فيصل السائحي - قراءة فلسفية لديوان "مقدِّمة لخلق الأشياء" للشاعر البحريني جعفر الديري

تجلِّيات خلق الذات والرموز الأسطورية والتاريخية في رحلة البحث عن المعنى الوجودي
قراءة فلسفية لديوان "مقدِّمة لخلق الأشياء" للشاعر البحريني جعفر الديري


فيصل السائحي أستاذ الفلسفة ناقد وباحث من تونس:

في عالم ممتلئ بالتناقضات والغموض، يقف الشاعر جعفر الديري في ديوانه *مقدمة لخلق الأشياء* عند أعتاب الخلق، لا بوصفه خلقًا ماديًا للكون أو للأشياء كما قد يبدو للوهلة الأولى، بل خلقًا للمعنى وسط العدم، وخلقًا للذات وسط الفوضى، وخلقًا للوجود الإنساني في خضم اللايقين. عنوان الديوان لا ينطق بتجربة الإبداع الشعري فقط، بل هو دعوة للتأمل في جوهر الفعل الإنساني الأكثر عمقًا: الخلق.

الخلق هنا يتجاوز البُعد الديني أو الأسطوري، فهو ليس بداية الكون بل بداية للذات في مسارها نحو اكتشاف هويتها، معنى وجودها، وعلاقتها بالعالم. يُعيد الشاعر تعريف الخلق من خلال تجربته الفلسفية، حيث يكون الخلق امتدادًا للبحث، للصراع، للتأمل في أسرار الحياة والموت.

*مقدمة لخلق الأشياء* هي بداية الرحلة، حيث يُعيد الإنسان تشكيل الأشياء، العالم، والمفاهيم، محاولًا صنع طريق وسط ضباب الوجود. عندما يُطلق الشاعر على ديوانه هذا العنوان، يعلن عن ولادة جديدة لكل شيء: ولادة الفكرة، ولادة الذات، ولادة الأسئلة التي تظل مفتوحة دون إجابات نهائية. فالخلق في هذا السياق هو إعادة صياغة، إعادة قراءة للوجود. ولادة الأشياء في عالم الشاعر هي ولادة رمزية، تبدأ حيث ينتهي اليقين وتنطلق من سؤال الذات المزدوج بين الواقع والمجهول. بهذا المعنى، يكون الخلق فلسفة قلق دائم، لا يمنح السكينة بل يشعل الحيرة.

في قصائد الديوان، تتجلى معاني الخلق في الصراع بين الإرادة والقدر، بين المعرفة والجهل، وبين الحياة والموت. الشاعر لا يقدم إجابات جاهزة، بل يدعو القارئ للمشاركة في عملية الخلق، لصياغة معانيه الخاصة. هو بذلك يضع أمامنا "مقدمة" لخلق الأشياء، تاركًا الباب مفتوحًا لنخلق نحن بدورنا المعاني التي تعكس تجاربنا وأسئلتنا. فالخلق، في النهاية، ليس سوى تجربة الإنسان الدائمة في صنع معنى لحياته وسط الفوضى، وتلك "المقدمة" هي دعوة لتلك الرحلة، حيث يتم إعادة تشكيل كل شيء، وحيث يبقى السؤال مفتوحًا، في انتظار الإجابة التي قد لا تأتي، لكنها تظل دائمًا محور البحث الإنساني.

الذات و الوجود: رحلة البحث عن المعنى

القصيدة الأولى في ديوان *مقدمة لخلق الأشياء* لجعفر الديري تعكس جوهر النصوص التالية من الديوان، مما يجعلها مفتاحًا لفهم الأسئلة الفلسفية والوجودية التي تتكرر عبر بقية القصائد. لذلك يتحتم علينا لتشكيل رؤية شاملة عن مقاصد الديوان أن نسلط الضوء بداية على القصيدة الاولى "مقدمة لخلق الاشياء" وهو العنوان الذي اختاره الشاعر للديوان بأكمله.

تبدأ القصيدة بإثبات الذات بنغمةٍ واثقة: "أنا ما أزال.. أضُيء في المعنى". هذا الضوء الذي لا ينطفئ يعكس استمرارية الذات، تلك القوة الدافعة التي لا تعرف التوقف، وهي تبحث في دروب الوجود عن معنى يتجاوز المظاهر السطحية. يطارد الشاعر عبر هذه الكلمات فكرة الامتداد في الزمن، حيث تتحدى الذات العدم وتضيء في مساحات المعنى المجهولة، وكأنها نورٌ يقاوم العتمة. موضوع البحث عن المعنى يتكرر بعمق في بقية القصائد، كأن هذا السعي الأبدي هو المحور الذي تدور حوله الروح.

تمثل "الواحة" و"الأشجار" تجلياتٍ رمزية لروح الشاعر المتمازجة مع الطبيعة، حيث تتحول الذات إلى جزء لا يتجزأ من العالم الطبيعي، وكأن الإنسان والطبيعة ينصهران في وحدة متناغمة. الواحة هي القلب الخصب الذي يمنح الحياة وسط الصحراء، بينما الأشجار تمثل الامتداد والثبات، مما يعبر عن الذات المتجددة في عالمٍ دائم التغير. هذه العلاقة بين الإنسان والطبيعة تتجلى في قصائد أخرى، مثل "غربة المعري" و"قريتي"، حيث تصبح الطبيعة ملاذًا يلجأ إليه الشاعر هربًا من العالم المحيط، ملاذًا يعبر فيه عن اغترابه وألمه الداخلي.

يستمر التأمل العميق في الذات والاغتراب في قصيدة "غربة المعري"، حيث تتعقد الصورة ويتسع فضاء الصراع. يعبر الشاعر هنا عن معاناة وجودية تتوازى مع تلك التي طُرحت في "مقدمة لخلق الأشياء"، ولكن مع تركيز أكبر على الانعزال الداخلي. تنعكس الروح المثقلة في مواجهة عالمٍ مليء بالمحن، وكأن الذات ليست في مواجهة الكون فحسب، بل تواجه نفسها أيضًا. يتردد صدى هذا الصراع في الروح العميقة التي تجد نفسها وحيدة، غريبة في عالمٍ يتجاهل معاناتها، مما يعمق إحساس الشاعر بالانعزال

المعاناة الإنسانية و"الشاهد المصْلوب"

في قصيدة "مقدمة لخلق الأشياء"، تظهر صورة "الشاهد المصلوب في وضح النهار" كرمز للمعاناة الإنسانية المكشوفة. يترجم من خلالها الشاعر عن المعاناة الجماعية التي تعاني منها البشرية. وتتجلى هذه المعاناة في قصائد أخرى مثل قصيدة "سبعون"،حيث يعاد تأكيد الإحساس بالعجز أمام القدر، والتعبيرعن تجارب الحياة القاسية والحتمية التي لا يمكن الهروب منها. يشير "الشاهد المصلوب" إلى الإنسان الذي تُكشف آلامه وأحزانه أمام العالم، فيكون شاهدا عن ألم إنساني جماعي يتجسد في كل فرد.

لا تقتصر المعاناة على الفرد، بل تمتد لتشمل المجتمع والوجود الإنساني بأسره، كما يظهر في قصيدة "صورة من الأعلى لمدينة موبوءة". في هذه القصيدة، تصبح المدينة رمزًا للإنسانية المتألمة والمنكوبة، مدينة محاصرة بالحجر والأمراض، لكنها رغم ذلك تضيء ببصيص من الأمل من خلال النوافذ التي ينيرها ضوء القمر. تأخذ المعاناة هنا بُعدًا أوسع، يشمل الأفراد والجماعات، بما يعكس تصورًا فلسفيًا عن الوجود كصراع دائم بين الألم والأمل.

البحث عن المعنى في الزمن

يتساءل الشاعر في قصيدة "مقدمة لخلق الأشياء" عن دور الزمن في منح المعنى للحياة: "والوقتُ يا للوقتِ.. لو يدري.. متى يسخو جبيني.. تسبح الأحلام". يظهر الزمن في هذا المقطع كقيد يحد من قدرة الذات على تحقيق أحلامها أو فهم الوجود. تتكرر هذه الفكرة في قصائد أخرى مثل "أوذيس.. الرحلة الأخيرة"،التي تصف محاولة للوصول إلى معنى الحياة في مواجهة الزمن والقدر. فيرى الزمن معركة مستمرة، تترجم صورة سوداوية عن ضياع الأحلام والبحث المضني الذي لا ينتهي عن الخلاص .

يظهر الزمن في قصيدة "في إثر وردة" كعامل مدمر، يحطم الأحلام و يغرق الانسان في مستنقع الحيرة والضياع. فالقارب الذي يتحطم هو استعارة لرحلة الكينونة الحائرة التي تنهكها صدمات الزمن، بما يعكس الفكرة الوجودية عن عبثية البحث عن المعنى في عالم لا يأبه بالجهد البشري.

الإرادة والقدر

في "مقدمة لخلق الأشياء"، تشير عبارة "أخيط ثوبَ عُروشكُم" إلى فعل الخلق والمقاومة أمام القدر. يعبر هذا الفعل الإرادي عن رغبة الإنسان في السيطرة على مصيره. و يظهر هذا الصراع بين الإرادة والقدر بوضوح أكبر في قصائد مثل "دعيدع" و"أوذيس.. الرحلة الأخيرة". ففي قصيدة "دعيدع"، يعبر الشاعر عن رغبة الذات في العودة إلى الأصل أو الاستسلام إلى المصير، مما يعكس توترًا بين الحرية والقدر.

في حين يظهر الصراع بين الإرادة الفردية والقدر الحتمي في "أوذيس.. الرحلة الأخيرة"، بشكل أوضح، حين يطلب الشاعر الرحمة والتخفيف من أعباء القدر الذي يسحق كل محاولات الفعل الإرادي. فيبرز القدر كقوة لا يمكن التغلب عليها، ، رغم كل محاولات الانسان للسيطرة عليه، فيظل سجينا له الى الأبد.

رمزية الطبيعة والاغتراب

تتكثف الرمزية المرتبطة بالطبيعة في قصيدة "مقدمة لخلق الأشياء" لتعبر عن التمازج بين الذات والكون. و تتكرر في قصائد أخرى مثل "قريتي"، حيث تصبح القرية رمزًا للمكان الذي يظل غريبا عن الذات رغم انتمائها اليه،. يعبر الشاعر عن حنين مستمر إلى الطفولة والبساطة، لكنه يعترف بأن هذا الحنين لا يزيده الا اغترابا. ويظهر هذا الاغتراب بشكل أكبر في "غربة المعري"، حيث يتعزز الشعور الماساوي بعزلة فلسفية وروحية عن العالم من حوله.

في "جيفارا بعد منتصف الليل"، يستدعي الشاعر الطبيعة كعنصر ميتافيزيقي، حيث تشير "الغابة" إلى عمق التجربة الإنسانية وإلى الوقت الذي يذهب إلى المجهول. فليست الطبيعة مجرد مكان فيزيائي، بل هي فضاء انطولوجي للذات المتأملة الباحثة عن معنى وسط عالم مليء بالألغاز.

تمثل قصيدة "مقدمة لخلق الأشياء" بدايةً لمجموعة من التأملات الفلسفية التي يتناولها ديوان جعفر الديري. يعبر فيها الشاعر من خلال رحلة استكشاف الذات والزمان والمعاناة والقدر عن صراع وجودي اصيل و دائم. تتكرر هذه الأسئلة في قصائد كثيرة من الديوان، لتعزز فكرة مركزية تحرك الشاعر وسؤال محوري تدور حوله كل القصائد و هو : كيف يمكن اعادة خلق الذات أو الهوية في صراع وجودي مستمر مع الكون والقدر؟

دلالات الخلق والبحث عن الذات

يأتي عنوان ديوان *مقدمة لخلق الأشياء* للشاعر جعفر الديري كنافذة لفهم العمق الفلسفي والرمزي الذي ينسجه الشاعر عبر قصائده. لا يشير "خلق الأشياء" هنا إلى الخلق المادي أو الإبداع في معناه التقليدي، بل يمثل محاولة إنسانية مستمرة لإعادة بناء الذات واكتشاف المعنى في عالم متغير ومليء بالتناقضات. يستعير الشاعر هذا المفهوم ليعبر عن رحلة البحث عن الذات والمعنى، حيث يكون الخلق فعلًا مستمرًا يعكس التحول الداخلي والمواجهة مع قوى الوجود، القدر، والظروف المحيطة.

يتناول الشاعر فكرة "الخلق" بوصفها عملية مستمرة تعكس رحلة الإنسان في سعيه نحو فهم ذاته وتحديد مكانته في العالم. فليس الخلق مجرد فعل إبداعي، بل هو عملية فلسفية تتعلق بالتحول الداخلي وإعادة بناء الذات في مواجهة التحديات.

يقول الشاعر

"أنا ما أزال .. أضيء في المعنى"

"جبيني واحةٌ .. وصداي أشجار"

ان البحث عن المعنى هو فعل مستمر للذات ينبجس كنور يضيئ غياهب الوجود. و هنا يظهر تاثير الفلسفات الوجودية في عقل الديري: الذات ليست ماهية او جوهرا مكتملا بصورة نهائية، بل ذات متحولة لا تستقر على ماهية ثابتة. وهي الفكرة الجوهرية التي تتحكم في جل فلسفات الوجود من هيدجر الى سارتر. يشير "الضوء" إلى فعل الخلق والبحث عن الذات. تعبر استعارات "الواحة" و"الأشجار" عن الحياة والخصوبة الداخلية التي تعكسها الذات خلال هذه الرحلة. يتضح من خلال هذه الصورة، ان الخلق فعل وجوديً يمارسه الإنسان في سعيه لفهم عالمه الداخلي والخارجي. الذات، فليست الذات، كيانًا ثابتًا، بل هي مشروع دائم التحول، فتتحول التجارب والمواقف إلى فرص لإعادة خلق الذات من جديد.

البحث عن المعنى عبر الرموز الأسطورية

واحدة من السمات البارزة في ديوان *مقدمة لخلق الأشياء* هي استحضار الشاعر للرموز الأسطورية، التي يستخدمها لتعزيز فكرة البحث عن الذات والمعنى. تمثل الشخصيات الأسطورية مثل *أوديسيوس*، *إيكاروس*، و*سيزيف*، تجارب إنسانية عالمية، تعكس صراع الانسان المستمر في مواجهة القوى التي تتجاوزه، سواء كانت الطبيعة أو القدر أو الظروف:

**أوديسيوس: الرحلة الأبدية نحو الذات**

في قصيدة "أوذيس.. الرحلة الأخيرة"، يستحضر الشاعر شخصية *أوديسيوس*، البطل الإغريقي الذي عاش رحلة طويلة وشاقة للعودة إلى وطنه. فليس أوديسيوس هنا مجرد بطلً أسطوريً، بل هو رمز الإنسان الذي يخوض رحلة داخلية للبحث عن ذاته والعودة إلى أصله.

يقول الشاعر:

"ترفّق بي .. ولا تترك جناحي

تكسّره الشديدة .. من جراحي"

تعبر صورة أوديسيوس عن المعاناة التي يعيشها الإنسان في بحثه عن المعنى. ليست الرحلة التي يخوضها أوديسيوس مجرد رحلة مادية، بل هي رحلة روحية نحو الذات. فالجراح التي يذكرها الشاعر هي صورة رمزية عن العقبات والتحديات التي تواجه الإنسان في طريقه لفهم ذاته وإعادة خلقها، فيصبح "خلق الأشياء" مغامرة وجودية لا تنتهي، ورحلة تعيد تشكيل الإنسان باستمرار.

**إيكاروس: الطيران نحو الحرية والسقوط في مواجهة الحدود**

*إيكاروس*، الذي حاول الطيران بجناحين من الشمع نحو الشمس وانتهى بالسقوط، هو رمز للإنسان الذي يسعى لتحقيق الحرية المطلقة، لكنه يصطدم بحدودً يفرضها عليه العالم.

يقول الشاعر:

"أفردتُ جناحي على وهج الشمس

فغاب عني ظلّ الوقت"

يعبر إيكاروس عن رغبة الإنسان في تجاوز حدود ذاته بحثا عن الحرية. لذلك يحيل "السقوط" على الفشل في تحقيق هذا الحلم. يوظف الشاعر رمز إيكاروس للتعبير عن فكرة البحث عن الذات في مواجهة القدر، حيث يصبح "خلق الأشياء" محاولة مستمرة للتحرر من القيود التي تفرضها الحياة، ورغم ذلك تظل هذه هذه المحاولة محفوفة بالمخاطر.

سيزيف: العبثية والمعاناة المستمرة

عندما يستدعي الشاعر رمز *سيزيف*، الذي عوقب بدفع صخرة إلى قمة الجبل لتعود وتسقط من جديد، فانه يستخدم هذه الشخصية الأسطورية للتعبير عن العبثية والمعاناة التي تواجهها الذات في بحثها عن المعنى:

"أرفعُ الصخرةَ كلَّ يومٍ.. إلى قمة الألم

ثمّ تعودُ لتسقطَ مجددًا"

سيزيف هو تجسيد للإنسان العالق في دوامة الصراع الأبدي، حيث تبدو جهوده عبثية بلا مفر، لكنه رغم ذلك لا يتوقف، يمضي قدمًا، وكأنما في كل محاولة فاشلة يولد أمل خفي يدفعه إلى المحاولة من جديد، رغم يقينه بأن النهاية قد تكون دائمًا العودة إلى نقطة البداية. يظهر سيزيف رمزا للعبث الذي يعيشه الإنسان، في محاولاته المتكررة لفهم ذاته والبحث عن المعنى. فلا يكون التكرار دورانًا عبثيًا فقط، بل هو تعبير عن أن "خلق الأشياء" ليس فعلًا نهائيًا، بل رحلة مستمرة تتطلب جهدًا لا ينقطع، وصمودًا أمام قسوة العالم، بما يعيد تشكيل الذات مع كل تجربة، في انتظار بزوغ أمل جديد بين ثنايا المحاولة.

"مقدمة لخلق الذات والمعنى": تأملات في رمزية الماء:

ينطلق جعفر الديري في رحلة تأملية تتناول مفاهيم عميقة عن الوجود: البحث عن الذات، وإعادة تشكيل الهوية. فمن بين العناصر الرمزية البارزة في الديوان نجد تكثيفا لافتا لرمز *الماء* وهي رمزية تتجلى في علاقة وثيقة بالذات، والمدينة، والشخصيات التاريخية التي يستحضرها الشاعر. يمثل الماء في هذه القصائد رمزية متناقضًة تحمل في طياتها معاني متعددة، تتعلق بالحياة، الخلاص، الحرية، والبحث عن الكرامة.

الماء كرمز للكرامة والبحث عن الحرية في شخصية المتنبي:

في قصيدة "تقاسيم"، يتم استدعاء شخصية *أبو الطيب المتنبي*، الشاعر الذي ارتبط شعره بالفخر والشجاعة والتمرد على القدر. في سياق هذه القصيدة، يصبح الماء رمزًا للحرية والحياة، لكنه أيضًا يعكس حالة من الظمأ الداخلي الذي يعيشه المتنبي في بحثه عن الكرامة وتحقيق ذاته في مواجهة عالم مليء بالقيود.

يقول الشاعر:

"الماَء الماَء .. أصيح الماَء..

وأسْكب منه على قدَمي قلبي"

ليس الماء هنا مجرد عنصر طبيعي، بل هو رمز للحياة الكريمة التي يسعى المتنبي لتحقيقها. فنداء طلب الماء يعبر عن الحاجة العميقة إلى إرواء عطش الكرامة والحرية، في حين أن "سكبه على القلب" يرمز إلى تضحية الذات في سبيل تحقيق المعنى. يجد المتنبي، الذي عاش حياة مليئة بالتحديات والمواجهات، في الماء استعارة للخلاص من القيود التي تكبل إرادته. يتجلى هذا البحث عن الكرامة والحرية في صراع المتنبي مع القدر والمجتمع، اذ يمثل الماء الحرية التي يسعى إليها لكنه لا يستطيع تحقيقها .

يمثل الماء في الكوفة، المدينة التي ارتبط بها المتنبي، عنصرًا نادرًا في بيئة جافة، مما يضاعف من قيمته كرمز للحياة. فالكوفة تعكس بيئة المتنبي، حيث الكرامة والحرية كالسراب، يسعى إليها الإنسان دون جدوى. فالماء في قصيدة المتنبي يحيل على حالة من التوتر بين الرغبة في الحياة الحرة وبين القيود التي تفرضها الحياة عليه .

أبو فراس الحمداني: الماء كرمز للأمل المسلوب والحرية المؤجلة

في قصيدة "تقاسيم"، يستدعي الشاعر شخصية *أبو فراس الحمداني*، الذي عاش تجربة الأسر في القسطنطينية، حيث يتجلى الماء كرمز للأمل والحرية، لكنه يظل بعيدًا، منشودًا دون أن يُطال..

"تريني نوافذها..

لا تلوّحْ لقلبي بماء الشبابِ"

يعبر الماء عن الحرية التي يطمح إليها أبو فراس، ولكنها تظل حبيسة خلف النوافذ المغلقة. هذه النوافذ ليست الا إاحالة رمزية على القيود التي تحيط بالشاعر في سجنه، حيث يشعر بالعطش إلى الحرية،. فالماء، الذي عادةً ما يرتبط بالحياة والخلاص، يصبح في هذه القصيدة رمزًا للمسافة التي تفصل الشاعر عن حلمه في الحرية. أبو فراس، الذي كان فارسًا وشاعرًا، يجد نفسه محرومًا من الشباب والحرية.

تمثل "منبج"، المدينة التي ينتمي إليها أبو فراس، البيئة التي يتطلع إليها الشاعر كرمز للعودة إلى الوطن والتحرر من الأسر. لذلك فان الماء، الذي لا يتاح له، ما هو إلا إشارة إلى الفجوة بين الحلم والواقع، بين الشاعر الذي يعاني في سجنه وبين الحلم بالعودة إلى الحياة الطبيعية. الماء هنا هوشكل الكينونة التي يطمح اليها الشاعر دون ان يبلغها.

ابن سناء المُلك والقاهرة: الماء كاستعارة للجمال المتلاشية والمعاناة الداخلية

يستحضر الشاعر *ابن سناء المُلك*، الشاعر المصري الذي عاش في عصر الفاطميين واشتهر بشعره الذي يمزج بين الجمال والحزن. فالقاهرة، المدينة العريقة التي تجسد الحضارة والجمال، ترتبط جدليا بالماء كمصدر للحياة، لكنها أيضًا تعكس الجانب المظلم من الحضارة، حيث يتلاشى الجمال و تتعمق المعاناة.

يقول في "تقاسيم"

"القاهرة ابن سنا الملك":

"عيناك

لم يعد لديّ في الظلام ما أراه

سكبت من أقلامي الخضراء

ما توشحت به الظنون

و كدت لا أراك"

هنا، يمثل الماء الحياة والجمال اللذين يسعى إليهما الشاعر، لكنه أيضا يترجم حالة من الفقدان والاغتراب في ذات الشاعر، فيصبح الماء، الذي يرتبط بالنيل رمز الحياة في مصر، استعارة للجمال الذي يتلاشى ببطء، عندما تتحول القاهرة إلى مدينة تكسوها الظنون والمعاناة.

يعبر ابن سناء الملك، الذي عاش في القاهرة في زمن ازدهارها، عن هذا الصراع الداخلي بين التمسك بالجمال والانهيار الذي يعاني منه الإنسان. ان الماء هنا هو رمز للجمال الذي يسعى الشاعر اليه، لكنه أيضًا يعكس الحزن على فقدانه في ظل التغيرات المستمرة التي تطرأ على المدينة والإنسان.

الماء، في جوهره الصافي، هو البداية والنهاية، هو ولادة الكون واستمراره، وهو الرمز الذي يحمل بين طياته مفهوم الخلق والبعث. في الروايات الدينية القديمة، كان الماء شرطًا أوليًا لبزوغ الحياة، وسكبت الأنهار بحيراتها الأولى لتصبح رحمًا يحمل أسرار النشأة. وكما أن الماء ينزل من السماء ليروي الأرض ويبعث فيها الحياة، فإن الإنسان بحاجة إلى هذا الماء المعنوي الذي يُبعث من داخله، ليعيد خلق ذاته، ويستعيد هويته التي تذوب مع الزمن.

الخلق الروحي، إذن، هو عملية غمر الذات في بحر التساؤل والتأمل، حيث يغتسل الإنسان من أوهامه، ويتطهّر من ظلال الزمن وأعباء اليوميّ. هنا، ليس الشعر مجرد كلمات، بل هو ماء ينساب عبر الروح، يرويها، ويحيي فيها شجرة الأسئلة. كما أن الحياة لا تكون بلا ماء، فإن الوجود الإنساني لا يُبعث من جديد إلا عبر التفكير العميق، والتأمل في معاني الوجود، والتحدي الوجودي الذي يواجهه الإنسان مع نفسه ومع الكون.

هذه الرؤية للماء كرمز للخلق وإعادة التشكيل ليست مجرد تعبير عن دورة الحياة الطبيعية، بل هي أساس زاوية النظر التي تنطلق منها فلسفة الوجود ذاته. في البدء، كما جاء في النصوص الدينية والأساطير القديمة، كان الماء هو المادة الأولى التي انبثقت منها الحياة. هذا التصور جعل من الماء رمزًا للحياة والنشأة، ولكنه أيضًا رمز لإمكانية البدء من جديد، لإمكانية إعادة تشكيل الأشياء كما كانت أو كما ينبغي أن تكون.

وعلى ضوء هذه الرؤية، يصبح الخلق ليس فعلاً محدودًا بزمن أو مكان، بل هو فعل مستمر، يتجدد مع كل لحظة تأمل وتفكير. فكما أن الماء يسبق الحياة ويمنحها القدرة على الظهور، كذلك الفكر والشعر والتساؤل هي التي تسبق الخلق الإنساني، وتجعل من الإنسان ذاته مشروعًا لا يكتمل، بل يعاد تشكيله باستمرار.

وكما تتشكل الأرض بعد انهمار المطر، تتشكل الذات من جديد بعد كل عملية تأمل وتساؤل. الماء، هنا، يصبح رمزًا لإعادة التشكيل الروحي، لإعادة بناء الهوية التي كانت مجمدة تحت وطأة السكون. وكما يحمل الماء بين ذراته الحياة، فإن الفكر والشعر يحملان بين سطورهم إنسانًا جديدًا، إنسانًا يعيد خلق نفسه، ليس في بعده المادي، بل في بعده اللامتناهي، الوجودي.

إن هذه الفلسفة هي التي شكلت زاوية النظر في مقدمة لخلق الأشياء؛ فالأشياء في عمقها ليست ثابتة أو مغلقة على ذاتها، بل هي أشبه بالطين الذي يتشكل تحت يد الخالق – سواء كان الخالق هنا هو الطبيعة، أو الفكر، أو التجربة الإنسانية. وكما يتطلب الخلق المادي شرط الماء، فإن الخلق الروحي والفكري يتطلب شروطًا مشابهة: الشعر، والتفكير، والتساؤل، والمواجهة مع الوجود.

إذًا، الرؤية التي تربط بين الماء وبين إعادة تشكيل الذات والهوية ليست مجرد رمزية بل هي مفتاح لفهم كيف يمكن للإنسان أن يعيد تشكيل عالمه، وأن يخلق الأشياء من جديد. وكما أن الماء يذيب ويغمر ليعيد التوازن إلى الطبيعة، فإن التساؤل والفكر يغمران الإنسان ليجعلانه قادرًا على رؤية الأشياء من منظور جديد، وعلى خلقها مجددًا بما يتناسب مع حقيقته المتغيرة، والمكان الذي يسعى إليه لتحقيق إنسانيته.

يرى هيدغر في شعر هولدرلن، وخاصة في قصائده التي تتناول الطبيعة والآلهة والمقدس، أن هناك ترابطًا عميقًا بين الشعر وبين الأسس الأولية للوجود. هولدرلن يشير إلى الطبيعة – والماء جزء رئيسي منها – باعتبارها مصدر الحياة والإلهام، حيث يسعى الإنسان إلى فهم وجوده من خلال الاتصال بهذه العناصر. في هذا السياق، يصبح الماء رمزًا ليس فقط للخلق المادي، بل أيضًا للخلق الروحي الذي يحدث عبر الشعر.

هولدرلن يركز على فكرة العودة إلى الأصل، إلى الطبيعة والمقدس، وهو ما يلتقي مع رؤية الماء كعنصر أولي يربط بين الماضي والمستقبل، بين الفناء والبعث. وهذا يتناغم مع رؤية هيدغر للشعر كطريقة للكشف عن حقيقة الكائن، وعن ما هو "كائن" في هذا العالم. الشعر، عند هيدغر، هو "السكن" في العالم بطريقة تأملية، وهو شرط أساسي لكي يتمكن الإنسان من إعادة خلق ذاته في انسجام مع الطبيعة والمقدس.

كما أن الماء يشكل شرطًا ماديًا لنمو الحياة، فإن الشعر، وفقًا لهيدغر، يشكل شرطًا لظهور الحقيقة وإعادة بناء الهوية. الشعر يتجاوز اليومي والمباشر، ويغمر الإنسان في نهر من التساؤلات التي تعيد تشكيل وجوده، تمامًا كما يغمر الماء الأرض ويعيد خلقها.

وبالتالي، يمكن أن نقول إن الرؤية الهيدغرية للشعر، وخاصة عبر هولدرلن، تنظر إلى الشعر باعتباره فعلًا موازٍ للماء؛ فهو يفتح أفقًا جديدًا للوجود ويعيد تشكيل الإنسان في ضوء ارتباطه بالعالم والطبيعة والمقدس. الشعر، مثل الماء، هو وسيلة للخلق المستمر، وشرط لإعادة اكتشاف الذات في عالم يتطلب منا باستمرار أن نواجه حقيقة وجودنا، وهي المعاني التي رأيناها في تاويلاتنا لمضامين ديوان" مقدمة لخلق الاشياء" و التي تجعل منه عملا جديرا بالقراءة.

منشور في العدد (8) من مجلة إبداعات الصادرة عن منتدى الخط الحضاري أغسطس 2026.

لتحميل ديوان (مقدمة لخلق الأشياء): جعفر الديري فوله بوك/ مكتبة نور الالكترونية.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى