د. عبدالكريم الحلو - قراءة نقدية سيميائية – فنتازية في نصوص الشاعر حسين السياب: ومضات سيمياء الفنتازيا

أجمل ما في النص الفنتازي أنه لا يشرح المفارقة، بل يتركها تعمل داخل ذهن القارئ.
في النصوص الفنتازية للشاعر حسين السياب، لا تأتي الفنتازيا بوصفها هروبًا من الواقع، وإنما بوصفها طريقة أخرى لرؤية الواقع حين يعجز الواقع المألوف عن التعبير عن تناقضاته.
فالشاعر لا يغادر العالم؛ بل يعيد بناءه سيميائيًا، ويمنح الأشياء اليومية قدرةً على الكلام والحركة والتذكر والاحتجاج.
إننا أمام فنتازيا لا تقوم على الكائنات الأسطورية أو العوالم العجائبية البعيدة، وإنما تنبع من انحراف بسيط في وظيفة الشيء؛
القفص لا يحبس العصافير، بل يستقبل السماء، والخريطة لا تهدي إلى الطريق،
بل تقود إلى البحر، والوقت يمشي بعكازين، والمستقبل يصبح غرفة محجوزة،
والحذاء يتذكر صاحبه، والمدينة
تبحث عن عنوانها. وهذا الانحراف هو جوهر اللعبة.

IMG-20260808-WA0001.jpg

السيميائية في النص:

1–القفص:
حين تُحتجز السماء

يقول الشاعر:

اشتريتُ قفصاً للعصافير
في الطريق
دخلتْ إليه السماء.

القفص هنا علامة على الحبس، بينما السماء علامة على الحرية والاتساع.
لكن الشاعر يقلب العلاقة الدلالية بين العلامتين: بدل أن يدخل العصفور القفص، تدخل السماء إليه.
وهنا تولد الفنتازيا من قلب المفارقة.
القفص لم يعد مكانًا للسجن، بل أصبح مكانًا للكون. والسماء التي يفترض أنها عصية على الاحتواء أصبحت محاصرة داخل شيء صغير.
ثم تأتي الجملة:

ولم أجد طريقةً لإخراجها.

فتنتقل الفنتازيا من المفارقة إلى سؤال فلسفي: هل يمكن للإنسان أن يعيد الحرية إلى فضائها بعد أن امتلكها؟.
السماء هنا ليست مجرد سماء؛ إنها علامة مفتوحة على الحرية، والحلم، والاحتمال، وربما على الذات نفسها.

2–خرائط الضياع:
انقلاب وظيفة العلامة

يقدم الشاعر صورة شديدة الذكاء:

رأيتُ رجلاً يبيعُ خرائطَ للضياع.

الخريطة في الوعي الجمعي علامة على الهداية والمعرفة وتحديد الاتجاه.
لكن الشاعر يسلبها وظيفتها الأصلية ويمنحها وظيفة نقيضة: أن تكون أداةً للضياع.
ثم يزداد الانقلاب حدة:

كان الزبائنُ يسألونه
عن أقربِ طريقٍ إلى بيوتهم
فيشيرُ إلى البحر.

البيت علامة الاستقرار والانتماء، بينما البحر علامة الاتساع والتيه والحركة.
وبذلك تصبح الرحلة:
البيت: الطريق: البحر: الضياع.
إنها ليست رحلة جغرافية، بل رحلة وجودية. فالإنسان المعاصر قد يمتلك وسائل تحديد الاتجاه، لكنه لا يمتلك بالضرورة القدرة على معرفة أين يكون بيته الحقيقي.
ومن منظور سيميائي، نحن أمام تخريب متعمد للعلاقة بين الدال والمدلول؛ فالعلامة التي يفترض أن تقود إلى المعنى تقود إلى نقيضه.

3–دائرة التقاعد:
الزمن الذي أصيب بالشيخوخة

في المقطع الثالث يقول:

كان الوقتُ يقفُ بعكازين.

هنا تحدث عملية تشخيص للزمن؛ إذ يتحول المجرد إلى كائن مادي يمكن أن يقف ويمشي ويشيخ.
لكن الأهم أن الزمن نفسه يبدو عجوزًا.

ثم:

كلُّ مَن يخرجُ من الباب
يصيرُ أكبرَ من صورتِه
بعشرين عاماً.

الصورة هنا ليست مجرد صورة فوتوغرافية، بل علامة على الهوية السابقة.
أما الشخص الذي يخرج من دائرة التقاعد فقد أصبح أكبر من علامته القديمة.
وهنا يتحول المكان الإداري إلى آلة زمنية؛ يدخل الإنسان إليها بشخصيته المعروفة، ويخرج منها وقد أضيفت إلى روحه سنوات لا تظهر في التقويم.
الفنتازيا إذن تكشف حقيقة واقعية: بعض المؤسسات لا تنظم حياة الإنسان فحسب، بل تسرق من إحساسه بالزمن شيئًا من عمره.

4–الفندق والمستقبل المحجوز
من أكثر المقاطع سخرية وفلسفة:

طلبتُ غرفةً تُطلُّ على المستقبل.

الفندق مكان للإقامة المؤقتة، والغرفة فضاء محدود، أما المستقبل فهو فضاء مفتوح لم يأتِ بعد. لكن الشاعر يحول المستقبل إلى عقار يمكن حجزه:

منذ سنواتٍ
وهو محجوز.

هنا يبلغ التناقض ذروته. فالمستقبل الذي يفترض أن يكون ملكًا للآتي يصبح ملكًا لمن سبق أن حجزه. وهذا المقطع يحمل قراءة اجتماعية وسياسية واقتصادية محتملة، من دون أن يقع النص في المباشرة؛ فثمة مستقبل يبدو وكأنه موزع مسبقًا، بينما يقف الإنسان العادي أمامه طالبًا نافذة صغيرة.
الفندق نفسه يصبح علامة على الانتظار المؤقت، والمستقبل يتحول إلى غرفة مغلقة.

5–الحذاء:
تمرد الشيء على صاحبه

يقول:

وجدتُ حذائي يسيرُ وحده
في الجهةِ المقابلة من الشارع.

هذه ليست مجرد صورة عجائبية؛ إنها انقلاب في علاقة الملكية.
الإنسان عادةً هو الذي يمنح الحذاء الاتجاه، لكن الحذاء هنا يستقل بإرادته.
والأكثر جمالًا أن الشاعر لا يجعل الحذاء يتكلم، بل يمنحه فعلًا نفسيًا:

كأنَّهُ تذكَّر أنَّني صاحبُه.

الشيء يتذكر الإنسان. وهنا تنقلب العلاقة:
الإنسان يمتلك الحذاء. الحذاء يتذكر الإنسان. لكن لماذا يسرع الحذاء بعد أن يتذكر صاحبه؟.
يمكن تأويل ذلك بوصفه إشارة إلى مسارٍ انفصل عن صاحبه؛ طريق مشى فيه الإنسان طويلًا، ثم اكتشف أن الطريق نفسه لم يعد ينتظره.
إن الحذاء هنا ليس حذاءً فقط، بل علامة على الطريق والحركة والماضي والاختيار.

6–النافذة التي تسعل:

في الخاتمة:

سمعتُ نافذتي
تسعلُ من شدَّةِ الغبار.

يتحول الجماد إلى كائن حي. لكن اختيار فعل «السعال» ليس اعتباطيًا. فالنافذة عضو الرؤية والاتصال بين الداخل والخارج، وعندما تسعل بسبب الغبار فكأن الرؤية نفسها قد اختنقت.
إن الغبار هنا علامة على تراكم الزمن والنسيان والإهمال. وحين يفتح الشاعر النافذة تحدث المفاجأة الكبرى:

دخلتْ مدينةٌ كاملة.

لا يدخل الهواء، ولا الضوء، ولا شخص عابر؛ بل تدخل مدينة كاملة.

ثم تقول المدينة:

أبحثُ عن عنواني القديم.

وهنا تصل الفنتازيا إلى أعلى درجاتها السيميائية. فالمدينة التي يفترض أن تمنح الإنسان العنوان تصبح هي نفسها بلا عنوان.

المدينة بوصفها علامة مفقودة
هذه الجملة الأخيرة يمكن أن تكون مفتاح النص كله. فالسماء دخلت القفص، والخريطة فقدت وظيفتها، والوقت شاخ، والمستقبل حُجز، والحذاء انفصل عن صاحبه، والمدينة فقدت عنوانها.
إن جميع الأشياء في النص تعاني من أزمة هوية ووظيفة واتجاه. وهذا ما يمنح النص وحدته الداخلية.
فالفنتازيا ليست مجموعة صور غريبة متجاورة، بل استراتيجية واحدة تقوم على إعادة توزيع الأدوار بين الموجودات.



القراءة الثانية:

من سيمياء الأشياء إلى سيمياء الاغتراب

يمكن قراءة النص بأكمله بوصفه نصًا عن الاغتراب. فالإنسان لا يفقد نفسه مباشرة؛ بل يفقد الأشياء التي كانت تمنحه معنى العالم.
القفص لم يعد قفصًا. الخريطة لم تعد خريطة. الوقت لم يعد وقتًا. الفندق لم يعد مكانًا للإقامة. الحذاء لم يعد تابعًا للقدم.
النافذة لم تعد مجرد نافذة. والمدينة لم تعد تعرف عنوانها. وهكذا تتحول الأشياء
من علامات مستقرة إلى علامات قلقة.
وهذا القلق السيميائي هو الذي يصنع الفنتازيا.

IMG-20260808-WA0002.jpg

الفنتازيا بوصفها حقيقة ثانية:

تكمن قوة تكنيك الشاعر حسين السياب في أنه لا يقول لنا: "العالم عبثي"، بل يجعل العالم نفسه يتصرف بطريقة عبثية، ثم يترك القارئ يستنتج الحقيقة.
وهذه واحدة من أهم خصائص الكتابة الفنتازية الناجحة: أن تجعل المستحيل مقنعًا، والمألوف مريبًا.
فالسماء داخل القفص مستحيلة، لكنها تصبح أكثر إقناعًا من فكرة أن الإنسان يعيش حرًا وهو محاصر.
وخرائط الضياع مستحيلة، لكنها تعبر بصدق عن عالم كثرت فيه وسائل الوصول وضاعت فيه الجهات.
والمستقبل المحجوز مستحيل، لكنه يلامس واقعًا يشعر فيه كثيرون أن مستقبلهم قد تحدد قبل أن يبدأ.
والمدينة التي تبحث عن عنوانها مستحيلة، لكنها ربما تكون أكثر الصور صدقًا في زمن تتغير فيه المدن بسرعة أكبر من قدرة الإنسان على الاحتفاظ بذاكرته عنها.

خاتمة:
حين تصبح الأشياء أكثر وعيًا من أصحابها:

إن (هوامش) حسين السياب نص فنتازي سيميائي بامتياز؛ لأنه لا يستخدم الفنتازيا للزينة، بل يجعلها لغةً ثانية للحقيقة.
كل ومضة فيه تبدو كأنها حلم صغير، لكنها في العمق تحمل سؤالًا كبيرًا:
ماذا يحدث حين تفقد الأشياء وظائفها، والأماكن عناوينها، والزمن عمره، والإنسان طريقه؟
ربما تكون الإجابة مختبئة في آخر سطر:

أبحثُ عن عنواني القديم.

فالمدينة لا تبحث عن مكان فقط؛ إنها تبحث عن صورتها الأولى، ذاكرتها، هويتها، وربما عن الإنسان الذي كان يسكنها قبل أن تسكنه التحولات.
لهذا يمكن القول إن حسين السياب يكتب (الهوامش) ليكشف المتن؛ ويستخدم الفنتازيا كي يجعل الأشياء تتكلم نيابةً عن الإنسان.
وفي هذه الكتابة تحديدًا، لا تكون الدهشة نهاية المعنى، بل بدايته.



النص:

هوامش

اشتريتُ قفصاً للعصافير. في الطريق، دخلتْ إليه السماء، ولم أجد طريقةً لإخراجها.

رأيتُ رجلاً يبيعُ خرائطَ للضياع. كان الزبائنُ يسألونه عن أقربِ طريقٍ إلى بيوتهم، فيشيرُ إلى البحر.

أمامَ دائرةِ التقاعد، كان الوقتُ يقفُ بعكازين. كلُّ مَن يخرجُ من الباب يصيرُ أكبرَ من صورتِه بعشرين عاماً.

في الفندق، طلبتُ غرفةً تُطلُّ على المستقبل. اعتذرَ الموظفُ بلطف:
– منذ سنواتٍ، وهو محجوز...

وجدتُ حذائي يسيرُ وحده في الجهةِ المقابلة من الشارع. ناديتُه. التفتَ قليلاً، ثم أسرع... كأنَّهُ تذكَّر أنَّني صاحبُه.

قبل الفجر، سمعتُ نافذتي تسعلُ من شدَّةِ الغبار. فتحتُها. دخلتْ مدينةٌ كاملة، وقالت:
– أبحثُ عن عنواني القديم...

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى