خطوتها ليست خطوة، بل موسيقى جسد، وقلبك أول الراقصين. هكذا أحببتك، كتمثال ينزف بين يدي نحّات منبوذ، كجرح مرسوم على كف التاريخ، كبشر صنعنا بأيدينا نواة خطايانا، كطعنة سامة أصابت قلب هوانا.
لم أكن أعرف في ذلك الوقت لماذا كتبت تلك الكلمات، ولا لمن كانت موجهة على وجه الدقة. كنت أكتب كما يفعل الإنسان...
لم يكن فتحي كثير الكلام حين يتعلق الأمر بي، وهذه المفارقة هي التي حيّرتني أكثر من أي شيء آخر. كان يستطيع أن يتحدث طويلًا في التاريخ، وأن يشرح واقعة صغيرة وكأنها حدثت أمام عينيه بالأمس، وأن ينتقل من تاريخ مصر إلى السياسة ثم إلى الأدب، لكنه حين يصل الحديث إليّ كان يختصر، ويتراجع، ويترك نصف الجملة...
كان الليل قد تمدد من حولي حتى بدا لي أن العالم كله نام، وبقيت أنا وحدي مستيقظة، أراقب السكون وأصغي إلى شيء لا أعرف له اسمًا. الآن، بما أنه ليلٌ جدًا، أريد أن أكتب. ثمة في الهدوء ما يجعلني أسمع صوت الحزن بشكل أعمق، بطريقة مختلفة، لا تشبه ذلك الحزن الذي يداهمني في وضح النهار، وإنما حزن أكثر...
الفصل: الرجل الذي ترك الباب مفتوحًا...
نعم، هنا يوجد تغيير جوهري مهم جدًا؛ لأن سفر فتحي بعد شهرين من رفض هالة، ثم غيابه أربع سنوات، وعودته إلى المنيا جثمانًا، يضيف إلى شخصيته غموضًا حقيقيًا، ويجعل الوداع أكثر قسوة وصدقًا. لذلك نحذف تمامًا فكرة أنه «سيسافر إلى بلدته» وأن هالة تقف لتودعه، ونترك...
لم يكن أكثر ما أخافني في فتحي أنه كان رجلًا أكبر مني، وإنما أنني كنت أعرف، في مكان عميق داخلي، أنني أحب هذا الرجل رغم كل ما بيننا من مسافات لا أعرف كيف يمكن عبورها.
كنت أخاف الاعتراف لنفسي قبل أن أخاف الاعتراف له.
فارق العمر كان يقف بيننا مثل جدار لا أستطيع أن أتجاهله، حتى عندما كان قلبي يتصرف...
مرت الأسابيع بطيئة، وانشغلت المدرسة بأحداثها اليومية، لكنني كنت أشعر أن شيئًا ناقصًا. حاولت أن أملأ الفراغ بالكتابة، فكتبت أكثر من أي وقت مضى. بدأت أكتب عن المرأة التي ستصبحها الفتاة الصغيرة يومًا، وعن الأشياء التي ستخسرها وهي تكبر، وعن الرجال الذين يمرون في حياتها، بعضهم يبقى، وبعضهم يرحل،...
امرأة من زمن الحلم
أقسى ما في الغربة أن يكون من تراه أمنيةً مستحيلة، هو نفسه الذي اعتاد آخرون حضوره، حتى صار في أعينهم عاديًا.
تلك هي المفارقة التي لم أفهمها إلا متأخرة.
أن ترى شخصًا من بعيد، فتشعر أن العالم كله قد اختصر نفسه في ملامحه، في صوته، في الطريقة التي يبتسم بها، في حضوره الذي يكفي...
كان أبي يأتي في المنام.
أحيانًا أشعر أنه أراد أن يأتي إليّ، لا لأنني كنت أناديه، بل لأنه كان يعرف أنني أحتاج إليه.
يأتي مرة، فيجلس إلى جواري، فأشعر بيده وهي تربت على كتفي، كما كان يفعل قديمًا.
وتارة أخرى لا يقول شيئًا.
فقط يطبطب عليّ.
تلك الطبطبة التي كانت تكفيني يومًا عن ألف كلمة.
كنت...
الجزء الثامن والستون:
حين يسبق القلبُ الحقيقة في تلك الليلة،
كتبت:
لم أنجُ لأن أحدًا أنقذني.
نجوت حين توقفت عن انتظار من ينقذني.
الجزء الرابع والسبعون: ظلُّ امرأةٍ في باريس
في الصباح، حملت حقيبتي.
نظرت إلى الغرفة للمرة الأخيرة.
لم أشعر بالحزن.
كنت أعرف أن الأماكن لا تملكنا.
نحن...
لم أنم تلك الليلة.
كان المطر يطرق زجاج النافذة بإيقاعٍ منتظم، كأنه يعرف أن في داخلي شيئًا ينتظر أن يُقال.
ظللت أحدق في الهاتف الموضوع على الطاولة.
الخبر القادم من مصر لم يكن كارثة، لكنه كان كافيًا ليعيد إلى قلبي ذلك الارتجاف القديم؛ أشياء تخص البيت، وأخرى تخص ابنتي، وأخرى تخص حياة كاملة ظننت...
الجزء السادس والأربعون: حين يكتب الليل ما عجز النهار عن قوله
الليل في باريس لا يشبه الليل في أي مدينة أخرى.
إنه لا يهبط دفعة واحدة، بل يتسلل ببطء، كعاشقٍ يخشى أن يوقظ الذاكرة.
أفتح نافذتي المطلة على السين، فأشعر أن النهر يكتب هو الآخر مذكراته. الماء لا ينسى. كل موجة تحمل وجهًا مرّ من هنا،...
نعم بدأت أتذكر رغم الإعياء، أنا مجرد شخصية داخل لوحة فنية، رأيتها منذ فترة في واحد من المتاحف التي زرتها في إيطاليا ربما هولاندا ممكن بريطانيا، نعمأنا عالق في نسيج لوحة هيرونيموس بوش، "حديقة المسرات الدنيوية": مغروساً داخل الجزء الأوسط حيث الجحيم مجسدا، هناك غربة أعيشها وأنا على الحافة كيف وصلت...
في غياب أبي تقوم أمي بمراقبتي كي لا أخرج، ولكن كيف أظل قاعداً في البيت مثل البنات، أو ألعب أمام البيت؟ لذلك أظل أتحين الفرصة حتى أنسلتَ من البيت فريرة نحو العزبة، التي كانت بالنسبة لي مكاناً سحرياً أسطورياً، تحتشد باللصوص والقتلة وتجار المخدرات. قوة داخلية تجعلني أحطم تحذيراتها، مما يسبب لي...
الفصل التاسع والعشرون: عندما يسقط العرش ويستيقظ الضمير
أما هناء فكانت تخوض معركتها الأخيرة؛ تلك المعركة التي لم تبدأ يوم اعتقالها، ولا يوم أُغلقت خلفها أبواب الزنازين الثقيلة، بل بدأت منذ اللحظة التي قررت فيها أن تكتب. منذ أن آمنت أن الكلمة ليست حبرًا على ورق، بل مسؤولية، وأن الصمت أحيانًا...
الجزء الخامس والثلاثون: البحر الذي يسكن النص
في تلك الليلة، لم تكن باريس تشبه نفسها. كان المطر يهطل على استحياء، كأنه يخشى إزعاج الحزن الجالس إلى جواري. أما أنا فكنت أجلس أمام الورقة البيضاء وأتأملها كما يتأمل الناجون البحر بعد الغرق. كلما حاولت أن أكتب عن شيءٍ آخر انتهيت إليك، وكلما حاولت...