مقتطف هدى حجاجي - ظلُّ امرأةٍ في باريس الجزء السادس والأربعون: حين يكتب الليل ما عجز النهار عن قوله

الجزء السادس والأربعون: حين يكتب الليل ما عجز النهار عن قوله



الليل في باريس لا يشبه الليل في أي مدينة أخرى.

إنه لا يهبط دفعة واحدة، بل يتسلل ببطء، كعاشقٍ يخشى أن يوقظ الذاكرة.

أفتح نافذتي المطلة على السين، فأشعر أن النهر يكتب هو الآخر مذكراته. الماء لا ينسى. كل موجة تحمل وجهًا مرّ من هنا، وكل انعكاس ضوء يشبه رسالة لم تصل إلى صاحبها.

أصبحت أعرف أن الليل ليس وقتًا، بل اعترافًا طويلًا.

في النهار، نتقن ارتداء وجوهنا، ونصافح العالم بابتساماتٍ مدروسة، أما في الليل، فلا يبقى بيننا وبين أنفسنا سوى الحقيقة.

وضعت دفتري على الطاولة.

لم أكتب شيئًا.

كنت أراقب الورقة البيضاء وهي تحدق فيّ، كأنها تعرف أن الكلمات هذه الليلة لن تُولد بالحبر، بل بالوجع.

كم مرة ظننت أن السفر يعالج الذاكرة؟

وكم مرة اكتشفت أن الذاكرة تحمل جواز سفرٍ لا تنتهي صلاحيته؟

هربت من المدن... لكنها سكنتني.

تركت البيوت... لكنها بقيت في صدري.

وغادرت الوجوه... فإذا بها تسبقني إلى المنام.

مددت يدي إلى فنجان القهوة، كان قد برد منذ زمن، تمامًا كالكثير من الوعود التي صدقناها.

تذكرت أبي.

لم يكن كثير الكلام، لكنه كان يعرف كيف يزرع الطمأنينة في البيت.

وتذكرت أمي، وهي تفتح النافذة كل صباح، كأنها تؤمن أن الشمس تعرف أسماءنا جميعًا.

منذ رحلا، لم تعد النوافذ تُفتح بالطريقة نفسها.

حتى الضوء صار يتردد قبل أن يدخل.

في باريس تعلمت أن الغربة ليست أن تعيش بعيدًا عن وطنك، بل أن تبحث عن نفسك فلا تجدها في المرآة.

وأن أقسى أنواع الوحدة، أن تكون محاطًا بالناس، بينما لا يسمع أحد صوت انهيارك.

رنّ هاتفي.

رقم مجهول.

تركت الرنين ينطفئ وحده.

لم أعد أؤمن بالمصادفات.

كل عائد يحمل شيئًا أخذه معه يوم رحل، وأنا لم يعد لدي ما أسترده من أحد.

أغلقت النافذة.

لكن صوت النهر ظل يتسلل إلى الغرفة.

ابتسمت.

ربما لأنني أدركت أخيرًا أن بعض الأنهار لا تجري خارجنا، بل في أعماقنا.

وأن بعض النساء لا يهاجرن إلى المدن...

بل يهاجرن إلى أنفسهن، رحلةً طويلة، لا تنتهي إلا حين يصبحن قادرات على مسامحة كل الطرق التي خذلتهن.

أطفأت المصباح.

وتركت الليل يكمل كتابة ما عجزت أنا عن قوله.

لكن النوم لم يأتِ.

ظلَّ يجلس بعيدًا عني، كضيفٍ يعرف أنني لست مستعدة لاستقباله.

عدت إلى النافذة من جديد، وأزحت الستارة قليلًا. كانت المدينة قد خفَّ ضجيجها، غير أن الأرصفة ما زالت تحتفظ بخطوات العابرين، وكأنها تحفظ أسرارهم أكثر مما تحفظ أسماءهم.

لطالما آمنت أن المدن الكبيرة تشبه البشر؛ تبتسم كثيرًا، لكنها تخفي جروحًا لا يراها أحد.

وفي تلك اللحظة، تذكرت حقيبتي القديمة.

الحقيبة التي عبرت معي المطارات والحدود، ولم تكن تحمل سوى بعض الثياب، وصورًا باهتة، ورسائل لم أجرؤ يومًا على إحراقها.

فتحتها ببطء.

سقطت منها صورة صغيرة.

كنت أقف فيها أمام بيتنا القديم.

وراء النافذة كانت أمي تلوّح لي، بينما كان أبي يبتسم بعينيه أكثر مما يبتسم بشفتيه.

حدقت طويلًا في الصورة.

ثم أدركت أن البيوت لا تسكن الخرائط، بل تسكن الذاكرة.

وأن المنفى الحقيقي ليس أن تغادر وطنك، بل أن يرحل الذين كانوا يجعلون لكل مكان معنى.

وضعت الصورة فوق الطاولة، وأشعلت شمعة صغيرة.

راقص اللهب وجهي للحظات، فرأيته غريبًا عني.

كم مرة تتبدل ملامح الإنسان دون أن ينتبه؟

وكم مرة نعيش أعمارًا كاملة لنكتشف أننا كنا نبحث عن شيء كان يقيم داخلنا منذ البداية؟

اقترب الفجر رويدًا رويدًا.

بدأت السماء تتخلى عن عتمتها، كما تتخلى الأرواح المتعبة عن أثقالها بعد بكاء طويل.

عندها فقط كتبت جملة واحدة في أول الصفحة البيضاء:

"ليس كل من غادر وطنه صار غريبًا... بعضنا أصبح غريبًا عن نفسه قبل أن يغادر."

أغلقت الدفتر.

وشعرت للمرة الأولى أنني لم أعد أكتب لأتذكر...

بل أكتب كي لا أنسى المرأة التي نجت من كل ما كان كافيًا ليكسرها.

وفي الخارج، كان نهر السين يواصل رحلته الهادئة، كأنه يهمس لي:

"لا تخافي... فكل المياه التي تعرف طريقها إلى البحر، تعرف أيضًا كيف تعبر الليل."

يتبع...
حين خسرتُ معركةً لم أخضها
لم أعد أبحث عن المنتصر في تلك الحرب.
فكل الذين عادوا منها كانوا يحملون خسائرهم بطرق مختلفة.
أحدهم فقد ذاكرته.
وآخر فقد ضحكته.
وأنا...
فقدت النسخة التي كنتها قبل أن أعرف أن الحياة قادرة على سرقة الإنسان منه، وهو ما يزال يتنفس.
يا أمي...
أتعلمين؟
لم أعد أبكي كما كنت أفعل.
كبر الحزن حتى ضاق بالبكاء.
صار يجلس في صدري بهدوء ناسكٍ قديم، يراقب الأيام وهي تعبر دون أن يسألها إلى أين تمضي.
كل شيء تغيّر.
حتى المرآة.
لم تعد تعكس وجهي، بل تعكس أعوامًا من الانتظار، وندوبًا لا يراها أحد.
كنت أظن أن الزمن طبيب ماهر.
لكنه كان مجرد شاهد صامت، يمر فوق الجراح دون أن يلمسها.
بعض الكسور لا يجبرها الوقت.
بل نتعلم فقط كيف نمشي بها.
كلما حاولت أن أستعيد تلك الفتاة التي كنتها، وجدتها تلوّح لي من الضفة الأخرى للعمر، ثم تختفي كضوء قطار بعيد.
وأدركت متأخرة...
أننا لا نفقد الناس وحدهم.
بل نفقد أنفسنا معهم.
كم بابًا طرقته وأنا أبحث عن السلام!
وكم نافذة فتحتها كي يدخل الهواء إلى قلبٍ امتلأ بالدخان!
لكنني كنت أحمل الرماد معي إلى كل مكان.
لم يكن العالم هو السجن.
كنت أنا السجينة.
أسيرة الذكريات التي لم تعد موجودة، والوعود التي مات أصحابها قبل أن تموت كلماتهم.
ثم حدث شيء لم أكن أتوقعه.
في صباحٍ عادي، بلا معجزات، ولا رسائل من السماء...
شعرت أن قلبي تعب من حمل كل هذا الماضي.
وأن الغفران ليس هدية نقدمها لمن آذونا.
بل باب نخرج منه نحن، بعدما طال احتجازنا.
وقفت أمام النافذة.
كانت الشمس تصعد ببطء، كما لو أنها تمنح الليل فرصة أخيرة للاعتذار.
ابتسمت لأول مرة منذ زمن.
وقلت في سري:
لن أستعيد ما ضاع...
لكنني لن أضيع مع ما ضاع.
فالحياة لا تمنحنا دائمًا فرصة لتغيير الأمس...
لكنها تمنحنا، كل صباح، فرصة ألا نخسر الغد أيضًا.

بقلم الكاتبة الروائية هدى حجاجي أحمد

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى