أما رسائلك فقد مزقتها لحظة كتابة سطوري هاته، لك الشكر وأتمنى أن تعمل على طلبي الأخير منك. سطور فجرت بداخله بركان من الغضب، رسالتها الأخيرة تلك، فمنذ عام مضى، في يوم ماطر بكثافة، زلت قدمها وهي تحاول اجتياز الطريق، كان هو الوحيد الذي هرع لنجدتها والأخذ بيدها، فالشارع بدا خاليا من المارة والمركبات...
كان سلطان يعرفها منذ سنوات بعيدة، لكنهما لم يكونا يعرفان أنهما كانا يعيشان في المدينة نفسها، ويمران بالشوارع ذاتها، ويشتركان في كثير من التفاصيل الصغيرة، دون أن تجمعهما الحياة في الوقت المناسب.
كان في بداية شبابه حين كان يظن أن العمر طويل، وأن الأشياء الجميلة يمكن تأجيلها، وأن من نحبهم سيبقون...
أجلس على نار في انتظار أن تكتمل الكراسي. عيناي تَمرَّان على وجوه الرُّكّاب في الأتوبيس، أحملُ هَمًّا يُقطِّعني: أن أرى "علاء" جالسا بينهم، أو قادما للركُوب. حينها سأكون مُضطرّا إلى ابتسامة صعبة، تُحرّك عضلات وجهي بالإجبار. لساني سيقول كلمة أو كلمتين من تحت الضّرس. أنظر في الساعة، أنفخُ، أشعر...
صعدنا الباص ، أنا وهي ، باتجاه البصرة ، في واجب صحفي . أنا المحرّر وهي المصورة ، هدفُنا ، نقل ما خلفتّه حرب السنوات الثمان على هذه المدينة ، التي شبعت قصفاً وحرقاً لنخيلها وتجفيفاً لاهوارها المتاخمة لضواحيها . أقتنع مدير التحرير بإرسالها معي ، بعد أن أخبرتُه إننا شبه مخطوبين ، وعما قريب سنعلن...
بعد غروب الشمس ورحيل الصخب الذي كان يملأ الحياة من حولنا، جلستُ أنا وذاتي على ضفة نهر، نتحاور عن روعة الوجود، على الرغم من أننا نجهل معظمه.
قطع تحاورنا صوتُ ساعةٍ قديمة ينساب من مكانٍ بعيد، تعلن دقاتُها اقترابَ المساء.
قلتُ لذاتي:
- لنتمنَّ اليوم أمنيةً غير مسبوقة.
قالت ذاتي، وهي تنظر إلى ألوان...
كنت ذاهباَ إلى سفر بعيد
دفعني ازدحام مهول - توقفت عنده - دونما سؤال سوى أنهم ناس وأنا وحيد .. باندفاع حشد الناس الواقفَ وجدتني إلى جواره بعدما أفسح لي مقعداً بالياً ..
رجل بدين بحذاء بالٍ وبذلة بالية .. رائحة العرق والسجائر وروائح أخرى حولت المكان إلى ماخور تراصت فيه الناس على مقاعد تشبه...
هبَّت ريح خفيفة وظلت غيمة معلقة في السماء. كانت الدنيا وقت العصر، والجو جميل حلَّ فيه الربيع دون حسبان. كان أهل القرية ينتظرون حلول الليل ليقيموا زفاف أحد أبنائهم، فهم يطلقون على شباب القرية "أبناءهم"، لكن السماء كان لها رأي آخر.
فاحت نسمة ونادت امرأة لابنتها الصغيرة: "رجعي الغنيمات وخشي...
الاثنين /
ارهقتني رحلة العودة للبيت بحافلة تبقعت مقاعدها بالشحوم . وبعد نزولي منها كان علي ان اقطع ما يقارب الكيلومترا كي اصل الى غرفتي وهي في الاصل كرفان اقيم على صفوف من الآجر في سطح تابع لملحق بيت لا املك ادنى فكرة عن افراده قمت باستئجاره من مكتب عقاري في الجوار .
بدت غرفتي ــ عدا موقعها...
في أحد القرى كان هناك دكان صغير لا يلفت الأنظار من حيث شكله، لكنه كان أكثر الأماكن ازدحاما بالوجوه المبتسمة. لم يكن الناس يقصدونه لرخص بضاعته ولا لكثرة ما يعرضه من السلع، بل كانوا يأتون من أجل صاحبه العم ناصر
كان رجلا بسيطًا تجاوز الستين من عمره، يستقبل كل داخل بابتسامة صادقة ويسأل عن أحوال...
وجدت صورة لقزازة شربات قها الزجاجية القديمة، ما زالت مغلقة كما خرجت من المصنع، وتحمل على ملصقها تاريخ الإنتاج: 1986.
توقفت طويلًا أمامها.
لم أشغل نفسي بالسؤال المعتاد: هل ما زال الشربات صالحًا للشرب؟
بل سألت نفسي سؤالًا آخر:
لأيِّ وعدٍ كانت تنتظر؟
فنحن لا نشتري قزازة شربات لنحتفظ بها أربعين...
حدث ذلك فجأة
كان ذلك ظهيرة يوم جمعة، ولم يكن يتوقع ما جرى، جاء الشرطي وطلب منه أن يرافقه إلى مخفر الشرطة القريب، وبعد دقائق وجد نفسه في الزنزانة وحيداً، وفيها أنفق سبع ساعات بلا طائل، هذا ما اعتقده، فلم يفعل شيئاً سوى أنه كان وصديقه الذي غادر قبل لحظات يقفان في غرفته ويطلان، من نافذتها التي تشرف...
أبو چوقي
الدگة الناقصة
الجزء الثاني
اتجه إلى مهران، المدينة الإيرانية الملتصقة بالحدود الشرقية حيث يمرّ الزائرون في طريقهم إلى كربلاء، خرج نصف جسده من نافذة سيارة وكرر العبارة نفسها "كربلاء مستقيم، كربلاء مستقيم".
ازدحم الطريق بالزائرين حتى بدت مهران مدينة لا تعيش إلا للعبور كأنها تخلّت عن...
في أقصى القرية كان هناك منزل صغير تتكئ جدرانه على الإرادة والصبروالتحدي أكثر مما تتكئ على الحجارة والطين وفي ذلك المنزل عاش شاب يُدعى نجيب يحمل في قلبه حلما أكبر من حدود المكان الذي وُلد فيه
كان يحلم أن يصبح كاتبا يوقظ بالكلمات أرواحا نامت طويلا لكن كلما تحدث عن حلمه انهالت عليه الكلمات...
الجزء السادس والأربعون: حين يكتب الليل ما عجز النهار عن قوله
الليل في باريس لا يشبه الليل في أي مدينة أخرى.
إنه لا يهبط دفعة واحدة، بل يتسلل ببطء، كعاشقٍ يخشى أن يوقظ الذاكرة.
أفتح نافذتي المطلة على السين، فأشعر أن النهر يكتب هو الآخر مذكراته. الماء لا ينسى. كل موجة تحمل وجهًا مرّ من هنا،...
كانت في الرابعة ابتدائي حين قررت أن تقترب أكثر من عالم الدين. لم يكن الدافع سوى فضول طفلة اعتادت أن تسأل كثيراً، وأن تبحث عن أجوبة منطقية لكل ما يحيط بها. كانت تؤمن أن لكل سؤال جواباً، وأن الكتب وحدها قادرة على فتح الأبواب المغلقة أمام عقلها الصغير.
لذلك توجهت إلى المكتبة التي أصبحت بمثابة بيتها...