هدى حجاجي - بين فتنة الصورة وانزياح المعنى قراءة نقدية في نص الأديب سليمان يوسف

يُقدّم الأديب سليمان يوسف نصًا مفتوحًا على التأويل، متكئًا على لغة شعرية كثيفة تتجاوز المباشرة إلى فضاء الرمز والانزياح، حيث لا يُراد للكلمات أن تقول معناها الظاهر، بل أن تومئ إليه عبر شبكة من الصور والاستعارات المتداخلة. إنه نص لا يُقرأ بعين الحكاية، بل بعين الرؤيا.

يفتتح النص بقوله:

"وأنت ترتدي رداء الأرض، خذ معطفك الأخضر، ولا تجعل من القلب ورقة يابسة..."

وهنا تتشكل منذ البداية ثنائية الحياة والذبول. فـ"رداء الأرض" يحيل إلى الوجود الإنساني بكل ما فيه من ثقل ومحدودية، بينما يرمز "المعطف الأخضر" إلى الأمل والخصب والتجدد. وكأن الكاتب يوصي الإنسان بألا يستسلم لقحط الروح مهما اشتدت مواسم اليباس.

ثم ينتقل إلى صورة مدهشة:

"الحبر الذي يندلق من عقل الأصابع، ترسمه سلالم السطور مثل كحل العين..."

في هذه العبارة تتداخل الحواس والوظائف؛ فالأصابع تمتلك عقلًا، والحبر يندلق منه، والسطور تتحول إلى سلالم، والكلمات إلى كحل يزين عين المعنى. إنها صورة تنتمي إلى الشعرية الحديثة التي تكسر العلاقات المنطقية المألوفة لتخلق واقعًا جماليًا جديدًا.

ويبلغ النص ذروة تكثيفه في قوله:

"فيغدو الصمت كحجر نام في ظل مأوى الطريق."

الصمت هنا ليس حالة سكون، بل كائن متعب استلقى على قارعة الوجود. إنها استعارة تمنح الصمت جسدًا وذاكرة ومكانًا، وتجعله شاهدًا على عزلة الإنسان وهشاشته.

أما المقطع:

"من يشتري نهد الباب الموارب..."

فهو من أكثر مقاطع النص جرأةً وانفتاحًا على التأويل. الباب الموارب رمز قديم للانتظار والاحتمال والرغبة المؤجلة، لكن الكاتب يمنحه بعدًا إنسانيًا وجسديًا عبر لفظة "نهد"، فيتحول الباب إلى كائن حي نابض بالإغواء والحنين. وهنا لا يعود المكان مكانًا، بل يصبح امتدادًا للعاطفة والرغبة الإنسانية.

وتأتي صورة:

"تركته الريح كفستان يلعب فوق ساقين"

لتؤكد هيمنة الحركة واللااستقرار في النص. فالريح لا تعبث بالمشهد فقط، بل تعيد تشكيله، وتجعل الوحدة نفسها مشهدًا بصريًا مؤلمًا ومفتوحًا على الفراغ.

وفي الخاتمة تتحدث المرأة:

"من يطرق بابي، أمنحه صمت الغرفة..."

فتتحول المرأة إلى رمز للاحتواء الروحي، لا إلى حضور جسدي فقط. إنها تمنح الطارق صمتًا لا فراغًا، وصمتها هنا أشبه بالملاذ أو الخلاص من ضجيج العالم. أما عبارة:

"كي يتوسد الوقت وحشته في خميرة ناضجة"

فتمثل واحدة من أجمل صور النص وأكثرها عمقًا؛ إذ تتحول الوحشة إلى مادة تختمر ببطء داخل الزمن حتى تبلغ نضجها الوجودي الكامل.

إن قوة هذا النص تكمن في اعتماده على اللغة الإيحائية لا التقريرية، وعلى الصورة المركبة لا الوصف المباشر. لذلك فهو نص يستدعي قارئًا شريكًا في إنتاج المعنى، لا متلقيًا سلبيًا له. فكل صورة فيه تفتح بابًا جديدًا للتأويل، وكل عبارة تحمل أكثر من طبقة دلالية.

لقد نجح سليمان يوسف في تشييد نص تتجاور فيه الفلسفة والشعر، والعزلة والرغبة، والضوء والعتمة، ليصنع لوحة لغوية تتأرجح بين الحلم والتأمل، وبين الواقع وما يتجاوزه.

بقلم: الكاتبة الروائية هدىحجاجي أحمد
مصر



Messenger_creation_1D710C4E-B48D-442D-9138-938CDCE0442A.jpeg


==================


Messenger_creation_B61FE790-CD6F-432C-9D74-64A16AC91D7D.jpeg


النص
وانت ترتدي رداءَ الأرضِ، خذ معطفكَ الأخضر،
ولا تجعلْ من القلب ورقة يابسة،ولا من يومكَ وقتا يسكنه الفراغ؟.الحبرُ الذي يندلقُ من عقل الأصابعِ، ترسمهُ سلالمُ السطور مثل كُحلِ العينِ،حين يركنُ الليلُ ظلمته فوق غمرة عاشقينِ،فيغدو الصمت كحجرٍ نامَ في ظلّ مأوى الطريق.
من يشتري نهدَ الباب الموارب مع رجل وحيد، تركته الريحُ كفستان يلعب فوق ساقين، فلا تتركه أعين العابرينَ هنا،فترمي الشبابيك مساحة النظر البعيد؟.
قالت امرأةٌ: من يطرق بابي ،امنحهُ صمت الغرفة، أجعلُ ضجيجَ الغانياتِ طقس انوثةٍ،ترمي عتمةَ الضوء بجناح فراشة، كي يتوّسدَ
الوقتُ وحشتهُ في خميرة ناضجة.
الاديب سليمان يوسف
سوريا

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى