لم يكن فتحي كثير الكلام حين يتعلق الأمر بي، وهذه المفارقة هي التي حيّرتني أكثر من أي شيء آخر. كان يستطيع أن يتحدث طويلًا في التاريخ، وأن يشرح واقعة صغيرة وكأنها حدثت أمام عينيه بالأمس، وأن ينتقل من تاريخ مصر إلى السياسة ثم إلى الأدب، لكنه حين يصل الحديث إليّ كان يختصر، ويتراجع، ويترك نصف الجملة معلقًا في الهواء.
كنت أشعر أحيانًا أنه يعرف عني أشياء لم أقلها.
يعرف متى أكون متعبة، حتى وأنا أبتسم.
يعرف متى أكون غاضبة وأحاول أن أخفي غضبي.
يعرف متى أكون قد قررت شيئًا ولا أريد لأحد أن يثنيني عنه.
وكان يعرف، بطريقة أدهشتني، أنني حين أقول «أنا كويسة» أكون في أحيان كثيرة أبعد ما أكون عن ذلك.
سألته مرة:
— حضرتك بتعرف عني كل ده إزاي؟
نظر إليّ وكأنه فوجئ بالسؤال، ثم قال:
— مش عارف.
— يعني إيه مش عارف؟
— يمكن عشان بشوفك كتير.
قلت ساخرة:
— آه، يعني حضرتك بتراقبني؟
ابتسم.
— إنتِ بتحبي الكلمات الكبيرة أوي.
— وأنا بسأل سؤال بسيط.
— وأنا جاوبتك.
— لأ، حضرتك ما جاوبتش.
ضحك، ثم أخذ ينظر إلى الأوراق التي أمامه.
كنت أعرف أنه يفعل ذلك حين يريد أن يهرب من إجابة.
قلت:
— أستاذ فتحي.
رفع عينيه.
— نعم؟
— أنت أحيانًا بتعرف حاجات أنا نفسي مش بقولها.
سكت.
وللمرة الأولى لم يحاول أن يتهرب.
قال بهدوء:
— مش كل حاجة بنعرفها لازم نسأل عنها.
لم أفهم.
— ليه؟
— عشان ساعات السؤال نفسه يوجع أكتر من الحاجة اللي بنسأل عنها.
نظرت إليه طويلًا.
كان يستطيع أن يقول أي شيء آخر، لكنه اختار هذه الجملة تحديدًا.
ربما لأنه كان يعرف أنني لا أحب أن يشعر أحد بأنه اقتحم عالمي.
وربما لأنه هو نفسه كان يحتفظ بعالم لا يسمح لأحد بالدخول إليه.
كان بيننا شيء غريب؛ كلما اقتربنا خطوة من بعضنا، اكتشفنا أن لكل واحد منا بابًا مغلقًا لا يريد فتحه.
أنا كنت أخفي خوفي خلف العناد.
وهو كان يخفي خوفه خلف الصمت.
أنا كنت أقول «لا يهمني».
وهو كان يقول «مفيش حاجة».
وكنا، بطريقة لا أفهمها وقتها، نعرف أن كل كلمة منهما تعني عكس ظاهرها.
في أحد الأيام، كنت جالسة في المكتبة، أكتب بعض الأفكار الخاصة بالبرنامج، حين مر أمام الباب.
لم يدخل.
توقف لحظة، ونظر إليّ، ثم قال:
— خلصي اللي بتكتبيه وتعالي.
رفعت رأسي.
— ليه؟
— بعدين تعرفي.
— طب ما تقول دلوقتي.
— لما تيجي تعرفي.
قلت بضيق:
— حضرتك بتحب الغموض أوي.
ابتسم وقال:
— وإنتِ بتحبي تعرفي كل حاجة قبل وقتها.
ثم غادر.
بقيت أحدق في الباب بعد خروجه.
كنت أريد أن أتبعه، لكن شيئًا بداخلي قال لي: لا.
لم أكن أحب أن أشعر بأن أحدًا يقود خطواتي، حتى لو كان هذا الشخص هو فتحي.
وهنا تحديدًا كان الصراع بيننا مختلفًا.
هو كان يريد أن يحمي دون أن يقول إنه يحمي.
وأنا كنت أريد أن أعيش دون أن أشعر أن أحدًا يحميني.
كنت أريد أن أخطئ بنفسي، وأن أتعلم بنفسي، وأن أصل إلى ما أريد بطريقتي.
وربما لهذا السبب ظل يقترب بحذر.
كان يعرف أنني لو شعرت أنه يريد أن يضع يده فوق حياتي، فسأبتعد فورًا.
ولم يكن يريد أن أبتعد.
لم يقلها.
لكنه كان يعرفها.
وأنا أيضًا كنت أعرفها.
ولم أقلها.
هكذا كنا.
نحن الاثنان نعرف أكثر مما نقول.
وفي نهاية أحد الأيام، خرجت من المدرسة متأخرة، فوجدته في الطريق.
توقفت للحظة.
قال:
— لسه مخلصة؟
— أيوه.
— اتأخرتي ليه؟
— الإذاعة.
هز رأسه.
— كنت عارف.
ابتسمت.
— حضرتك عارف كل حاجة بقى؟
قال:
— مش كل حاجة.
ثم نظر إليّ لحظة وأضاف:
— الحاجات المهمة بس.
لم أعرف ماذا يقصد.
ولم أسأله.
مشيت إلى جواره خطوات قليلة، ثم افترقنا عند أول الطريق.
ظللت أفكر في كلمته حتى وصلت إلى البيت.
«الحاجات المهمة بس.»
هل كنت واحدة من تلك الأشياء المهمة؟
لم أجرؤ على الإجابة.
وربما كان هو أيضًا، في تلك السنوات، لا يجرؤ على الإجابة عن السؤال نفسه.
لكنني أعرف الآن، بعد كل ما مر، أن بعض المشاعر تبدأ هكذا...
لا باعتراف.
ولا بموعد.
ولا بكلمة حب.
تبدأ بأن يصبح وجود شخص ما مهمًا إلى درجة أنك تبدأ في ملاحظة غيابه قبل حضوره.
وتبدأ في معرفة صمته، ونبرة صوته، وطريقة مشيه، والأشياء التي تزعجه، والأشياء التي تجعله يبتسم.
ثم تكتشف، بعد سنوات طويلة، أنك كنت تعرفه أكثر مما كنت تظن.
وأنه، هو الآخر، كان يعرفك أكثر مما قال.
كنت أشعر أحيانًا أنه يعرف عني أشياء لم أقلها.
يعرف متى أكون متعبة، حتى وأنا أبتسم.
يعرف متى أكون غاضبة وأحاول أن أخفي غضبي.
يعرف متى أكون قد قررت شيئًا ولا أريد لأحد أن يثنيني عنه.
وكان يعرف، بطريقة أدهشتني، أنني حين أقول «أنا كويسة» أكون في أحيان كثيرة أبعد ما أكون عن ذلك.
سألته مرة:
— حضرتك بتعرف عني كل ده إزاي؟
نظر إليّ وكأنه فوجئ بالسؤال، ثم قال:
— مش عارف.
— يعني إيه مش عارف؟
— يمكن عشان بشوفك كتير.
قلت ساخرة:
— آه، يعني حضرتك بتراقبني؟
ابتسم.
— إنتِ بتحبي الكلمات الكبيرة أوي.
— وأنا بسأل سؤال بسيط.
— وأنا جاوبتك.
— لأ، حضرتك ما جاوبتش.
ضحك، ثم أخذ ينظر إلى الأوراق التي أمامه.
كنت أعرف أنه يفعل ذلك حين يريد أن يهرب من إجابة.
قلت:
— أستاذ فتحي.
رفع عينيه.
— نعم؟
— أنت أحيانًا بتعرف حاجات أنا نفسي مش بقولها.
سكت.
وللمرة الأولى لم يحاول أن يتهرب.
قال بهدوء:
— مش كل حاجة بنعرفها لازم نسأل عنها.
لم أفهم.
— ليه؟
— عشان ساعات السؤال نفسه يوجع أكتر من الحاجة اللي بنسأل عنها.
نظرت إليه طويلًا.
كان يستطيع أن يقول أي شيء آخر، لكنه اختار هذه الجملة تحديدًا.
ربما لأنه كان يعرف أنني لا أحب أن يشعر أحد بأنه اقتحم عالمي.
وربما لأنه هو نفسه كان يحتفظ بعالم لا يسمح لأحد بالدخول إليه.
كان بيننا شيء غريب؛ كلما اقتربنا خطوة من بعضنا، اكتشفنا أن لكل واحد منا بابًا مغلقًا لا يريد فتحه.
أنا كنت أخفي خوفي خلف العناد.
وهو كان يخفي خوفه خلف الصمت.
أنا كنت أقول «لا يهمني».
وهو كان يقول «مفيش حاجة».
وكنا، بطريقة لا أفهمها وقتها، نعرف أن كل كلمة منهما تعني عكس ظاهرها.
في أحد الأيام، كنت جالسة في المكتبة، أكتب بعض الأفكار الخاصة بالبرنامج، حين مر أمام الباب.
لم يدخل.
توقف لحظة، ونظر إليّ، ثم قال:
— خلصي اللي بتكتبيه وتعالي.
رفعت رأسي.
— ليه؟
— بعدين تعرفي.
— طب ما تقول دلوقتي.
— لما تيجي تعرفي.
قلت بضيق:
— حضرتك بتحب الغموض أوي.
ابتسم وقال:
— وإنتِ بتحبي تعرفي كل حاجة قبل وقتها.
ثم غادر.
بقيت أحدق في الباب بعد خروجه.
كنت أريد أن أتبعه، لكن شيئًا بداخلي قال لي: لا.
لم أكن أحب أن أشعر بأن أحدًا يقود خطواتي، حتى لو كان هذا الشخص هو فتحي.
وهنا تحديدًا كان الصراع بيننا مختلفًا.
هو كان يريد أن يحمي دون أن يقول إنه يحمي.
وأنا كنت أريد أن أعيش دون أن أشعر أن أحدًا يحميني.
كنت أريد أن أخطئ بنفسي، وأن أتعلم بنفسي، وأن أصل إلى ما أريد بطريقتي.
وربما لهذا السبب ظل يقترب بحذر.
كان يعرف أنني لو شعرت أنه يريد أن يضع يده فوق حياتي، فسأبتعد فورًا.
ولم يكن يريد أن أبتعد.
لم يقلها.
لكنه كان يعرفها.
وأنا أيضًا كنت أعرفها.
ولم أقلها.
هكذا كنا.
نحن الاثنان نعرف أكثر مما نقول.
وفي نهاية أحد الأيام، خرجت من المدرسة متأخرة، فوجدته في الطريق.
توقفت للحظة.
قال:
— لسه مخلصة؟
— أيوه.
— اتأخرتي ليه؟
— الإذاعة.
هز رأسه.
— كنت عارف.
ابتسمت.
— حضرتك عارف كل حاجة بقى؟
قال:
— مش كل حاجة.
ثم نظر إليّ لحظة وأضاف:
— الحاجات المهمة بس.
لم أعرف ماذا يقصد.
ولم أسأله.
مشيت إلى جواره خطوات قليلة، ثم افترقنا عند أول الطريق.
ظللت أفكر في كلمته حتى وصلت إلى البيت.
«الحاجات المهمة بس.»
هل كنت واحدة من تلك الأشياء المهمة؟
لم أجرؤ على الإجابة.
وربما كان هو أيضًا، في تلك السنوات، لا يجرؤ على الإجابة عن السؤال نفسه.
لكنني أعرف الآن، بعد كل ما مر، أن بعض المشاعر تبدأ هكذا...
لا باعتراف.
ولا بموعد.
ولا بكلمة حب.
تبدأ بأن يصبح وجود شخص ما مهمًا إلى درجة أنك تبدأ في ملاحظة غيابه قبل حضوره.
وتبدأ في معرفة صمته، ونبرة صوته، وطريقة مشيه، والأشياء التي تزعجه، والأشياء التي تجعله يبتسم.
ثم تكتشف، بعد سنوات طويلة، أنك كنت تعرفه أكثر مما كنت تظن.
وأنه، هو الآخر، كان يعرفك أكثر مما قال.