الفصل: الرجل الذي ترك الباب مفتوحًا...
نعم، هنا يوجد تغيير جوهري مهم جدًا؛ لأن سفر فتحي بعد شهرين من رفض هالة، ثم غيابه أربع سنوات، وعودته إلى المنيا جثمانًا، يضيف إلى شخصيته غموضًا حقيقيًا، ويجعل الوداع أكثر قسوة وصدقًا. لذلك نحذف تمامًا فكرة أنه «سيسافر إلى بلدته» وأن هالة تقف لتودعه، ونترك الرحيل غامضًا كما عاشته هالة.
وهذه صياغة الفصل بعد تصحيح التسلسل الزمني:
مرت الأيام بعد ذلك بطيئة.
في البداية كنت أظن أنني سأستيقظ كل صباح وأشعر بالندم، وأنني سأقول لنفسي إنني كان يمكن أن أختار الطريق الأسهل، وأن أوافق وأعيش كما يريد الجميع.
لكن الغريب أن الندم لم يأتِ.
جاء الحزن.
والحزن شيء آخر.
كنت أفتقد فتحي. أفتقد صوته، وطريقته في الحديث، ونظراته التي كانت تجعلني أشعر أن هناك شخصًا واحدًا على الأقل يراني كما أنا. كنت أفتقد حتى خلافاتنا، ومشاكساته، وطريقته في استفزازي ثم مراقبة رد فعلي.
لكنني لم أفتقد هالة التي كنت أخشى أن أصبحها معه.
وهذا الفرق هو الذي أنقذني.
بدأت أبحث عن أي فرصة للدراسة. لم تكن كلية الصحافة والإعلام قد فتحت أبوابها أمامي، ولم يكن الطريق سهلًا، لكنني لم أعد أتعامل مع الحلم باعتباره بابًا واحدًا، فإذا أغلق انتهت الحياة.
قلت لنفسي: إذا لم أدخل من هذا الباب، سأبحث عن باب آخر.
وبدأت أكتب أكثر.
كنت أكتب في الليل، بعد أن ينام الجميع. أكتب على ضوء خافت، وأخفي بعض الأوراق بين الكتب، وأحيانًا أمزق ما كتبت لأنني أشعر أنه لا يستحق البقاء.
ثم أعود فأكتب.
كانت الكتابة الشيء الوحيد الذي لم يسألني أحد يومًا: هل يسمح لك أبوك؟ هل يسمح لك زوجك؟ هل يسمح لك المجتمع؟
كانت الورقة لا تعرف إلا شيئًا واحدًا:
أنني أريد أن أقول.
وبعد نحو شهرين من رفضي لفتحي، جاء الخبر الذي لم أكن أتوقعه.
فتحي سيسافر في إعارة إلى اليمن.
بلد بعيد، فقير، لا أعرف عنه إلا القليل، وسيغيب هناك سنوات.
لم أسأله كثيرًا عن التفاصيل، وربما لم أملك الشجاعة الكافية لأفعل. كنت أعرف فقط أنه ذاهب، وأن بيننا الآن مسافة أكبر من كل المسافات التي صنعتها الكلمات والظروف.
لم يكن سفره مجرد انتقال من مكان إلى آخر.
كان كأنه انسحاب هادئ من المشهد كله.
أربع سنوات كاملة.
أربع سنوات لم نلتقِ خلالها إلا مرتين، ولم تكن أي منهما تصلح لأن تكون لقاءً يعيد ما انكسر، لذلك لا أريد أن أستعيد تفاصيلهما هنا. يكفيني أن أقول إن المسافة كانت أطول من قدرتنا على الكلام، وأن السنوات فعلت ما تعجز عنه أحيانًا المواجهة المباشرة.
كنت أعيش حياتي، وأكتب، وأكبر، وأتعلم كيف أخبئ بعض الذكريات في الأماكن التي لا يصل إليها أحد.
وكان هو في مكان بعيد، في بلد آخر، يعيش سنواته بعيدًا عني.
ومع ذلك، لم أشعر يومًا أنه غاب تمامًا.
كان يظهر أحيانًا في ذاكرتي بلا موعد.
صوته.
نظراته.
جملته القديمة.
ضحكته.
وحتى غضبه.
كل شيء كان يعود دفعة واحدة، ثم يختفي.
كنت أظن أن الزمن سيأخذ منه شيئًا.
لكنه أخذ مني أشياء كثيرة، ولم يأخذ صورته.
ومع مرور السنوات، أصبح فتحي بالنسبة إليّ سؤالًا أكثر منه ذكرى.
لم أكن أعرف ماذا حدث في حياته هناك.
لم أكن أعرف ماذا تغير فيه.
لم أكن أعرف إن كان تذكرني كما كنت أتذكره، أم أنني أصبحت مجرد صفحة قديمة في دفتر أغلقه منذ زمن.
ولم أكن أعرف أن الغموض الذي أحاط بحياته سيظل قائمًا حتى النهاية.
ثم انتهت السنوات الأربع.
وعاد فتحي.
لكن ليس كما يعود المسافرون.
لم يعد إلى بيته في المنيا، ولم تفتح له البلدة أبوابها لاستقباله، ولم أسمع خبر عودته كما كنت أتخيل.
عاد إليها جثمانًا.
وهنا فقط أدركت أن بعض الرحلات لا يكون لها طريق عودة.
وقفت أمام الخبر عاجزة عن فهمه.
لم أبكِ في البداية.
ربما لأن العقل يرفض أن يصدق الموت حين يتعلق الأمر بشخص ظل حاضرًا في الذاكرة كل هذه السنوات.
كنت أردد في داخلي:
لا...
ليس فتحي.
ليس الرجل الذي كان يقف أمام الفصل ويتحدث ويضحك ويغضب ويجادل.
ليس الرجل الذي ترك بيننا أسئلة لم نجد لها إجابات.
ليس الرجل الذي خرج من حياتي حيًّا، ثم عاد إليها جثمانًا.
كان ذلك الوداع الذي لم ينطق به أحد.
لا أنا قلت له وداعًا.
ولا هو قال لي وداعًا.
لم تكن هناك لحظة أخيرة نعرف أنها الأخيرة، ولا كلمة نحتفظ بها ونقول بعدها: هذه كانت آخر كلماته.
كان هناك فقط طريقان افترقا ذات يوم، ثم مضت السنوات، وظننت أن الحياة ستمنحنا وقتًا آخر.
لكنها لم تفعل.
وحين عاد فتحي إلى المنيا، لم يعد الرجل الذي أعرفه.
عاد جسدًا يحمل كل الأسرار التي لم أعرفها عنه، وكل السنوات التي عاشها بعيدًا، وكل الإجابات التي لم أسأل عنها، وكل الكلمات التي تأخرنا في قولها حتى أصبح الصمت هو الشيء الوحيد الباقي.
ربما لهذا ظل في حياتي غامضًا حتى بعد رحيله.
لم أعرف كل ما حدث له.
ولم أعرف لماذا انتهت رحلته بهذه الصورة.
لكنني عرفت شيئًا واحدًا:
أن الإنسان لا يملك دائمًا فرصة الوداع.
أحيانًا نغادر من نحب ونحن نظن أن الأيام طويلة.
نؤجل الكلام.
نؤجل الاعتذار.
نؤجل السؤال.
نؤجل اللقاء.
ثم يأتي يوم لا يعود فيه هناك وقت لأي شيء.
وهذا ما حدث بيني وبين فتحي.
لم يكن بيننا وداع حقيقي.
كان هناك فقط باب تركناه مفتوحًا، وظن كل منا أن الوقت سيعود يومًا ليغلقه أو يعيد فتحه.
لكن الموت سبقنا.
وبقي الباب مفتوحًا في ذاكرتي.
ومنذ ذلك اليوم فهمت أن بعض الناس لا يرحلون مرة واحدة.
يرحلون بأجسادهم، ثم يبقون فينا طويلًا، يأتون كلما فتحت صفحة قديمة، أو سمعت كلمة تشبه صوتهم، أو مررت بمكان كان يجمعنا، أو جلست وحدي أمام نافذة في آخر الليل.
فتحي لم يعد موجودًا في الحياة.
لكنه ظل موجودًا في ذاكرتي.
وبقيت أنا أحمل الحكاية وحدي.
لا لأغير نهايتها...
فالنهايات التي يكتبها الموت لا يستطيع أحد تعديلها.
ولكن لأفهم، بعد كل هذه السنوات، لماذا ظل ذلك الرجل الذي أحببته ذات يوم يعيش في داخلي كل هذا العمر.
ربما لأن بعض الحكايات لا تنتهي حين يفترق أصحابها.
تنتهي فقط حين يتوقف القلب عن السؤال.
وقلبي...
لم يتوقف عن السؤال.
نعم، هنا يوجد تغيير جوهري مهم جدًا؛ لأن سفر فتحي بعد شهرين من رفض هالة، ثم غيابه أربع سنوات، وعودته إلى المنيا جثمانًا، يضيف إلى شخصيته غموضًا حقيقيًا، ويجعل الوداع أكثر قسوة وصدقًا. لذلك نحذف تمامًا فكرة أنه «سيسافر إلى بلدته» وأن هالة تقف لتودعه، ونترك الرحيل غامضًا كما عاشته هالة.
وهذه صياغة الفصل بعد تصحيح التسلسل الزمني:
مرت الأيام بعد ذلك بطيئة.
في البداية كنت أظن أنني سأستيقظ كل صباح وأشعر بالندم، وأنني سأقول لنفسي إنني كان يمكن أن أختار الطريق الأسهل، وأن أوافق وأعيش كما يريد الجميع.
لكن الغريب أن الندم لم يأتِ.
جاء الحزن.
والحزن شيء آخر.
كنت أفتقد فتحي. أفتقد صوته، وطريقته في الحديث، ونظراته التي كانت تجعلني أشعر أن هناك شخصًا واحدًا على الأقل يراني كما أنا. كنت أفتقد حتى خلافاتنا، ومشاكساته، وطريقته في استفزازي ثم مراقبة رد فعلي.
لكنني لم أفتقد هالة التي كنت أخشى أن أصبحها معه.
وهذا الفرق هو الذي أنقذني.
بدأت أبحث عن أي فرصة للدراسة. لم تكن كلية الصحافة والإعلام قد فتحت أبوابها أمامي، ولم يكن الطريق سهلًا، لكنني لم أعد أتعامل مع الحلم باعتباره بابًا واحدًا، فإذا أغلق انتهت الحياة.
قلت لنفسي: إذا لم أدخل من هذا الباب، سأبحث عن باب آخر.
وبدأت أكتب أكثر.
كنت أكتب في الليل، بعد أن ينام الجميع. أكتب على ضوء خافت، وأخفي بعض الأوراق بين الكتب، وأحيانًا أمزق ما كتبت لأنني أشعر أنه لا يستحق البقاء.
ثم أعود فأكتب.
كانت الكتابة الشيء الوحيد الذي لم يسألني أحد يومًا: هل يسمح لك أبوك؟ هل يسمح لك زوجك؟ هل يسمح لك المجتمع؟
كانت الورقة لا تعرف إلا شيئًا واحدًا:
أنني أريد أن أقول.
وبعد نحو شهرين من رفضي لفتحي، جاء الخبر الذي لم أكن أتوقعه.
فتحي سيسافر في إعارة إلى اليمن.
بلد بعيد، فقير، لا أعرف عنه إلا القليل، وسيغيب هناك سنوات.
لم أسأله كثيرًا عن التفاصيل، وربما لم أملك الشجاعة الكافية لأفعل. كنت أعرف فقط أنه ذاهب، وأن بيننا الآن مسافة أكبر من كل المسافات التي صنعتها الكلمات والظروف.
لم يكن سفره مجرد انتقال من مكان إلى آخر.
كان كأنه انسحاب هادئ من المشهد كله.
أربع سنوات كاملة.
أربع سنوات لم نلتقِ خلالها إلا مرتين، ولم تكن أي منهما تصلح لأن تكون لقاءً يعيد ما انكسر، لذلك لا أريد أن أستعيد تفاصيلهما هنا. يكفيني أن أقول إن المسافة كانت أطول من قدرتنا على الكلام، وأن السنوات فعلت ما تعجز عنه أحيانًا المواجهة المباشرة.
كنت أعيش حياتي، وأكتب، وأكبر، وأتعلم كيف أخبئ بعض الذكريات في الأماكن التي لا يصل إليها أحد.
وكان هو في مكان بعيد، في بلد آخر، يعيش سنواته بعيدًا عني.
ومع ذلك، لم أشعر يومًا أنه غاب تمامًا.
كان يظهر أحيانًا في ذاكرتي بلا موعد.
صوته.
نظراته.
جملته القديمة.
ضحكته.
وحتى غضبه.
كل شيء كان يعود دفعة واحدة، ثم يختفي.
كنت أظن أن الزمن سيأخذ منه شيئًا.
لكنه أخذ مني أشياء كثيرة، ولم يأخذ صورته.
ومع مرور السنوات، أصبح فتحي بالنسبة إليّ سؤالًا أكثر منه ذكرى.
لم أكن أعرف ماذا حدث في حياته هناك.
لم أكن أعرف ماذا تغير فيه.
لم أكن أعرف إن كان تذكرني كما كنت أتذكره، أم أنني أصبحت مجرد صفحة قديمة في دفتر أغلقه منذ زمن.
ولم أكن أعرف أن الغموض الذي أحاط بحياته سيظل قائمًا حتى النهاية.
ثم انتهت السنوات الأربع.
وعاد فتحي.
لكن ليس كما يعود المسافرون.
لم يعد إلى بيته في المنيا، ولم تفتح له البلدة أبوابها لاستقباله، ولم أسمع خبر عودته كما كنت أتخيل.
عاد إليها جثمانًا.
وهنا فقط أدركت أن بعض الرحلات لا يكون لها طريق عودة.
وقفت أمام الخبر عاجزة عن فهمه.
لم أبكِ في البداية.
ربما لأن العقل يرفض أن يصدق الموت حين يتعلق الأمر بشخص ظل حاضرًا في الذاكرة كل هذه السنوات.
كنت أردد في داخلي:
لا...
ليس فتحي.
ليس الرجل الذي كان يقف أمام الفصل ويتحدث ويضحك ويغضب ويجادل.
ليس الرجل الذي ترك بيننا أسئلة لم نجد لها إجابات.
ليس الرجل الذي خرج من حياتي حيًّا، ثم عاد إليها جثمانًا.
كان ذلك الوداع الذي لم ينطق به أحد.
لا أنا قلت له وداعًا.
ولا هو قال لي وداعًا.
لم تكن هناك لحظة أخيرة نعرف أنها الأخيرة، ولا كلمة نحتفظ بها ونقول بعدها: هذه كانت آخر كلماته.
كان هناك فقط طريقان افترقا ذات يوم، ثم مضت السنوات، وظننت أن الحياة ستمنحنا وقتًا آخر.
لكنها لم تفعل.
وحين عاد فتحي إلى المنيا، لم يعد الرجل الذي أعرفه.
عاد جسدًا يحمل كل الأسرار التي لم أعرفها عنه، وكل السنوات التي عاشها بعيدًا، وكل الإجابات التي لم أسأل عنها، وكل الكلمات التي تأخرنا في قولها حتى أصبح الصمت هو الشيء الوحيد الباقي.
ربما لهذا ظل في حياتي غامضًا حتى بعد رحيله.
لم أعرف كل ما حدث له.
ولم أعرف لماذا انتهت رحلته بهذه الصورة.
لكنني عرفت شيئًا واحدًا:
أن الإنسان لا يملك دائمًا فرصة الوداع.
أحيانًا نغادر من نحب ونحن نظن أن الأيام طويلة.
نؤجل الكلام.
نؤجل الاعتذار.
نؤجل السؤال.
نؤجل اللقاء.
ثم يأتي يوم لا يعود فيه هناك وقت لأي شيء.
وهذا ما حدث بيني وبين فتحي.
لم يكن بيننا وداع حقيقي.
كان هناك فقط باب تركناه مفتوحًا، وظن كل منا أن الوقت سيعود يومًا ليغلقه أو يعيد فتحه.
لكن الموت سبقنا.
وبقي الباب مفتوحًا في ذاكرتي.
ومنذ ذلك اليوم فهمت أن بعض الناس لا يرحلون مرة واحدة.
يرحلون بأجسادهم، ثم يبقون فينا طويلًا، يأتون كلما فتحت صفحة قديمة، أو سمعت كلمة تشبه صوتهم، أو مررت بمكان كان يجمعنا، أو جلست وحدي أمام نافذة في آخر الليل.
فتحي لم يعد موجودًا في الحياة.
لكنه ظل موجودًا في ذاكرتي.
وبقيت أنا أحمل الحكاية وحدي.
لا لأغير نهايتها...
فالنهايات التي يكتبها الموت لا يستطيع أحد تعديلها.
ولكن لأفهم، بعد كل هذه السنوات، لماذا ظل ذلك الرجل الذي أحببته ذات يوم يعيش في داخلي كل هذا العمر.
ربما لأن بعض الحكايات لا تنتهي حين يفترق أصحابها.
تنتهي فقط حين يتوقف القلب عن السؤال.
وقلبي...
لم يتوقف عن السؤال.