قراءة نقديبدو نص «ضياع الدفتر» للدكتور بسام الخالد في ظاهره حكاية بسيطة عن رجل أضاع دفتر أرقام هاتفه، لكن هذه البساطة ليست سوى القشرة الخارجية لنص يحمل سؤالًا إنسانيًا مؤلمًا: مَن يبقى إلى جوارنا حين تتوقف العلاقة عن تقديم منفعة أو مصلحة؟ ومن هنا تتحول حادثة ضياع الدفتر إلى اختبار قاسٍ لمعنى الصداقة، وإلى مرآة تكشف هشاشة كثير من العلاقات الإنسانية حين توضع أمام امتحان حقيقي.
يبدأ الكاتب من غياب الراوي عن صديقه لسنوات بسبب «أعباء الحياة المختلفة»، وهي بداية ذكية؛ لأنها تضع القارئ منذ اللحظة الأولى داخل دائرة العلاقات التي تتأثر بالزمن والانشغال. وحين يعود الراوي للقاء صديقه يجده مختلفًا: «كئيباً حزيناً، الأمر الذي لم أعهده فيه من قبل». وهنا يفتح الكاتب باب الفضول، فالقارئ يريد معرفة السر، قبل أن تأتي المفارقة الأولى: «لقد أضعت دفتر هواتفي!»
قد تبدو الإجابة ساخرة أو مبالغًا فيها، ولذلك يشارك الراوي القارئ دهشته: هل يمكن أن يكون ضياع دفتر هواتف سببًا لكل هذا الحزن؟ لكن سرعان ما ينقلب المعنى حين يقول الصديق: «المشكلة ليست بضياع دفتر الهواتف، إنما بضياع الأصدقاء». هذه الجملة هي المفتاح الحقيقي للنص كله؛ فالدفتر لم يكن مجرد مجموعة من الأرقام، بل كان في نظر صاحبه خريطة لعلاقاته الإنسانية.
واللافت أن الكاتب لا يقدم الصديق في صورة الضحية المطلقة. وهذه نقطة مهمة جدًا في البناء الأخلاقي للنص. فحين يتعرض الرجل لأزمة ويحتاج إلى مساعدة أصدقائه، يكتشف أن كثيرًا ممن كانوا يحتلون مساحة «الصديق» في دفتره يتراجعون عند لحظة الاختبار. يبدأ بالشطب، لكنه في الحقيقة لا يشطب أسماء فقط، وإنما يعيد تعريف الصداقة في داخله.
وتأتي الأرقام المتصاعدة:
«في اليوم الأول شطبت مئة اسم، وفي اليوم الثاني مئتين، وفي اليوم الثالث أربعمئة»
لتمنح السرد إيقاعًا تصاعديًا، وكأن الدفتر نفسه يتحول إلى مسرح لمحاكمة صامتة. وكل اسم يُشطب يمثل علاقة تسقط من الذاكرة الاجتماعية إلى الذاكرة المؤلمة.
لكن الكاتب يبلغ ذروة المفارقة حين لا يبقى في الدفتر إلا عشرة أصدقاء، ثم يبدأ هؤلاء أيضًا في السقوط واحدًا بعد الآخر، حتى لا يبقى إلا اسم واحد:
«وفجأة لم أجد إلا اسمي على غلاف الدفتر!»
وهنا تنتقل الحكاية من نقد الآخرين إلى نقد الذات. فالصديق الذي اكتشف أن الآخرين لم يكونوا أوفياء، اكتشف في النهاية أنه ليس خارج هذه الدائرة. ولذلك تأتي الجملة الأشد قسوة في النص:
«فقد شطبت اسمي أيضاً لأني لست أفضل حالاً من الجميع»
إنها لحظة وعي أخلاقي حقيقية؛ لأن الكاتب لا يسمح لشخصيته أن تخرج منتصرة من الحكاية وهي تلقي اللوم على الآخرين. بل يجعلها تعود إلى المرآة وتسأل: هل أنا أيضًا صديق جيد؟ هل أعطي الآخرين ما أطلبه منهم؟
وهنا تكمن قيمة النص؛ فهو لا يقدم محاكمة للأصدقاء بقدر ما يقدم محاكمة لفكرة الصداقة نفسها. فالوفاء ليس كلمة نرفعها في الأحاديث، وإنما موقف يظهر عندما يصبح الآخر في حاجة إلينا.
أما النهاية فهي الأكثر ذكاءً من الناحية الفنية:
«وعند وصولي إلى المنزل التقطت دفتر هواتفي وبدأت التشطيب!»
هذه النهاية المفتوحة تعيد القارئ إلى بداية الحكاية، لكنها هذه المرة تجعله ينظر إلى الراوي نفسه. لقد انتقلت العدوى من الصديق إلى الراوي، أو بالأدق انتقلت إليه فكرة المراجعة. لم يعد دفتر الهواتف مجرد دفتر؛ أصبح أداة لاختبار العلاقات.
والتشطيب هنا رمز بالغ الدلالة: قد يكون تشطيبًا لأسماء لم تعد تعني شيئًا، وقد يكون تشطيبًا لوهم قديم اسمه «كثرة الأصدقاء». فالنص يضعنا أمام حقيقة مؤلمة: كثرة الأسماء لا تعني كثرة الأصدقاء، وكثرة المعارف لا تعني بالضرورة وجود شخص واحد يمكن الاتكاء عليه في لحظة الانكسار.
ومن الناحية السردية، اعتمد الدكتور بسام الخالد على الحكاية القصيرة ذات المفارقة الختامية، وهي تقنية تمنح النص قدرته على الوصول إلى القارئ دون خطاب مباشر أو موعظة ثقيلة. فالرسالة الأخلاقية خرجت من الحدث نفسه، لا من تعليق الكاتب عليه.
كما أن لغة النص واضحة ومباشرة، وهذا يتناسب مع طبيعته الحكائية. وقد تكون هذه المباشرة مقصودة؛ لأن الكاتب يريد أن تصل المفارقة إلى أكبر مساحة من القراء، دون أن يحجبها التعقيد البلاغي.
وفي تقديري، فإن أجمل ما في «ضياع الدفتر» ليس اكتشاف أن بعض الأصدقاء يتخلون عنا عندما نحتاج إليهم، فهذه حقيقة يعرفها كثيرون، وإنما المفاجأة الأعمق هي أن الكاتب يضعنا جميعًا أمام السؤال الأصعب: ماذا لو فتحنا دفاتر هواتفنا نحن وبدأنا التشطيب؟
هنا يصبح النص أكبر من حكاية صديق أضاع دفترًا؛ يصبح مرآة اجتماعية صغيرة، لكنها شديدة القسوة. وربما لهذا جاءت النهاية موفقة؛ لأن الدفتر الذي بدأ مفقودًا عند الصديق، انتهى مفتوحًا في يد الراوي، وكأن الكاتب يقول لنا بهدوء: قبل أن تبحث عن أصدقائك الحقيقيين، راجع أولًا أيَّ نوع من الأصدقاء كنت أنت.
النص
ضياع الدفتر !
انقطعت زياراتي لصديقي الذي كان مقصد جميع الزملاء والأصدقاء، وذلك بسبب أعباء الحياة المختلفة، وبعد عدة سنوات قابلته فوجدته كئيباً حزيناً، الأمر الذي لم أعهده فيه من قبل.. سألته عن سر كآبته.. ضحك ضحكة لا تخلو من السخرية الـمُرَّة وأجاب: لقد أضعت دفتر هواتفي!
قلت له، وهل ضياع دفتر الهواتف يسبب لك كل هذا الضيق ؟!
قال: المشكلة ليست بضياع دفتر الهواتف، إنما بضياع الأصدقاء.. قلت له كيف لم أفهم؟!
قال: أنت تعلم أنني دوّنت في هذا الدفتر عناوين وأرقام هواتف أكثر من ألف صديق، وفجأة فقدتهم جميعاً.. ولمَّا لاحظ دهشتي تابع قائلاً: لقد شطبت أسماءهم وعناوينهم جميعاً ومزقت الدفتر!
كيف.. قلت له مستغرباً:
قال بحسرة: منذ فترة تعرضت لأزمة في عملي انعكست على وضعي النفسي، وكنت بحاجة لمساعدة الأصدقاء لإخراجي من هذه الأزمة، ومعظمهم قادر على ذلك، لكنني كلما اتصلت بأحدهم تملّص بأسلوب زئبقي واعتذر، عندها بدأتُ (اللعبة) مع الجميع، وبدأت الاتصال بالأصدقاء.. وكلما اعتذر أحدهم شطبت اسمه.
في اليوم الأول شطبت مئة اسم، وفي اليوم الثاني مئتين، وفي اليوم الثالث أربعمئة.. وهكذا مع توالي الأيام بقي عشرة، قلت في نفسي يكفي عشرة أصدقاء.. لكن عند التجربة الحقيقية بدأت أشطب كل يوم اسم واحد منهم.. وفجأة لم أجد إلا إسمي على غلاف الدفتر..!
قلت له: هذا يكفي، يمكنك البدء من جديد واختيار أصدقاء جدد بتروٌ ودراسة، قال: لا.. فقد شطبت اسمي أيضاً لأني لست أفضل حالاً من الجميع، فأنا الذي اخترت، ولست إلا واحداً من قليلي الوفاء في هذه الحياة!
ودّعت صديقي بمرارة.. ومضيت أفكر بالعلاقات الإنسانية التي تحكمها المصالح.. وعند وصولي إلى المنزل التقطت دفتر هواتفي وبدأت التشطيب!
يبدأ الكاتب من غياب الراوي عن صديقه لسنوات بسبب «أعباء الحياة المختلفة»، وهي بداية ذكية؛ لأنها تضع القارئ منذ اللحظة الأولى داخل دائرة العلاقات التي تتأثر بالزمن والانشغال. وحين يعود الراوي للقاء صديقه يجده مختلفًا: «كئيباً حزيناً، الأمر الذي لم أعهده فيه من قبل». وهنا يفتح الكاتب باب الفضول، فالقارئ يريد معرفة السر، قبل أن تأتي المفارقة الأولى: «لقد أضعت دفتر هواتفي!»
قد تبدو الإجابة ساخرة أو مبالغًا فيها، ولذلك يشارك الراوي القارئ دهشته: هل يمكن أن يكون ضياع دفتر هواتف سببًا لكل هذا الحزن؟ لكن سرعان ما ينقلب المعنى حين يقول الصديق: «المشكلة ليست بضياع دفتر الهواتف، إنما بضياع الأصدقاء». هذه الجملة هي المفتاح الحقيقي للنص كله؛ فالدفتر لم يكن مجرد مجموعة من الأرقام، بل كان في نظر صاحبه خريطة لعلاقاته الإنسانية.
واللافت أن الكاتب لا يقدم الصديق في صورة الضحية المطلقة. وهذه نقطة مهمة جدًا في البناء الأخلاقي للنص. فحين يتعرض الرجل لأزمة ويحتاج إلى مساعدة أصدقائه، يكتشف أن كثيرًا ممن كانوا يحتلون مساحة «الصديق» في دفتره يتراجعون عند لحظة الاختبار. يبدأ بالشطب، لكنه في الحقيقة لا يشطب أسماء فقط، وإنما يعيد تعريف الصداقة في داخله.
وتأتي الأرقام المتصاعدة:
«في اليوم الأول شطبت مئة اسم، وفي اليوم الثاني مئتين، وفي اليوم الثالث أربعمئة»
لتمنح السرد إيقاعًا تصاعديًا، وكأن الدفتر نفسه يتحول إلى مسرح لمحاكمة صامتة. وكل اسم يُشطب يمثل علاقة تسقط من الذاكرة الاجتماعية إلى الذاكرة المؤلمة.
لكن الكاتب يبلغ ذروة المفارقة حين لا يبقى في الدفتر إلا عشرة أصدقاء، ثم يبدأ هؤلاء أيضًا في السقوط واحدًا بعد الآخر، حتى لا يبقى إلا اسم واحد:
«وفجأة لم أجد إلا اسمي على غلاف الدفتر!»
وهنا تنتقل الحكاية من نقد الآخرين إلى نقد الذات. فالصديق الذي اكتشف أن الآخرين لم يكونوا أوفياء، اكتشف في النهاية أنه ليس خارج هذه الدائرة. ولذلك تأتي الجملة الأشد قسوة في النص:
«فقد شطبت اسمي أيضاً لأني لست أفضل حالاً من الجميع»
إنها لحظة وعي أخلاقي حقيقية؛ لأن الكاتب لا يسمح لشخصيته أن تخرج منتصرة من الحكاية وهي تلقي اللوم على الآخرين. بل يجعلها تعود إلى المرآة وتسأل: هل أنا أيضًا صديق جيد؟ هل أعطي الآخرين ما أطلبه منهم؟
وهنا تكمن قيمة النص؛ فهو لا يقدم محاكمة للأصدقاء بقدر ما يقدم محاكمة لفكرة الصداقة نفسها. فالوفاء ليس كلمة نرفعها في الأحاديث، وإنما موقف يظهر عندما يصبح الآخر في حاجة إلينا.
أما النهاية فهي الأكثر ذكاءً من الناحية الفنية:
«وعند وصولي إلى المنزل التقطت دفتر هواتفي وبدأت التشطيب!»
هذه النهاية المفتوحة تعيد القارئ إلى بداية الحكاية، لكنها هذه المرة تجعله ينظر إلى الراوي نفسه. لقد انتقلت العدوى من الصديق إلى الراوي، أو بالأدق انتقلت إليه فكرة المراجعة. لم يعد دفتر الهواتف مجرد دفتر؛ أصبح أداة لاختبار العلاقات.
والتشطيب هنا رمز بالغ الدلالة: قد يكون تشطيبًا لأسماء لم تعد تعني شيئًا، وقد يكون تشطيبًا لوهم قديم اسمه «كثرة الأصدقاء». فالنص يضعنا أمام حقيقة مؤلمة: كثرة الأسماء لا تعني كثرة الأصدقاء، وكثرة المعارف لا تعني بالضرورة وجود شخص واحد يمكن الاتكاء عليه في لحظة الانكسار.
ومن الناحية السردية، اعتمد الدكتور بسام الخالد على الحكاية القصيرة ذات المفارقة الختامية، وهي تقنية تمنح النص قدرته على الوصول إلى القارئ دون خطاب مباشر أو موعظة ثقيلة. فالرسالة الأخلاقية خرجت من الحدث نفسه، لا من تعليق الكاتب عليه.
كما أن لغة النص واضحة ومباشرة، وهذا يتناسب مع طبيعته الحكائية. وقد تكون هذه المباشرة مقصودة؛ لأن الكاتب يريد أن تصل المفارقة إلى أكبر مساحة من القراء، دون أن يحجبها التعقيد البلاغي.
وفي تقديري، فإن أجمل ما في «ضياع الدفتر» ليس اكتشاف أن بعض الأصدقاء يتخلون عنا عندما نحتاج إليهم، فهذه حقيقة يعرفها كثيرون، وإنما المفاجأة الأعمق هي أن الكاتب يضعنا جميعًا أمام السؤال الأصعب: ماذا لو فتحنا دفاتر هواتفنا نحن وبدأنا التشطيب؟
هنا يصبح النص أكبر من حكاية صديق أضاع دفترًا؛ يصبح مرآة اجتماعية صغيرة، لكنها شديدة القسوة. وربما لهذا جاءت النهاية موفقة؛ لأن الدفتر الذي بدأ مفقودًا عند الصديق، انتهى مفتوحًا في يد الراوي، وكأن الكاتب يقول لنا بهدوء: قبل أن تبحث عن أصدقائك الحقيقيين، راجع أولًا أيَّ نوع من الأصدقاء كنت أنت.
النص
ضياع الدفتر !
انقطعت زياراتي لصديقي الذي كان مقصد جميع الزملاء والأصدقاء، وذلك بسبب أعباء الحياة المختلفة، وبعد عدة سنوات قابلته فوجدته كئيباً حزيناً، الأمر الذي لم أعهده فيه من قبل.. سألته عن سر كآبته.. ضحك ضحكة لا تخلو من السخرية الـمُرَّة وأجاب: لقد أضعت دفتر هواتفي!
قلت له، وهل ضياع دفتر الهواتف يسبب لك كل هذا الضيق ؟!
قال: المشكلة ليست بضياع دفتر الهواتف، إنما بضياع الأصدقاء.. قلت له كيف لم أفهم؟!
قال: أنت تعلم أنني دوّنت في هذا الدفتر عناوين وأرقام هواتف أكثر من ألف صديق، وفجأة فقدتهم جميعاً.. ولمَّا لاحظ دهشتي تابع قائلاً: لقد شطبت أسماءهم وعناوينهم جميعاً ومزقت الدفتر!
كيف.. قلت له مستغرباً:
قال بحسرة: منذ فترة تعرضت لأزمة في عملي انعكست على وضعي النفسي، وكنت بحاجة لمساعدة الأصدقاء لإخراجي من هذه الأزمة، ومعظمهم قادر على ذلك، لكنني كلما اتصلت بأحدهم تملّص بأسلوب زئبقي واعتذر، عندها بدأتُ (اللعبة) مع الجميع، وبدأت الاتصال بالأصدقاء.. وكلما اعتذر أحدهم شطبت اسمه.
في اليوم الأول شطبت مئة اسم، وفي اليوم الثاني مئتين، وفي اليوم الثالث أربعمئة.. وهكذا مع توالي الأيام بقي عشرة، قلت في نفسي يكفي عشرة أصدقاء.. لكن عند التجربة الحقيقية بدأت أشطب كل يوم اسم واحد منهم.. وفجأة لم أجد إلا إسمي على غلاف الدفتر..!
قلت له: هذا يكفي، يمكنك البدء من جديد واختيار أصدقاء جدد بتروٌ ودراسة، قال: لا.. فقد شطبت اسمي أيضاً لأني لست أفضل حالاً من الجميع، فأنا الذي اخترت، ولست إلا واحداً من قليلي الوفاء في هذه الحياة!
ودّعت صديقي بمرارة.. ومضيت أفكر بالعلاقات الإنسانية التي تحكمها المصالح.. وعند وصولي إلى المنزل التقطت دفتر هواتفي وبدأت التشطيب!