مقتطف هدى حجاجى - كلُّ الطرقِ تنتهي بنا0.. الفصل التاسع والعشرون: عندما يسقط العرش ويستيقظ الضمير

الفصل التاسع والعشرون: عندما يسقط العرش ويستيقظ الضمير


أما هناء فكانت تخوض معركتها الأخيرة؛ تلك المعركة التي لم تبدأ يوم اعتقالها، ولا يوم أُغلقت خلفها أبواب الزنازين الثقيلة، بل بدأت منذ اللحظة التي قررت فيها أن تكتب. منذ أن آمنت أن الكلمة ليست حبرًا على ورق، بل مسؤولية، وأن الصمت أحيانًا شريك خفي في الجريمة.

خرجت الوثائق إلى النور أخيرًا، وتحوّلت الكلمات التي كانت تكتبها طوال سنوات في مدونتها الصغيرة، التي حملت عنوان "عندما يسقط العرش ويستيقظ الضمير"، من مجرد منشورات يقرأها العابرون على عجل إلى حقيقة تتداولها الصحف ووسائل الإعلام، ويتحدث عنها الناس في المقاهي والشوارع والبيوت.

لم تكن الطريق سهلة.

فالحقيقة لا تنتصر دائمًا بسرعة، ولا تفتح لها الأبواب كما يحدث في الحكايات الجميلة. كثيرًا ما تُترك وحيدة في الممرات المعتمة، ويُلقى بها في زنازين النسيان، ويُعاقَب من يحملها أكثر مما يُعاقَب من يطمسها.

لكن هذه المرة وجدت الحقيقة من يحملها.

وجدت رجالًا ونساءً رفضوا أن تُدفن مرة أخرى تحت ركام الخوف.

وقف الصحفيون يفتشون في الملفات القديمة، ووقف المحامون يتتبعون الخيوط التي حاول كثيرون قطعها، وتقدم الشهود واحدًا تلو الآخر يروون ما رأوه وما صمتوا عنه سنوات طويلة.

وكان من بينهم يوسف الشامي.

الرجل الذي عاش أكثر من عشرين عامًا مطاردًا بذكرياته، مختبئًا من ظله، خائفًا من أن يدفع ثمن كلمة واحدة.

لكنه وقف أخيرًا.

وقف أمام الجميع.

وقال ما ظل حبيس صدره عقودًا كاملة.

تكلم بصوت مرتجف في البداية، ثم ازداد ثباتًا كلما تقدم في شهادته، كأن الحقيقة نفسها كانت تمنحه القوة التي افتقدها طويلًا.

ومع كل جلسة كانت أقنعة جديدة تسقط.

وجوه طالما بدت محترمة أمام الناس، فإذا بها تخفي وراءها تاريخًا من الطمع والتواطؤ والخوف.

وأدرك الناس شيئًا مؤلمًا:

أن بعض الحرائق لا تشتعل بالصدفة.

وأن بعض المآسي التي نحسبها قضاءً وقدرًا تكون في حقيقتها نتيجة جشع البشر وصمتهم.

وأدركوا أيضًا أن بعض الجرائم لا تعيش كل هذه السنوات لأنها قوية، بل لأنها تجد من يخاف مواجهتها.

لكن الخوف، هذه المرة، خسر.

خسر أمام ذاكرة لم تمت.

وخسر أمام أوراق نجت من الحريق.

وخسر أمام امرأة رفضت أن تتراجع رغم السجن والإهانة والسنوات المسروقة من عمرها.

وحين انتهت آخر الجلسات، وخرجت هناء من قاعة المحكمة، شعرت للحظة أن الهواء مختلف.

رفعت رأسها نحو السماء.

كانت الغيوم تتحرك ببطء فوق المدينة، بينما كانت الشمس تشق طريقها بين المسافات البعيدة.

أغمضت عينيها.

وتذكرت الزنزانة الضيقة.

والليالي الطويلة.

والأسئلة التي كانت تنهش روحها.

وتذكرت الخوف الذي حاول أن يكسرها.

والألم الذي حاول أن يجعلها تندم.

لكنها لم تندم.

أبدًا.

فتحت عينيها من جديد.

وكانت تعرف أن سنوات السجن لم تنتصر عليها كما أرادوا.

بل صنعت منها امرأة أكثر صلابة.

امرأة تعلمت أن الجسد قد يُقيد، لكن الفكرة لا تُعتقل.

وأن الحقيقة قد تتأخر كثيرًا...

لكنها تعرف دائمًا الطريق إلى النور.




1783504899168.png

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى