مقتطف ھدى حجاجي أحمد - امرأة من زمن الحلم

كان الليل قد تمدد من حولي حتى بدا لي أن العالم كله نام، وبقيت أنا وحدي مستيقظة، أراقب السكون وأصغي إلى شيء لا أعرف له اسمًا. الآن، بما أنه ليلٌ جدًا، أريد أن أكتب. ثمة في الهدوء ما يجعلني أسمع صوت الحزن بشكل أعمق، بطريقة مختلفة، لا تشبه ذلك الحزن الذي يداهمني في وضح النهار، وإنما حزن أكثر هدوءًا، وأكثر قدرة على الوصول إلى الأماكن التي أخفيها حتى عن نفسي. ربما كانت الكتابة في تلك اللحظة برغبة أشد من رغبة النواح... إنها رغبة العناق.

آه، أيها الليل... كم مرة التقينا أنا واللغة، مرة بعد أخرى. كنت دائمًا تعرف كيف تفتح لي أبوابًا لا أجرؤ على الاقتراب منها في النهار. الليل يعنيني بشكل خاص؛ ففيه كتبت الكثير من الرسائل والقصائد، وفيه كانت الكلمات تأتيني كالماء، تنساب إليّ بلا استئذان، وكأنها كانت تعرف طريقها إلى قلبي قبل أن أعرف أنا ماذا أريد أن أقول.

الكلمات التي لم أستخدمها خلال ساعات النهار، تلك التي ظلت حبيسة صدري، كانت تجد طريقها إليّ في الليل. لم يعد قلبي يحترق بها كما كان من قبل، اختفت الغيرة، وانتهى عهد التحسّر، ووجدتني فجأة أتصالح مع الليل كما أتصالح مع الحياة؛ لا لأن الحياة أصبحت أكثر رحمة، وإنما لأنني أصبحت أكثر قدرة على احتمالها.

كتبت لك أيها الليل أيضًا.

كتبت كما لو أنني سألقاك وأعانقك، ثم أدس الرسالة في جيبك وأعود إلى وحدتي. كنت أعرف أنني لن أنتظر جوابًا، فبعض الرسائل لا تُكتب من أجل أن تصل، وإنما لكي يتخلص القلب من ثقلها.

أكتب لأنني كلما ابتعدت عن الكتابة نسيت نفسي، وفقدت أثر ذلك السلام المحفور عميقًا في وجداني اللغوي. أكتب لأنني قارئة، ولأن الكائن الذي يقرأ لا يكتفي بأن يرى الكلمات، وإنما يدخل من خلالها إلى عوالم أخرى، ويتواصل مع ظلامه، مع ذلك الظل الثابت في أنفاق اللاوعي، حيث الأشياء التي لم نستطع قولها يومًا، والأحلام التي أخفيناها طويلًا، والوجوه التي ظلت معلقة في الذاكرة رغم رحيل أصحابها.

كنت أكتب كي أرسم لنفسي طريقًا نحو اللانهاية، لا لأصل، وإنما لأظل أمشي. فربما كانت كل نهاية مجرد وهم، وربما كان المجد الحقيقي في أن أتخلى عن وهم الوصول، وأن أتعلم كيف أستمتع بالطريق، حتى وإن كان طويلًا، موحشًا، ومليئًا بالأسئلة.

أكتب كي أرى.

كي لا تتوه ألوان القلق في داخلي، فأخسر جنة الحياة التي أحملها فوق كتف السأم، بينما المقابر تناديني من بعيد. كنت أخاف أحيانًا أن تصبح الكتابة مجرد محاولة أخرى للهروب، ثم أكتشف أنني لا أهرب منها، بل أهرب إليها.

أكتب لأن مدرسة الكلام طردتني، أو ربما لأنني لم أعد أحتمل أن أكون تلميذة مطيعة في مدرسة لا تعترف إلا بالكلمات المسموح بها.

لأنني حين أكتب، يحدث شيء لا أفهمه تمامًا.

أجد مفاتيح اللغة والموسيقى.

أفتح بابًا بعد باب، وأدخل إلى نفسي أكثر.

ويحدث أن أنام وأنا أفكر في الكلمات التي ستأتي بعد هذا الليل، الكلمات التي لم تولد بعد، لكنها تنتظرني في مكان ما من الغد.

وربما لهذا السبب كنت أحب الليل...

لأنه لم يكن مجرد ساعات مظلمة تعبر فوق رأسي، بل كان المساحة الوحيدة التي أستطيع فيها أن أكون أنا، دون أن يطالبني أحد بتفسير حزني، أو تبرير صمتي، أو إخفاء ارتباكي.

في الليل كنت أستعيد هالة التي ضاعت مني طويلًا بين ما أراده الآخرون لها، وما أرادته هي لنفسها.

وكانت الكتابة، وحدها، تعرف الطريق إليها.

يتبع .........

«امرأة من زمن الحلم»، «هنا/هناك»

أنا هنا...

وكلُّ ما هناك يشدّني نحوه.

هنا، أضمُّ قميص النوم المخطّط إلى صدري، كأنني أضمُّ آخر ما تبقّى لي من دفء، وأحاول أن أقنع نفسي بأن الأشياء الصغيرة قادرة على إنقاذنا من السقوط.

وهناك... أوشحة الزمن البيضاء تلوّح لي من بعيد.

لا أعرف لماذا كلما أغمضت عيني رأيتها، ترفرف في فضاء الذاكرة، كأنها أيدٍ قديمة لم تتعب من النداء، أو كأن الماضي لم يتعلم بعد كيف يتركني وشأني.

هنا، زجاجة العطر هي آخر حنينٍ يفرغ قطرةً قطرة، وكلما تراجعت رائحتها شعرت أن شيئًا مني يتلاشى معها.

وهناك... غيمةٌ تمتلئ بالدموع.

غيمة معلقة فوق سماء بعيدة، أعرف أنها ستبكي يومًا، لكنني لا أعرف إن كانت دموعها ستصل إليّ أم ستسقط في مكان آخر، فوق قلبٍ لم يعد يعرف كيف ينتظر.

أنا هنا...

وإن كان الـ«هناك» يحتلني.

يأخذني من يدي، يجرّني إلى الوراء، إلى زمنٍ ظننت أنني تجاوزته، فإذا به يسكنني أكثر مما أسكن المكان الذي أنا فيه.

كنت أظن أن المسافة بين «هنا» و«هناك» تُقاس بالخطوات، ثم اكتشفت أنها تُقاس بما يتركه الغياب في الروح.

هناك شيءٌ في داخلي يشعل حربًا لا يراها أحد.

حربًا بين المرأة التي أصبحتها، والفتاة التي ما زالت تعيش في مكان ما من ذاكرتي.

بين ما حدث...

وما كنت أتمنى أن يحدث.

بين يدٍ تركتني أواجه الطريق وحدي، وقلبٍ ظلّ، رغم كل شيء، ينتظر.

أنا هنا، نعم...

لكنني كلما حاولت أن أعود إلى نفسي، وجدتني واقفةً على عتبة ذلك الـ«هناك»، أراقب زمنًا مضى، وأتساءل:

هل نحن الذين نترك الماضي خلفنا؟

أم أن بعض الأزمنة لا ترحل أبدًا، لأنها تصبح جزءًا من أرواحنا؟

ربما لهذا كنت أكتب...

لأصنع من المسافة بين «هنا» و«هناك» طريقًا.

ولأكتشف، ولو متأخرة، أنني لم أكن أبحث عن مكانٍ أعود إليه...

كنت أبحث عن نفسي.ش

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى