت ملامح التجديد فى كلّ من الشعر و النثرعلى حد سواء من غيران يزول التقليد زوالاً نهائيّاً الا انّ تقليد الشعراء الاندلسيين للمشارقة المجددين هو ذاته لا يخلو من تجديد ولعل أبرز مظاهر التجديد فى الشعر الأندلسي بأنّ تلك الفترة تتجلّى فى العناية بالشكل, وقد فهموا ان الشعر عمليّة غنائيّة فنّية فصرفوا اهتمامهم الى الموسقي و سهولة الألفاظ و رشاقة التعبير و خفّة الوزن حتّى بات الشعر الأندلسي فى هذه المرحلة يمتاز عن الشعرالعربي في المشرق بسهولة اللفظ وأشراق الديباجة و قرب المتناول, بحيث ان الأندلسيين بهذه الحقبة نسوا اوطان ابائهم و اجدادهم و راحوا يصفون بيئتهم وما فيها من خصب و جمال ونضارة خضراء و تعلّقوا بها تعلّقا زاده حدّة ما كانوا يلقونه من عيون تتفتّح على تلك الجنان و اطماع تمتدّ الى معاقل العرب فى الأندلس. فكان الشاعر ينفعل اشدّ الأنفعال لمرأى الأرض الّتي ترعرع عليها و تكوّنت ذكرياته ايام الصبّا و الشباب بين حنايها فيغنيها لسانه بغناء عذب رقيق فيصوّر مفاتن البلاد ومحاسنها . ا .*
اما الطور الاخر اوالمرحلة الثالثة فهي مرحلة التجديد وتعني المرحلة الأخيرة من نهضة الشعر الأندلسي, حيث بلغ فيها ذروته. وفيها تحررالشعرالاندلسي من تقليد الشعر في المشرق العربي كل التحرر, وصارت له اساليبه ومعانيه وصوره الشعرية المنبعثة من افكار ومخيلات الشعراء الاندلسيين وفنونه الخاصة به والمستمدة من الحياة الاندلسية الخالصة, كشعر الموشحا ت ورثاء المدن و الشعر الغنائي, والاستنجاد وكل فنون الشعر الاخرى …
أنَّ اكتمال الشَّخصيَّة الشعرية الأندلسيَّة لم يؤدِ ّ إلى إثبات الوجدان الأندلسي المستقل فحسب؛ بل ساهم بشكْلٍ كبير في ظهور إبداع أندلسي أصيل شهِدته الأندلس، متمثِّلٍ في الموشَّحات والزَّجل، باعتبارهما فنَّين جديدين في الشعر الاندلسي ثم العربي ، فهما يعدان من ثمار التطور الأندلسي.
وقد صور الشعراء بيئتهم الرائعة ، وبرزت العوامل الأندلسية الذاتية كما في شعر ابن عبدون، وابن خفاجة، وابن سهل، وأبي البقاء الرندي، وابن خاتمة الأنصاري، ولسان الدين بن الخطيب، وابن زمرك، ويوسف الثالث ملك غرناطة، وابن فركون، وعبد الكريم البسطي.
بسبب هذه محاكاة شعراء الاندلس للشعراء العرب في المشرق وتتبعهم أساليبهم ومعانيهم فقد تكنوا باسمائهم فقيل للرصافي ابن الرومي الأندلسي، ولابن دراج متنبي المغرب، ولابن هانئ الاندلسي متنبي الأندلس، ولابن زيدون بحتري الأندلس.
وكانت ظاهرة الانتقاء من التراث من خصائص الأدب الأندلسي، فكانوا يضمنون قصائدهم أقوال الشعراء قبلهم وأشعارهم وأمثالهم وكل ما صادف هوى في نفوسهم. ولقييت حركة التجديد صدى واسعا مستحباً في نفوس الأندلسيين، فلم يتقيد أغلب الشعراء بالاساليب الجاهلية او القديمة ومعانيها وأوصافها وقد نفروا من الألفاظ الوحشية والغريبة عليهم إلى الألفاظ المأنوسة الرقيقة، وكانت القافية الواحدة، وأوزان العروض الستة عشر ومثلها أكثر المعاني والأساليب المتوارثة في الشعر التقليدي في الأندلس .
الاساليب الشعرية في الاندلس تتشابه مع الاساليب الشعرية في المشرق العربي في بداية تكوين الدولة الاندلسية وتختلف عنها باختلافات بسيطة باختلاف شخصية الشاعر.
وعلى العموم كان هناك اسلوب رصين ومتين بنى عليه الشعراء قصائدهم دخلت عليه بعض من كلمات غريبة الا انه بقي جزل العبارة فخم اللفظ شديد سميك البناء .
الا ان الشعراء تاثروا بالامم الغربية بعد اطلاعهم على عاداتهم وتقاليدهم وتغيير البيئة عليهم والشعراء اول الناس يتغيرون ويتاثرون بمثل هذه الامور ويهيمون بمثل هذه الاشياء فادى هذا التغير الى تطور اساليب الشعر فتطور الاسلوب الشعري الغنائي اولا وما ل الشعراء الى التحرر من القيود الشعرية والانطلاق منها فكانت هناك قصائد في الشعر في الاسلوب السهل والتفعلية القصيرة او المشطورة او قل قطعت تفاعيل الخليل الى النصف في بعض الاحيان او الى الربع وحسب الحاجة وموازنة الموسيقى الشعرية الغنائية حيث ظهر الموشح في الشعر العربي في الاندلس واقتبسه الغربيون بعد عشرات السنين والموشح موسيقاه من الاوزان الشعرية المألوفة في الشعر العر بي توشحت اواخره اما بقواف ثنائية او ثلاثية واما بجمل متحدة القافية ومتوازنة المعنى .
اما اساليب الشعر العربي في الاندلس على العموم سهلة رقيقة مفهومة المعنى جعلت الشعراء ينظرون الى التقدم والتحضر والرقي ويلقون بانفسهم في مهاوي الحياة السعيدة المؤطرة بالرفاهية وسبل العيش الهني ينشدون للحياة المرفهة بين الروضة والجنة وبين الغنوة والرقصة واللحن الجديد او بمعنى اخر ينشدون ما يبهج النفس وفق ما املته الطبيعة الاندلسية الخضراء فتركت هذه الطبيعة ثروة شعرية ما زالت تطوي الايام وتقف كالجبل الشامخ في وجه كل الصروف الدهرية والاحداث الجسيمة بقصائدها العصماء التي هي من عيون الشعر العربي ولا تستطيع ان تطويها الايام او تغير من مكانتها الادبية والثقافية رغم مرور مئات السنين .

يتبع


امير البيـــــان العربي
د. فالح نصيف الحجية الكيلاني
العراق – ديالى – بلــــــد روز
الكاتب: فالح الكيلاني


تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...