مقتطف أبو يوسف طه - رواية (تحديث)... حكاية قرية في حجم الكف

1
حامت غراريب الشؤم فوق أرض المغرب بتواتر السبع العجاف (1940 - 47) أعقبها عام الجوع (1944 - 45). عمت الأمراض والوفيات ، نحلت الأجساد ورمدت الأعين وغزا القرع الرؤوس وطفح الجلد بالبتور
بحث النساء حاملات المناجل في الظهيرة عن نبات إيرني في أرض الحقول الجدباء ليعدن منه بعد معالجة سمِّيته خبزا ، يغلى في الماء مرات وينشَّف ثم يضاف إليه قليل من دقيق الشعير ويعجن ويخبز ثم تطهى أقراصه
صارت قرية البرجة أشبه بمقبرة تداعى نزلاؤها للحشر ، هياكل عجفاء بأثواب رثة ممزقة . تآلفت قسوة الطبيعة وجشع الإستعمار الفرنسي لرسم معالم هذا الوضع المأساوي
بعدأن جمع الليل نجومه ورحل ، بدت القرية صامتة وكأنها مهجورة ، جُند شبان في الجيش الفرنسي وتوزع آخرون بين المدن بحثا عن عمل
في مدينة مراكش التي توجد على مسافة خمسين كيلومترا ، كانت عناصر عالم طارىء تتبدى ، فرنسيات وفرنسيون يلاحقون بنظراتهم المتعالية طابور وافدين من البادية يساقون إلى المحجر في حارة المجاذيب بباب دكالة لتبخير
أثوابهم بالكبريت ورش رؤوسهم بمبيد القمل قبل تجاوز بوابة السور إلى داخل المدينة
مالايفسر . كيف عاش هؤلاء البؤساء وقد صدف عنهم العنصر
الطبيعي في الحياة البدوية : المطر . رغم ذلك كان أمر آخر يتسلل إلى واقعهم ، المشاحنات والخيانات مما يثير الإستغراب
مشهدان متناقضان تعبر عنهما نظرتان مختلفتان ، فرنسيات كأنهن وفدن إلى الأرض من جنة في أعالي السماء ، بيضاوات البشرة ، متوردات الخدود ، ذوات شعور ناعمة كالحرير ، يضحكن مستغربات كما ينطبعن في عيون طابور كما لو خرج من كهف عميق بعيدا عن حياة البشر كما ينطبع الطابور في عيونهن . ألم يستغرب كاتب أجنبي من تصادم المغاربة ببعضهم وهم يخطون في الأزقة ؟
المساقون إلى المحجر يجرون نعالهم الملحوسة أو أقدامهم الحافية ويختلسون النظر إلى ذوات الضفائر المعصوبة بشرائط ملونة ، وأجساد ذات الملمس الناعم وهن متوهجات تحت وضاءة الشمس . هل يدور في نفوسهم مع تساقط فجائي لهيئات نسائهم وبناتهم في أذهانهم من خلال تقابل الصورتين إحساس ما ؟ ماهو ؟
لم يمر على القرية تاريخ أشد قسوة مما عليه الأمر الآن . جوابو المدينة منهم ينبشون صفائح القمامة ليكسروا غائلة الجوع
إنني أبحث عن شيء ما داخل تلافيف هذا التعقيد وأنا في وضع من يريد اصطياد أرنب في حقل بالجري وراءه
لم ينج الناس رغم شظف العيش من سطوة المحتلين من
الأجانب وأهل البلد من قياد وباشوات . يبدو أن الزمن توقف هنا وإلى الأبد ... شعب غارق في البؤس يقابله رفاه مستعمرين ومواليهم ، يقنزع أخطبوطهم الباشاالگلاوي فوق العرش في مراكش ، ناشرا أذرعه في ضواحيها
سرى الجوع مسرى الوباء ، أهل القرية كما نظراؤهم في أماكن أخرى تحت نفوذ الباشا كانوا يشتغلون في أراضيه بغير أجر ، يراقبهم خادم يلوح بعصاه كمالو يسوق قطيع أغنام ، لاأحد يتلكأ ، الطريف أن مغنيا شعبيا يخفف من الإحتقان بترديد أغاني حوزية !
نظير هذا يحدث في مزارع شيخ القبيلة العياشي الذي يعين على ذويه الأغراب من رجال السلطة ويذل لهم الرقاب ويسطو على الأراضي عنوة لتوسيع ممتلكاته لكن كل أعماله رهين مراقبة الباشا الگلاوي الحريص على تحديد مدى سلطة الشيوخ والمقدمين . نظام مخزني محبوك ، كل شيء يُرى ويسمع . لاخروج عن الإطار ، دار الباشا ببنايقها مفتوحة للعقاب ... حيطان البنيقات مرشوشة بدماء ضحايا التعذيب ، لاأحد يحتج أويتظاهر ، الإستكانة والخنوع لظلم أصبح طبيعيا مألوفا
وأنا ألملم هذه السردية خطر ببالي كيف يحفر الظلم طريقه في مفاصل الحياة ، وكيف تتولد سيكولوجية المظلوم من سيكولوجية الظالم . قوي ظالم وضعيف مظلوم ، وكيف تترتب عن هذه الجدلية لغتان متناقضتان ، لغة السطوة والقهر ولغة الذل والهوان
2
الشيخ العياشي صنو سيده الباشا ، يتحصن في قصر منيع محاط بأربعة أبراج مأهولة بحراس من الخدم . ديدنه أن يمتطي الگادة (بغلة تسرج كالخيول ) في جولة تفقد للقائمين بالسخرة في حقوله . لم يطف بخلد العياشي أنه مرصود من غريمه الذي كان يستصغر شأنه ، متمنيا أن يضاهيه في السلطة والثروة والجاه . كان يستغرب كيف ساد هذا الرجل الحرطاني الذي لايوحي بأي رهبة فهو نحيل ذو وجه مستطيل يستدق عند الحنكين ، أنفه المخروطي قائم بين وجنتين بارزتين عيناه ضيقتان كعيني خنزير ... مع ذلك كان ذا مظهر بالغ الأناقة ، له محضيات هن هدايا طوعا أوكرها أو من مقتنيات سوق العبيد ، خصهن بقصر من تلك القصور الفخمة مقام الإقطاعيين وهم رجال السلطة في الآن ذاته فإذا شبع من إحداهن ألزم مخزني بالزواج بها . المحظوظ من ذوي الجلباب الأبيض والقلنسوة الحمراء من أنعم عليه بتلك الهبة الباشوية . المخازنية يزيدون مقام سيدهم رهبة حينما يحدثون سورا حول داره في حي الرميلة باصطفافهم كحقل من شقائق النعمان . دار تحاك فيها الدسائس . حين يفد مخزني على القرية في استخبار أو سخرة يسود الرعب وتأخذ النفوس منه خشية ، يبدي المخازنية شراسة وغلظة ، يذكرون بتصرفهم بوجود المخزن
3
نزل المخزني بلعيد عن صهوة حصانه أمام منزل الشيخ ونادي :
ـ هل من أحد هنا ؟
على بعد زوبعة غبار ، رجلان يسوقان قطيعا هائلا من الأغنام والمواشي والدواب نحو المنزل . أوقفا القطيع على مسافة لما رأيا المخزني . خرج خادم ، رحب بالزائر بصوت خفيف كمالو مشي أن يكسر الهواء وأمسك رسن الحصان ، وسار نحو باب المنزل يقفوه الوافد الذي وجد الشيخ واقفا في البهو الكبير . تداخل صهيل الحصان وقباع وخنخنة الخنازير . قاد العبد الحصان وقيده ثم أفرغ شعيرا في المدود بينما اتجه الشيخ وضيفه نحو دويرية الضيوف . تم إعداد الشاي . قال بعد فترة صمت المخزني : -
- سيأتي المخزني مبروك صحبة يهودي صاحب الباشا
رد الشيخ :
- مرحبا
نادى :
مسعود
جاء عبد أسود في خفة
قال الشيخ :
ـ أسقط حولي جيد للنحر
إرتد العبد مسرعا نحو الحظيرة
قام مبريك باستقبال الوافديْن ، مخزني ويهودي ذي لحية بيضاء مسترسلة على صدره ، كان نحيلا مدسوسا في جلباب أسود . اقتاد حصانهما نحو الحظيرة . بادر اليهودي بالسلام :ـ
الشلام عليكم
صافح المخزني الشيخ الذي ابتسم لكن بعد هنيهة محت أثر الإبتسامة تقطيبةُ الجبين وصفرةُ الوجه لما قال المخزني المرافق لليهودي :
- قال لك سيدي الباشا إن إسرايل شريكك في كل شيء ، الأرض والكسيبة
في وجبة الغذاء ، وُضع الشواء فوق الخوان مع أقراص خبز القمح الذهبية . انفض المجلس ، وبقي الشيخُ مكدوما مهموما بمكيدة الباشا التي تنذر بما بعدها ، أرق الرجل وانتابته كوابيس . استدعى الطالبْ علي وأسر له بما يرى ، جحافل أحصنة تثير النفع ، يمتطيها فرسان يطوقون سكناه ويطلقون بارود بنادقهم كما لو كانوا في مضمار فروسية ، طمأنه الطالب قائلا :
ـ تلك صورة فرج آت إن شاء الله
في قرية البرجة بعد أسبوع مر على زيارة المخازنية ، في ليلة ترتعش فيها رياح خفيفة ، فجأة هدأ كل شيء واستكان فيما ضوء قمر ينزلق بين النجوم اللاوامع . دق باب القصر ، وجد مسعود ثلاثة رجال غرباء ، ذهل في بادىء الأمر وارتعد كأن مطرا شديد البرودة غمره ، لم يستبن عدد الرجال كأن الثلاثة توالدت منهم أطياف ، قد شاع بين رجال القصر ونسائه احتمال أن يحدث أمر جلل ، فسيف الباشا القاطع سُل من غمده ، اعتقال وتتريك أوقتل . حسم رجل من الثلاثة الأمر أبلغه :
ـ نريد رؤية سيدك . سيدنا الباشا تريده
قال مسعود وقد زال ذهوله
ـ سيدي غير موجود
رد أحد الرجال :
أبلغه إن عاد أن الباشا يريده لحفلة فروسية عصر غد وليصطحب معه فرسان القرية
رجع الرجال على أعقابهم . وقع حوافر الأحصنة عال ثم خفت فاستعاد الليل صمته
في الصباح ، توسوس الشيخ العياشي ، انشغل بإدارة الأمر على كافة الوجوه . الدعوة في مثل هذا الإبان غريبة . لم يحدث ذلك في يوم من الأيام . خمن للقصة مخارج كثيرة ، إرغامه على الشراكة مع يهودي أثر ذلك سيء ودعوته إلى حفل فروسية الباعث على الغبطة والمسرة ، قرر الذهاب استجابة إكراه ، طاعة ربما مجلبة لنتيجة مفجعة لكنه عدل عن هذا الشؤم ليطمئن نفسه . قال :
ـ ليست المرة الأولى التي يحدث فيها هذا . قد بلغ الباشا القصد بالشراكة وانتهى الأمر
كل شيء أعد بعناية ، الحصان بسرجه الفاخر ، البندقية ، جراب دليل الخيرات ، الكمية . ساعد مسعود سيده الشيخ على الصعود حتى استوى على السرج ، بدا في أناقة عريس ، جلباب وسلهام وعمامة في لون أبيض ، بُلٍْغَةُُ صفراء . همز برجلين ، أطلق الرسن قليلا ، حرد الحصان ثم انطلق متهاديا
يؤرجح رأسه بين الفينة والأخرى ، تواعد الفرسان على اللقاء يلتقي قرب ضريح سيدي بوزيتونة لينطلقوا نحو مضمار سيدي عبد الخالق بن ياسين المحادي لزاوية سيدي الزوين حيث ينعقد الموسم المعتاد
تحكي ماأصبح متداولا بين أهل القرية أن مخزنيا جاء في سخرة لأخذ رجل تجاوز المحظور في الرعي في أرض الباشا ، لم يكن يملك إلا قطيعا صغيرا من الغنم . في الظهيرة وقف المخزني على مبعدة من نوالة يحيط بها سياج من الزرب . بدأ ينادي :
ـ والخز ، والخز
نبح كلب وخرج من الترعة قاصدا المخزني ، تبعه الخز وشرع يصده ، صدر عن الكلب ما يقارب عواء الذئب ثم غادر وجسده انثنى في نصف دائرة . انكفأ الخز مقبلا كف الوافد . توجه الرجلان نحو كوخ صغير . وقع الخز في ورطة لما أبلغه بضرورة أن يهبط إلى دار الباشا في مراكش لأن الباشا وصلته وشاية . قال :
ـ من شجعك يا حمار على الرعي في أرض الباشا ؟
ارتحت تفاحة آدم في عنق الرجل النحيف ، خرج مسرعا ثم عاد يحمل ديكا تناوله المخزني ، ربط رجليه إلى البندقية بخيط ثم هش عليه فبدأ الديك يضطرب ويصفق بجناحيه يريد الإنفلات بينما وقف الخز مبهوتا ، متسع العينين ، سقط الديك مرتين ، دمدم الرجل ( مصيبة ) . كما لو أن الديك أدرك ما عليه صاحبه من حرج ، اندفع بقوة ساحبا البندقية ، تعال وجه الخز . قال ( عشاء طيب ) أمره المخزني بذبح الديك فتهلل وجهه
ـ رأى الأهالي في حكاية هنو مرآة للعسف والإحتقار . وبأن
الهزل والتفكه إدانة وطريق الوضوح فيها خراب البيوت . قد سجن الخز شهرا

ـ نموذج حصري

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى