مقتطف هدى حجاجي - خطوتها ليست خطوة... حين يصبح الاقتراب خطرًا

خطوتها ليست خطوة، بل موسيقى جسد، وقلبك أول الراقصين. هكذا أحببتك، كتمثال ينزف بين يدي نحّات منبوذ، كجرح مرسوم على كف التاريخ، كبشر صنعنا بأيدينا نواة خطايانا، كطعنة سامة أصابت قلب هوانا.

لم أكن أعرف في ذلك الوقت لماذا كتبت تلك الكلمات، ولا لمن كانت موجهة على وجه الدقة. كنت أكتب كما يفعل الإنسان حين تضيق به الأشياء التي لا يستطيع قولها، فيترك للقلم مهمة الاعتراف نيابة عنه، ثم يهرب من الصفحة قبل أن تسأله الكلمات عما فعل. كنت أكتب كثيرًا، لكنني لم أكن أضع أسماءً تحت ما أكتب، وكأن الاسم إذا ظهر صار للحكاية وجود حقيقي، وأنا لم أكن مستعدة لأن أمنح أي شيء بيني وبين فتحي تلك الحقيقة.

كنت أظن أنني أستطيع أن أكتب عن المشاعر دون أن أعيشها، وأن أصف الارتباك دون أن أكون مرتبكة، وأن أخلق امرأة من الخيال ثم أعود إلى حياتي الطبيعية كأن شيئًا لم يحدث. لكن الكتابة لم تكن رحيمة بي. كانت تأخذ ما أخفيه في داخلي، وتعيده إليّ أكثر وضوحًا، وأكثر جرأة، حتى بدأت أشك أن كراستي تعرفني أكثر مما أعرف نفسي.

في ذلك الصباح كنت أجلس وحدي تحت شجرة الظل الكبيرة في فناء المدرسة، بينما كانت نرمين تجلس على الأرض فوق جريدة قديمة، وسناء وصفاء تتحدثان في شيء لم أعد أتذكره. كنت أخرج من كيس الطعام قطعة الخبز ببطء، لكن عيني كانتا معلقتين بالكراسة الموضوعة إلى جواري. لم أكن أكتب شيئًا. كنت فقط أقلب الصفحات، أقرأ ما كتبته بالأمس، ثم أغلقها، ثم أفتحها من جديد، كأنني أبحث عن شيء ضاع مني بين السطور.

وفجأة شعرت بأن هناك من يراقبني.

رفعت رأسي.

كان فتحي يقف في الممر العلوي، يعبر أمام الفصول، وفي يده سيجارته. كان الدخان يتصاعد حول وجهه ثم يتبدد في الهواء. لم أعرف إن كان ينظر إليّ أم إلى الفناء كله، لكن شيئًا داخلي أخبرني أن عينيه توقفتا عندي.

لم أخفض رأسي.

نظرت إليه كما لو كنت أقول له دون كلام: انظر كما تشاء، أنا لست قطعة شطرنج تحركها متى شئت وإلى حيث شئت.

ظل للحظات، ثم اختفى بين الفصول.

أعدت النظر إلى كراستي، ولم يخطر ببالي للحظة أنه ربما كان يعرف شيئًا مما تركته فيها.

كنت مخطئة.

قبل أن يرن جرس الفسحة بدقائق، وجدته أمامي.

لم يأتِ غاضبًا، لكنه لم يكن هادئًا أيضًا. كان في وجهه شيء يشبه البركان قبل أن يقذف حممه؛ سكون ظاهري يخفي تحته نارًا لا أعرف سببها.

قال:

«هالة.»

رفعت رأسي.

قلت بلهجة حادة:

«نعم؟»

ظل ينظر إليّ لحظة، ثم قال:

«أنتِ دائمًا تكتبين ثم تتركين الناس يتخبطون في المعنى.»

أغلقت كراستي.

قلت:

«أنا أكتب لنفسي.»

قال:

«لا أحد يكتب لنفسه فقط.»

ضحكت بسخرية.

«ومن قال لك ذلك؟»

جلس على المقعد القريب، وأخذ ينظر إلى الكراسة.

«الكلمات حين تخرج من صاحبها تصبح لها حياة أخرى.»

قلت:

«وحياتها الأخرى ليست مسؤوليتي.»

رفع عينيه إليّ.

«حتى لو جرحت أحدًا؟»

توقفت.

لم أحب السؤال.

قلت:

«هل جرحتك؟»

لم يجب.

وكان صمته أبلغ من أي إجابة.

لأول مرة شعرت أن ما كنت أراه مجرد كتابة أصبح في نظره شيئًا آخر. لم أعرف ما هو، ولم أكن مستعدة لأن أعرف.

قلت:

«إذا كنت تقصد شيئًا بعينه، فتحدث بوضوح.»

قال:

«الوضوح ليس دائمًا فضيلة.»

«والغموض ليس دائمًا حكمة.»

ابتسم.

«أنتِ لا تتركين لي فرصة.»

«وأنت تريد مني دائمًا أن أترك لك الأبواب مفتوحة.»

تغير وجهه قليلًا.

قال:

«ربما لأنني أشعر أنك تغلقين كل الأبواب قبل أن تعرفي من يقف خلفها.»

قلت:

«ومن قال إنني أريد أن أعرف؟»

«ربما لأنك تعرفين.»

لم أفهم ما يقصد، أو ربما فهمت وخفت أن أعترف لنفسي بأنني فهمت.

فتحت الكراسة، وبدأت أقلب الصفحات أمامه دون أن أسمح له بقراءة شيء.

قال:

«هل تسمحين لي أن أرى؟»

أغلقتها فورًا.

«لا.»

«تخافين؟»

«لا.»

«إذن لماذا ترفضين؟»

نظرت إليه وقلت:

«لأن هناك فرقًا بين أن أسمح لك برؤية ما أكتب، وأن أسمح لك بتفسيره.»

ظل صامتًا.

ثم قال:

«وماذا لو كان تفسيرك هو الخطأ؟»

قلت:

«يظل حقي أن أخطئ في فهم نفسي قبل أن يأتي أحد ليصححني.»

لم يبتسم هذه المرة.

قال:

«أنتِ عنيدة.»

قلت:

«وأنت تحب أن تسمي الأشياء بأسمائها حين لا تعجبك.»

قال:

«وأنت تهربين من الأسماء.»

«لأن بعض الأسماء تقتل الأشياء قبل أن تولد.»

بقيت الجملة بيننا.

كان يمكن أن ينتهي الحديث عندها، لكنه لم ينتهِ.

اقترب قليلًا وقال:

«قرأت شيئًا كتبته.»

شعرت بقلبي يتغير إيقاعه.

«ماذا قرأت؟»

قال:

«خطوتها ليست خطوة...»

لم أتحرك.

عرفت أنه قرأها.

قرأ الجملة التي ظننتها لي وحدي.

قلت:

«وماذا فهمت؟»

قال:

«لم أفهم.»

«إذن لماذا جئت؟»

«لأنني أريد أن أفهم.»

قلت:

«ربما لا ينبغي أن تفهم.»

«لماذا؟»

«لأن بعض الأشياء تفقد معناها عندما نشرحها.»

قال:

«أم لأنك تخافين أن تنكشف؟»

نظرت إليه طويلًا.

كان السؤال قاسيًا، ليس لأنه اتهمني، بل لأنه اقترب من منطقة كنت أحرسها حتى من نفسي.

قلت:

«أنا لا أخاف من انكشافي.»

قال:

«بل تخافين أن يعرف أحد أنك لستِ بهذه القوة التي تظهرين بها.»

أشحت بوجهي.

لم أجد ما أقوله.

تابع بصوت أخفض:

«أنتِ تكتبين عن امرأة قوية، متمردة، تعرف ما تريد، وترفض أن يسمح لها أحد بأن تكون نسخة من غيرها... لكنني أحيانًا أشعر أن وراء كل ذلك فتاة تخاف جدًا من أن تخسر شيئًا لا تعرف حتى إن كانت تملكه.»

رفعت عيني إليه.

قلت:

«وأنت؟ ماذا تعرف عني؟»

«أعرف أنك لا تسمحين لأحد بالاقتراب بسهولة.»

«وهذا حقّي.»

«وأعرف أنك حين تشعرين أن أحدًا اقترب، تضعين بينك وبينه ألف سؤال.»

«والأسئلة تحميني.»

«بل تؤجلين بها الإجابة.»

كانت كلماته تضيق عليّ.

قلت:

«ماذا تريد مني يا فتحي؟»

ساد صمت طويل.

للمرة الأولى رأيته عاجزًا عن الإجابة.

قال أخيرًا:

«لا أعرف.»

ضحكت، لكن ضحكتي لم تكن سعيدة.

«هذه أول إجابة صادقة منك.»

نظر إليّ طويلًا، ثم قال:

«ربما أريد أن أعرف أين أقف.»

قلت:

«قف حيث كنت دائمًا.»

«وأين كنت؟»

«بعيدًا.»

«وهل تريدينني أن أبقى بعيدًا؟»

لم أجب.

كان يمكن لكلمة واحدة أن تنهي كل شيء، لكنني لم أقلها.

كان يمكن أن أقول: نعم.

وكان يمكن أن أقول: لا.

اخترت الصمت.

فهمه بطريقته.

ابتعد خطوة، ثم قال:

«أحيانًا يكون الصمت جوابًا، لكنه ليس دائمًا الجواب الذي نريده.»

ومضى.

بقيت مكانى.

لم أجر وراءه، ولم أنادِه.

لكنني شعرت أن شيئًا داخلي تحرك خلفه.

جلست تحت الشجرة من جديد، وفتحت كراستي.

كانت الجملة أمامي:

خطوتها ليست خطوة، بل موسيقى جسد، وقلبك أول الراقصين.

حدقت فيها طويلًا.

في المرة الأولى كتبتها وأنا أظن أنني أمتلكها.

أما الآن فقد شعرت أنها هي التي تمتلكني.

أدركت أن الكتابة ليست دائمًا وسيلة للهروب من الحقيقة؛ أحيانًا تكون الطريق الأقصر إليها.

كنت أريد أن أقول إنني لم أقصد أحدًا.

وأن فتحي لا يعني لي شيئًا.

وأنني لا أفكر فيه.

لكن الكذبة كانت ستبدو سخيفة حتى أمام الصفحة البيضاء.

وضعت القلم، وبدأت أكتب عن امرأة تقف أمام رجل يعرف كيف يربكها دون أن يلمسها، وكيف يجعلها تشعر أن كل كلمة تقولها يمكن أن تكون اعترافًا، وكل صمت يمكن أن يكون فضيحة، وكل خطوة إلى الأمام قد تفتح بابًا لا تستطيع إغلاقه.

كتبت ثم توقفت.

مزقت الصفحة.

كتبت من جديد.

مزقتها أيضًا.

في النهاية أغلقت الكراسة.

لم أكن أخاف من فتحي.

كنت أخاف من أن أفتح أنا الباب الذي ظللت سنوات أقول إنه مغلق.

وفي اليوم التالي رأيته يعبر الممر من بعيد.

لم ينظر إليّ.

مر كأنه لم يرني.

شعرت بوخزة غريبة.

قلت لنفسي إنني أردت منه أن يبقى بعيدًا، وها هو يفعل.

فلماذا يؤلمني ابتعاده؟

لم أجد جوابًا.

وهنا فهمت أن المشكلة لم تكن في المسافة بيننا.

المشكلة كانت في أنني بدأت ألاحظها.

ومنذ تلك اللحظة لم تعد المسافة مجرد مكان يقف فيه هو ومكان أقف فيه أنا.

صارت شيئًا آخر.

شيئًا يشبه الحبل المشدود بين قلبين، كلما حاول أحدهما أن يرخيه، شدّه الآخر دون أن يعترف.

كنت أعرف أن الطريق أمامي لن يكون سهلًا.

وكنت أعرف أيضًا أنني لم أكن أملك شجاعة الاعتراف بما يحدث.

لذلك عدت إلى الشيء الوحيد الذي كنت أجيده.

الكتابة.

كتبت في آخر الصفحة:

«بعض الخطوات لا تُرى، لأنها تحدث في القلب قبل أن تتحرك الأقدام.»

ثم أغلقت كراستي.

ولم أعرف يومها أن تلك الجملة ستكون بداية سلسلة طويلة من الخطوات، بعضها سأختاره، وبعضها ستفرضه الحياة عليّ، وأن الرجل الذي ظننته واقفًا بعيدًا سيصبح، بطريقة لم أفهمها وقتها، واحدًا من أكثر الوجوه حضورًا في ذاكرتي.

ولم أعرف أيضًا أن الصمت الذي ظننته حماية، كان في الحقيقة أول اعتراف لم أجرؤ على سماعه.

من رواية امرأة من زمن الحلم
بقلم الكاتبة ھدى حجاجي أحمد
مصر




IMG-20260930-WA0001.jpg

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى