جمال الدين علي - أطياف جبر الدار.. قصة قصيرة

كل شيء يحدث في الظلام. أمام باب غرفة صغيرة في الطابق العلوي في بناية مهجورة; كان ثمة رجلان يقفان في الممر; عندما تسربت حزمة ضوء من نافذة مكسورة وارتمت متعبة على البلاط. بصق أحد الرجلين وكان ضخما مقارنة بحجم الرجل الآخر على بقعة الضوء وقال:
- إنها لقطة; لو عرف الناس من كان يسكن هذه الغرفة لدفعوا فيها الشيء الفلاني. ومع ذلك فضلتك أنت نظرا للظرف الصعب الذي مررت به.
بدا متعاطفا وهو يقول: لا أحد يريد أن يكون في موقفك سيد...
- جبر الدار يا سيدي.
تغيرت ملامح الرجل الضخم بدا ذلك واضحا خلال الظلال المنعكسة على الجدار; تمددت شفته السفلية; ورفع يده حك ناصيته وأنزلها بسرعة. ثم قال: نعم يا سيد جبر; هكذا دوما هن النساء; تصبح الواحدة شرسة كالقطة. ثم أنك حسب ما فهمت من كلامك لم تترك لها خيار. لا أحد يفعل ما فعلته يا رجل. وهو يسلمه المفتاح أضاف: كما طلبت غرفة بلا إنارة. مشي مبتعدا في الممر المظلم; وخيل إلى جبر الدار أنه رأى شبح الرجل يشيح بيده في الهواء وسمع صوت همهمة: يا لك من وغد مجنون. ولا يدري جبر الدار هل كان ذلك صوت الرجل أم صوت شخص آخر انبثق من مكان ما؟
ومع تسلق بقعة الضوء الجدار وقفزها من نافذة الغرفة المقابلة; فإن جبر الدار لم يعد متأكدا من شيء; حتى هذا الحوار القصير بدا له وهما أو ربما حدث في مكان ما في زمن ما ولكن ليس في هذا الممر المظلم جوار بقعة الضوء المنفلت من النافذة المكسورة. جبر الدار اعتاد مثل تلك الأشياء; في كل مرة يستأجر غرفة يسمع مثل هذه الأصوات. ثم ما يلبث و يكتشف أنها تهيؤات. لذا لم يستغرب الأمر وربما وجد العذر للرجل الضخم ولنفسه أيضا. فكما قال له الرجل قبل قليل لا أحد يفعل ما فعله هو. بصعوبة أدخل المفتاح في فتحة القفل وأداره. لم يفتح الباب مما اضطره لدفعه بكتفه; فأصدر صريرا مزعجا. في الأثناء ثمة كائن أسود كان رابضا في نهاية الممر; رفع رأسه وحدق فيه بعينين كهرمانيتين ثم عاد لمتابعة نومه. ما أن خطى جبر الدار أولى خطواته داخل الغرفة; حتى لطمته على وجهه كف معتمة ويبدو أنها كانت منهمكة في عجن شيء عفن. أخذ جبر الدار نفسا عميقا عبأ رئتيه. هذه الرئحة المنبثقة من جوف الظلام تشعره بنشوة لذيذة; تلك الأصوات التي ظل يسمعها في الليل ترقد الآن في مخادعها مطمئنة. بعينين ذئبيتين أجال بصره في أرجاء الغرفة الغارقة في الظلمة. ثمة شبح لسرير يسع شخص واحد يتوسط الغرفة يقابله شبح آخر يبدو أنه لدولاب كان بضلفتين ولكن الفراغ العميق يظهر أنهما سقطتا; على يمينه أسفل النافذة تقبع منضدة صغيرة يتكئ عليها شبح كرسي برجل مكسورة. بينما تتدلى من السقف بقايا لوحة بشعة يبدو أن عنكوبتا ثملا تركها قبل أن يكملها; فتدلت خيوطها الحزينة الممزقة من السقف والتصقت بالجدار. أغلق الباب برجله.. مشى بضع خطوات أنزل حقيبته من كتفه وضعها على السرير; خلع سترته ورمى بها فوق الحقيبة; وجلس دافنا رأسه في كفيه يفكر. لا يمكن له أن يتوهم كل ذلك. زوجته بعد هذا العمر تصر أنه يخونها مع فتاة شابة; ومع أنه أقسم لها بعمره الذي أنفق نصفه في حبها. إلا أنها لا تصدقه: وصلت بك الوقاحة أن تنده عليّ باسمها. وكانت تسد عليه أي منفذ للهرب بالصراخ والسباب. ويبدو أنه دارت بينهما في غرفة النوم معركة صغيرة; حالما حسمتها الزوجة لصالحها. لا يذكر أنه بادر بمد أصبعه. لكنه يكتشف الآن وهو يجلس وحيدا في غرفة مظلمة بعد أن تحسس وجهه أن ثمة جرح نازف في جبهته وعينه اليمين متورمة. هل لكمته بقبضة يدها ثم استدارت و بحركة أكروباتية قذفته بقنينة العطر التي أهداها لها في عيد الحب؟
هو متأكد أنها شتمته وسبت أمه بألفاظ نابئة. لكنها حسب رأي الرجل قبل قليل كانت لطيفة معه اذ تركته يرحل ولم تقتله أو تسبب له عاهة. لذا فهو يسامحها على هذا الخدش الصغير مقارنة مع تلك الحوادث البشعة التي يطالعها كل يوم في الصحف. لا يذكر أنه فكر في خيانة زوجته. كل ما يذكره أنها دخلت عليه غرفة النوم ووجدته جالسا في الظلام يتأمل صورتها في العدم. لكنها تصر ولديها دليل مادي حسب زعمها ويبدو أن الرجل في الممر يصدقها; وإلا لماذا بدا وكأنه يلومه على تصرفه.. وبينما هو جالس يفكر في طريقة للتملص من هذه الورطة; فجأة سمع تشقق السكون الذي غطى الممر; وحذاء بكعب عال يطأ عليه بثقله كله. ثم ما لبث وشعر بتصدعات عميقة.في روحه; وتلك الضحكات الغنجة مسامير تدق في رأسه بلا هواده. ثم ما لبث وفاح من شقوق الظلمة عطر نسائي كاد أن يفضحه.. وتخيلها هي بكامل أنوثتها المتوحشة تقف على عتبه بابه. قام من مكانه تسلل على أمشاطه; ألصق أذنه على الباب. كانت التشققات في سكون الممر تقترب منه وتصدعات روحه تزداد عمقا حتى شعر بأعمدة توازنه تهتز و الأرضية تحته تدور وخيل إليه أنه سمع صوت طقطة في مكان ما. وثمة أشياء بداخله على وشك أن تتداعى. ثم ساد صمت بداخله كصمت البريء حين تحاصره الأدلة. وراح ذهنه يصور له أوضاعا مخجلة. لحسن حظه أو سوء ظن اللحظة العدمية التي كان يتأمل فيها صورتها لم يكن باستطاعته الهرب. مرت عليه لحظات ثقيلة قبل أن يقرر يفتح لها الباب أم يقفز من النافذة.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...