ھدى حجاجي أحمد

الجزء السادس والأربعون: حين يكتب الليل ما عجز النهار عن قوله الليل في باريس لا يشبه الليل في أي مدينة أخرى. إنه لا يهبط دفعة واحدة، بل يتسلل ببطء، كعاشقٍ يخشى أن يوقظ الذاكرة. أفتح نافذتي المطلة على السين، فأشعر أن النهر يكتب هو الآخر مذكراته. الماء لا ينسى. كل موجة تحمل وجهًا مرّ من هنا،...
خلفَ الوشاح، كنتُ أتحصّن في منجمِ الروحِ المثقلِ بالمعاركِ الصامتة. لم يكن الوشاحُ قطعةَ قماشٍ كما ظنّ الجميع، بل كان آخرَ جدارٍ بيني وبين العالم. كلُّ امرأةٍ تحملُ وشاحًا لا تخفي وجهها، بل تخفي الحروبَ التي عبرتْها ولم يلمحها أحد. ذلك الظلامُ الذي عشتُه لم يكن سوى فحمٍ وتربةٍ سحيقة، صهرتْ...
(1) قال لي: قِفي معي على الصفيح الساخن، ثمّ انصحيني وسأسمعك. كان يتحدث كمن يطلب الحكمة بعد أن يفرغ من احتراقه. ثم أضاف مبتسمًا: الرقص مجازٌ صالحٌ لفكرتكِ... سيدتي. تأملتُ وجهه طويلًا، وقلت: لا أعرف... فحتى الرقص لا ينفع أحيانًا. هناك أوجاع لا تُشفى بالحركة، ولا تُخفَّف بالموسيقى. بعض...
يُقدّم الأديب سليمان يوسف نصًا مفتوحًا على التأويل، متكئًا على لغة شعرية كثيفة تتجاوز المباشرة إلى فضاء الرمز والانزياح، حيث لا يُراد للكلمات أن تقول معناها الظاهر، بل أن تومئ إليه عبر شبكة من الصور والاستعارات المتداخلة. إنه نص لا يُقرأ بعين الحكاية، بل بعين الرؤيا. يفتتح النص بقوله: "وأنت...
ثمة نصوص لا تعتمد على الحدث بقدر اعتمادها على الإحساس، ولا تسعى إلى إثارة القارئ بالمفاجآت، بل تضعه مباشرة أمام قلبٍ يرتجف في مواجهة عالم مضطرب. ونص «عناق تحت ظل القلق» ينتمي إلى هذا النوع من الكتابة الوجدانية التي تنطلق من تجربة إنسانية بسيطة في ظاهرها، لكنها تحمل في أعماقها أسئلة كبرى عن الخوف...
ينتمي هذا النص إلى ذلك النوع من الكتابة المكثفة التي تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها تخفي خلف مفرداتها أسئلة عميقة تتعلق بالتواصل الإنساني، وسوء الفهم، والفجوة المتنامية بين الوعي والجهل. يفتتح الشاعر نصه بصورة شديدة الرهافة: "للعصافير اشتياقها الخاص" وهي جملة تبدو للوهلة الأولى بعيدة عن بقية...
ثمة نصوص قصيرة في عدد كلماتها، لكنها واسعة في دلالاتها، قادرة على أن تفتح أمام القارئ مساحات من التأمل تتجاوز حدود النص ذاته. وقصيدة «وجه القمر» للشاعرة زينب هزيمة تنتمي إلى هذا النوع من الكتابة التي تعتمد على الإيحاء أكثر من التصريح، وعلى الهمس أكثر من الصراخ. منذ السطر الأول تضعنا الشاعرة في...
ثمة نصوص لا تعتمد على كثافة الأحداث بقدر اعتمادها على حركة الروح، وهذا الجزء من رواية «ظل امرأة في باريس» واحد منها. وأنا أقرأه، لم أشعر بأنني أتابع شخصية تمضي في مدينة اسمها باريس، بل امرأة تمشي داخل نفسها، تتوقف عند كل ذكرى كما يتوقف المسافر أمام نافذة قطار يعرف أنه لن يعود إلى المحطة ذاتها...
الفصل التاسع والعشرون: عندما يسقط العرش ويستيقظ الضمير أما هناء فكانت تخوض معركتها الأخيرة؛ تلك المعركة التي لم تبدأ يوم اعتقالها، ولا يوم أُغلقت خلفها أبواب الزنازين الثقيلة، بل بدأت منذ اللحظة التي قررت فيها أن تكتب. منذ أن آمنت أن الكلمة ليست حبرًا على ورق، بل مسؤولية، وأن الصمت أحيانًا...
في نصه الشاعري "أكذوبة المسافة" لا يتعامل أحمد بشار الحلاق مع المسافة بوصفها بُعدًا مكانيًا بين شخصين، بل بوصفها حالة نفسية ووجدانية تتلاشى أمام سطوة الشوق. فالمسافة هنا ليست حقيقة جغرافية، وإنما "أكذوبة" يحاول العاشق أن يرتبها ويعيد صياغتها قبل لحظة اللقاء، وكأن الحب قادر على إلغاء قوانين...
هناك نصوص شعرية تُكتب عن الحب، وأخرى تُكتب من داخل الحب نفسه. ونص «قسم النشوة الأولى» ينتمي إلى النوع الثاني؛ إذ لا يبدو الشاعر راوياً لتجربة عاطفية بقدر ما يبدو غارقاً في قلبها، مستسلماً لدهشتها الأولى، تلك الدهشة التي لا تتكرر إلا مرة واحدة في العمر، ثم يظل الإنسان يطارد صداها في كل ما يأتي...
الجزء الخامس والثلاثون: البحر الذي يسكن النص في تلك الليلة، لم تكن باريس تشبه نفسها. كان المطر يهطل على استحياء، كأنه يخشى إزعاج الحزن الجالس إلى جواري. أما أنا فكنت أجلس أمام الورقة البيضاء وأتأملها كما يتأمل الناجون البحر بعد الغرق. كلما حاولت أن أكتب عن شيءٍ آخر انتهيت إليك، وكلما حاولت...
لا يكتب الدكتور بسام الخالد هنا مقالًا نقديًا تقليديًا بقدر ما يكتب شهادة احتجاج أدبية، أو ربما صرخة قارئ ضاق ذرعًا بما يراه من فوضى لغوية تُقدَّم أحيانًا على أنها إبداع حديث. فمنذ السطور الأولى لا يضعنا أمام نصوص بعينها، بل أمام ظاهرة كاملة أخذت تتسلل إلى بعض المنابر الثقافية، حيث أصبح الغموض...
الجزء الحادي والثلاثون: شمسٌ تخرج من رماد الليل قضيتُ ليلتي بين أكوام اللحظات المتناثرة في أرجاء ذاكرتي، أقلبها واحدةً تلو الأخرى كما يقلب المنفيّ رسائله القديمة في محطة انتظار مهجورة. كنت أبحث فيها عن شيءٍ يشبهني، عن أثرٍ لامرأةٍ عرفتها يومًا ثم ضاعت بين المنعطفات، وعن قلبٍ ظنّ أنه نجا من...
لا ينشغل هذا المقطع بما اختفى من المكان بقدر انشغاله بما استقرّ في أعماق الإنسان بعد اختفائه. فالكاتب لا يرثي "البرجولة" بوصفها جزءًا معماريًا زال من المشهد، بل يتتبع الرحلة الخفية للأشياء حين تغادر الواقع لتستقر في الذاكرة. منذ الجملة الأولى تتشكل مفارقة لافتة؛ فالمبنى الجديد يقف حاضرًا...

هذا الملف

نصوص
61
آخر تحديث

كتاب الملف

أعلى