إن هذا الضرب من القول الشعري ليتجاوز مألوف الأغراض، ويُحلِّق في سماء قلما سلكتها مُخيلة، أو شُغِف بها طبعٌ، فهو لون كلامي استمدَّ شرعيته من الفضاء الذي وُلد فيه، ومن الحضارة التي أسست هذا الفضاء. فقد كان البناء الثقافي فيها غير خاضع لهندسة البُعد الواحد، بل كان ممثلا لصحوة الاختلاف ولمسة الائتلاف. الرؤية فيها لاحِبَةٌ ورحبةٌ، والأسُسُ عنيدة وصلبة، والغاية هي التفرد في دائرة التجانس، والإحساس بالذات داخل ذلك البناء؛الذي هو رغم تباين غرفه يتواصل، ورغم تقابل أبوابه يتفاعل. . . ومن ثمَّة كان هذا التشكيل الحضاري المُتْرَف. والذي يهمنا منه هو جانب الحمامات فهي – إن تركنا هدفها العام الذي أُسِّسَت من أجله – موجةٌ من بحر هذه الحضارة، ودُرْجَةٌ من دُرَجِها، تجمع بين شعرية المكان، وشعرية الحِقْبة، وشعرية الهندسة، وشعرية الطقوس، لا تختلف في ذلك حمامات دمشق عن حمامات القاهرة، ولا حمامات بغداد عن حمامات اشبيلية وقرطبة وغرناطة، ولا حمامات إيران عن حمامات تركيا، ولا حمامات المغرب عن حمامات الجزائر وتونس إلا في لمسات تهجس بها الجهة، وتشي بطابعها.
وهذا الثراء المعماري في الحمامات ليس بذخا سفيها، ولا ترفا مقيتا، وإنما هو ضرورة حياتية فرضها مستوى العيش العام، وتَطَلَّبها إيقاع التطور. ولذا نجد عامة الناس لا يعتبرون ما تشتمل عليه الحمامات من روعة البناء، وآيات الفن – إذا قيس بآيات عمرانية أخرى – شيئا جديرا بالإعجاب والانبهار إلا عند من لم يروا في حياتهم نعيماً قطُّ. ولا نستطيع في هذا الحيز أن نمنع ذاكرتنا من استحضار كثير من الأجانب الذين انبهروا بالحمَّامات العربية والتركية بعدما اندغموا في طقوسها، واستكنهوا أسرارها.
ولقد حاول بعض الشعراء أن يلجوا هذا الفضاء السحريَّ المُؤَسْطَرَ ويعانقوه، وأن يصهروا ذواتهم في ذاته، ويسكبوا من خلجاتهم مرايا تُظهر منه ما خفي، وتُقَرِّب ما بعُد. كل ذلك في شعرية تَبتكرُ لغتها وتندلع، وتسكب ألوانها وتتوهج. إنها شعرية تَلِدُ معجما لم يُولَد في المعاجم مثله، وتفتح سكَناً في أزمة الإسكان الشعري، وتُفجِّر عيناً لم تُفسِدها أنفاس النمطية القاتلة، وتُشَكل عالما ثَرِيًّا مُبهجاً مَرِحاً، فيه عجائبيةٌ Exotisme وغرابةٌ، وطرافة ودُعابةٌ، وبساطة وأناقة، ونفاذُ بصيرةٍ لا يخلو من مفارقةٍ.
4 c
وهذا الثراء المعماري في الحمامات ليس بذخا سفيها، ولا ترفا مقيتا، وإنما هو ضرورة حياتية فرضها مستوى العيش العام، وتَطَلَّبها إيقاع التطور. ولذا نجد عامة الناس لا يعتبرون ما تشتمل عليه الحمامات من روعة البناء، وآيات الفن – إذا قيس بآيات عمرانية أخرى – شيئا جديرا بالإعجاب والانبهار إلا عند من لم يروا في حياتهم نعيماً قطُّ. ولا نستطيع في هذا الحيز أن نمنع ذاكرتنا من استحضار كثير من الأجانب الذين انبهروا بالحمَّامات العربية والتركية بعدما اندغموا في طقوسها، واستكنهوا أسرارها.
ولقد حاول بعض الشعراء أن يلجوا هذا الفضاء السحريَّ المُؤَسْطَرَ ويعانقوه، وأن يصهروا ذواتهم في ذاته، ويسكبوا من خلجاتهم مرايا تُظهر منه ما خفي، وتُقَرِّب ما بعُد. كل ذلك في شعرية تَبتكرُ لغتها وتندلع، وتسكب ألوانها وتتوهج. إنها شعرية تَلِدُ معجما لم يُولَد في المعاجم مثله، وتفتح سكَناً في أزمة الإسكان الشعري، وتُفجِّر عيناً لم تُفسِدها أنفاس النمطية القاتلة، وتُشَكل عالما ثَرِيًّا مُبهجاً مَرِحاً، فيه عجائبيةٌ Exotisme وغرابةٌ، وطرافة ودُعابةٌ، وبساطة وأناقة، ونفاذُ بصيرةٍ لا يخلو من مفارقةٍ.
4 c