مقتطف هدى حجاجي احمد - من رواية امرأة من زمن الحلم ... الفصل: الرجل الذي كان يسبقني إلى الطريق

لم يكن أكثر ما أخافني في فتحي أنه كان رجلًا أكبر مني، وإنما أنني كنت أعرف، في مكان عميق داخلي، أنني أحب هذا الرجل رغم كل ما بيننا من مسافات لا أعرف كيف يمكن عبورها.

كنت أخاف الاعتراف لنفسي قبل أن أخاف الاعتراف له.

فارق العمر كان يقف بيننا مثل جدار لا أستطيع أن أتجاهله، حتى عندما كان قلبي يتصرف كأن الجدار غير موجود. كنت أراه بعين فتاة صغيرة تنظر إلى رجل يحمل من العمر والخبرة والوجع ما يجعل المسافة بيننا أكبر من سنوات تُحسب بالأرقام. كان قد عاش أشياء كثيرة قبلي، حمل مسؤوليات لم أعرفها، ومر بتجارب جعلته أكثر صمتًا وحذرًا، بينما كنت أنا في بداية الطريق، أبحث عن اسمي بين صفحات الجرائد، وأحلم بأن أصبح صحفية وكاتبة، وأن أخرج من حدود المدينة الصغيرة إلى عالم أوسع لا أعرفه بعد.

كنت أخشى أن يكون ما أشعر به مجرد انبهار بإنسان مختلف، أو إعجاب بعقله، أو تعلق برجل منحني من اهتمامه ما لم أكن أفهمه وقتها.

لكنني كنت كلما حاولت أن أضع تفسيرًا آخر لمشاعري، كان قلبي يرفض.

كنت أحبه.

هذه هي الحقيقة التي احتاجت مني سنوات طويلة حتى أكتبها دون أن أخاف منها.

ولم يكن فتحي رجلًا عاديًا في ذاكرتي. كان حاضرًا حتى في الأشياء التي لم يكن حاضرًا فيها.

كنت أخرج من البيت إلى الدروس، أحمل كتبي وأفكاري، وأحاول أن أقنع نفسي أن الطريق الذي أمشيه لا علاقة له به، فأجده أمامي.

مرة يمشي في الطريق قبلي.

ومرة أجده جالسًا على أحد المقاهي.

ومرة يمر من الجهة الأخرى، وكأنه خرج في اللحظة نفسها التي خرجت فيها أنا.

كنت أقول لنفسي:

مصادفة.

ثم تحدث المصادفة مرة ثانية.

وثالثة.

ورابعة.

حتى بدأت أشعر أن القدر نفسه يضعه أمامي كلما حاولت أن أهرب من التفكير فيه.

لم أكن أعرف هل كان يبحث عني، أم أن المدينة الصغيرة كانت تضيق بنا حتى لا تترك لنا إلا طريقًا واحدًا.

وكان هناك مكان آخر ظل عالقًا في ذاكرتي أكثر من كل تلك المصادفات.

بائع الصحف.

كان فتحي يجلس أحيانًا عند بائع الصحف، يقلب الجرائد والمجلات، وكأنه يبحث عن خبر مهم أو مقال بعينه. وكنت أعرف بعد فترة ما الذي كان يبحث عنه.

كان يبحث عما كتبته أنا.

كنت أراه ممسكًا بجريدة التحرير المصري، وهي جريدة أسبوعية كنت أنشر فيها، وأحيانًا يمسك صحيفة أو مجلة أخرى ظهر فيها اسمي بعد ذلك.

لم يكن يسألني.

لم يكن يقول:

قرأت لكِ.

ولم يكن يمنحني ذلك الاعتراف الصريح الذي كنت أحتاج إليه من أي قارئ.

كان يفعل شيئًا أكثر غرابة.

كان يبحث.

كان يذهب إلى بائع الصحف ليرى ماذا كتبت هالة هذه المرة.

وأنا، في المقابل، كنت أتصرف وكأنني لم أره.

أمر من أمامه، أرفع رأسي قليلًا، وأواصل طريقي، بينما كان داخلي كله يلتفت إليه.

كنت أتساءل:

هل قرأ المقال؟

هل أعجبه؟

هل اختلف معي؟

هل أغضبه شيء كتبته؟

هل بحث عن اسمي في الجريدة لأنني أصبحت بالنسبة إليه مجرد طالبة يعرفها، أم لأن شيئًا آخر كان قد بدأ يتشكل في داخله؟

لم أسأله.

ولم أجرؤ حتى على أن أسأل نفسي بصوت واضح.

كنت أخشى الإجابة.

فالمرأة قد تتحمل أن تعرف أنها محبوبة، لكنها تخاف أحيانًا أن تعرف أنها أحبت رجلًا لا تستطيع الحياة أن تجمعها به.

وكان خوفي من فارق العمر أكبر من قدرتي على الاستسلام لمشاعري.

كنت أقول لنفسي إنني ما زلت في بداية حياتي، وإن أمامي الدراسة والجامعة والصحافة والكتابة، وإنه رجل تجاوز الأربعين، يحمل وراءه سنوات من المسؤوليات والخيبات والتأجيلات.

كنت أخاف أن أصبح زوجة لرجل أكبر مني بينما أحلامي ما زالت في أول الطريق.

كنت أخاف أن أستيقظ ذات صباح فأجد أنني تركت الجامعة من أجل بيت، وأن دفاتري أصبحت في درج مغلق، وأن اسمي الذي كنت أحاول أن أصنع له مكانًا بين الكتاب والصحفيين أصبح مجرد اسم امرأة في بيت رجل.

ولذلك كنت أقاومه، حتى وأنا أحبه.

كنت أرفض الاقتراب لأنني كنت أعرف أن الاقتراب قد يجعلني أتنازل عن أشياء عشت عمري كله أحلم بها.

وربما كان فتحي يفهم ذلك.

ربما كان يرى في عيني شيئًا لا أستطيع إخفاءه، ولذلك كان يقترب خطوة ثم يتراجع خطوات.

أو ربما كان هو أيضًا خائفًا من الفارق بيننا.

فالرجل الذي قضى سنوات عمره يحمل مسؤولية أمه وإخوته، ويؤجل حياته الخاصة، لم يكن يستطيع أن يتعامل مع فتاة صغيرة تحلم بأن تصبح صحفية وكاتبة وكأن الأمر مجرد إعجاب عابر.

كان يعرف أن الزواج ليس كلمة تقال، وأن الحب وحده لا يكفي.

وأنا كنت أعرف ذلك أيضًا.

لهذا كان الصراع بيننا أعقد من أن يسمى حبًا في ذلك الوقت.

كان شيئًا يتشكل في صمت، ويتغذى على المسافة، ويكبر كلما حاولنا إنكاره.

حتى القدر كان يصر على أن يذكرني به.

أخرج من البيت إلى درس، فأجده يسير أمامي.

أذهب إلى مكان آخر، فأراه جالسًا على مقهى.

أمر بجوار بائع الصحف، فأجده يقلب صفحات الجريدة الأسبوعية التي نشرت لي مقالًا.

وأحيانًا كنت أراه ممسكًا بالجريدة، فأشعر برغبة عارمة في أن أقترب وأسأله:

ماذا تبحث؟

لكني لم أفعل.

كنت أمر من جواره وكأنني لم أره.

وهو أيضًا كان يتظاهر بأنه لم يرني.

لكننا كنا نعرف.

أنا أعرف أنه يعرف.

وهو يعرف أنني أعرف.

وهكذا ظل الصمت بيننا أبلغ من كل الكلام.

وحين أتذكر تلك الأيام الآن، أكتشف أنني كنت أخاف شيئًا آخر غير فارق العمر.

كنت أخاف أن أحب رجلًا لا أستطيع الوصول إليه.

كنت أخاف أن أعطي قلبي لرجل سيظل دائمًا أكبر من قدرتي على فهمه، وأن يظل هو أيضًا عاجزًا عن الاقتراب مني بسبب عمره ومسؤولياته ومجتمعه ونظرة الناس.

كنت أخاف أن يكون الحب بيننا حقيقيًا، ثم يأتي الواقع فيثبت لنا أن الحقيقة وحدها لا تكفي.

ولهذا أخرت هذه الفصول طويلًا.

لم أكتبها في وقتها.

احتفظت بها في مكان ما داخل الرواية، كما احتفظت بأشياء كثيرة في داخلي، وتركتها تنتظر حتى تصل الحكاية إلى نهايتها.

فبعض الأسرار لا يجوز أن تظهر في بداية الرواية.

ليس لأنها ضعيفة، بل لأنها لو ظهرت مبكرًا أفسدت الطريق كله.

كنت أريد للقارئ أن يرى فتحي أولًا كما رأيته أنا: رجلًا يثير غضبي، يربكني، يخاصمني، يراقب خطواتي، يغار من قابيل، ويجلس عند بائع الصحف يبحث عن اسمي بين صفحات الجرائد.

ثم، بعد أن تنتهي كل المعارك، وبعد أن تهدأ الضوضاء، وبعد أن يصبح الماضي أكثر قدرة على الكلام، يعرف الحقيقة التي كنت أخاف حتى من كتابتها:

لم أكن أكرهه.

كنت أحبّه.

وكنت أخاف من هذا الحب أكثر مما أخاف من فارق العمر نفسه.

لأن فارق العمر كان رقمًا.

أما الحب، فكان قدرًا.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى