في غياب أبي تقوم أمي بمراقبتي كي لا أخرج، ولكن كيف أظل قاعداً في البيت مثل البنات، أو ألعب أمام البيت؟ لذلك أظل أتحين الفرصة حتى أنسلتَ من البيت فريرة نحو العزبة، التي كانت بالنسبة لي مكاناً سحرياً أسطورياً، تحتشد باللصوص والقتلة وتجار المخدرات. قوة داخلية تجعلني أحطم تحذيراتها، مما يسبب لي معاناة نفسية، ولكن لدي رغبة في اختراق الأماكن الخطرة والتعامل مع الأوباش؛ هؤلاء أعتبرهم البشر الحقيقيين.
وبدلاً من أن ألتف لفة طويلة لأصل إلى هناك، أدخل من شارع السهراية الضيق والملتوي، وعندما أصل لبيت عبد الغني ماضي المبني بالطين، هوب.. قفزة وراء الثانية أكون على السطح، أسير حتى أصل لنهايته، فتظهر العزبة أمامي في مكان منخفض؛ بيوت متداعية تلتف حول البركة.
أنزل عن السطح فأجد هاني بن إبراهيم الخريجي يجلس بجوار بيته المطل على بركة النشع؛ حيث يلقي فيها الأهالي النفايات، وأشجار الموز التالفة، ومياه الغسيل، وصرف المجاري. أرضٌ سبخة شديدة الملوحة تأكل جدران البيوت. عيال العزبة يقضون الصيف يسبحون في البركة، أجسادهم بيضاء وبطونهم منتفخة، يعومون وهم يتصايحون، يركبون جذوع الموز ويدفعونها كمراكب. العزبة يقطنها غرباء، يعملون في نزح "البكابورتات"، وتصليح "بابور" الجاز، وبيع الخضار، والخدمة في البيوت. الناموس نهش وجوه الصغار فبدت منقطة بحمرة، عيونهم زرقاء ووجوههم صفراء.
يمر علواني راكباً عربة الكسح التي يجرها حمار هزيل يتحرك بسرعة تحت قسوة السياط، والماء القذر ينزّ من الفنطاس في خط طويل لا ينتهي. كُتب على مؤخرة العربة: "لا تبص بعين رضية.. شوف اللي مدفوع فيه"، وأيضاً: "لا تبص من ورا.. دا أنا معبيها خراء.. ملاكي 1965 جيزة".
صحتُ: "هاني!".
عندما رآني، اقترب مني بشعره الأسود الطويل الساقط على عينيه (لو تركت شعري مثله لزفوني أولاد الناحية باعتباري عيلاً لمؤاخذة). عيناه داميتان وتنزان بالعمش، يرتدي قميصاً من الدبلان، وشعره منكوش دائماً.
"إيه رأيك؟ اقلعْ!"
"لا يا عم.. أمي تضربني!"
"وهي هتعرف منين؟"
"لا يا عم.. انزل أنت!"
"ياض دا السمك يزغزغ.. اقلعْ".
ثم تركني متهكماً: "خليك.. دا أنت عيل وعمرك ما هتبقى راجل أبداً!". خلع قميصه وناولني إياه. بدا عارياً وهو يتقدم نحو الماء؛ جسده الضامر مسودّ كأنه قطعة من البركة. أخذ يغوص في قلب الطين يزيح شجر الموز الطافي، ثم قفز واختفى تحت الماء الأسود الراقد. خرج وبيده قرموط سمك قاذفاً إياه نحوي: "شايف؟"، ثم غطس مرة أخرى ليعود بقرموط آخر بطول الذراع؛ قراميط سليمة تلمع بالسواد والخضرة القاتمة، وبطونها ذات لفحة بيضاء.
"خذ!".. ورماهما معاً. تناثرت قطع صغيرة من الطين الأسود اللزج على جلابيتي، فصرخت: "مش تحاسب؟! أنت أعمى يا بن الكلب؟"
توقف عن الصيد ونظر إليّ، فندمت أنني شتمته. خرج من البركة بجسده الصغير الضامر وقدميه الرفيعتين كالعصا، يدفع الموج الراقد بقوة لا تناسب حجمه. لم أستطع الجري وهو يتقدم نحوي، والطين الأسود ينزلق على جسده في خطوط ثقيلة. وقف أمامي بكل عزم، وعيونه الصغيرة تتراقص في حدة بعدما زال العمش منها: "أنا بن كلب ياض؟"
قلت خوفاً: "شايف الجلابية باظت إزاي؟ وأمي هتضربني". قال بصوت عالٍ: "تاني أمك؟!".
انكمشتُ في رعب ظناً أنه سيضربني، لكنه تركني وتناول حفنة تراب يفرك بها يديه. رجع إليّ بوجهه المربع الممصوص الممتلئ بالدمامل الصغيرة، ثم أخرج عضوه وقال: "شايف الدم؟"، وأخذ يرسم بالبول خطوطاً حمراء في الأرض. سألته بودٍّ أحاول به محو الشتيمة: "من إيه ده ياض يا هاني؟"
"أصل عندي بلهارسيا". أردت أن أشغله بموضوع آخر حتى لا يضربني: "إزاي الواحد يوصل للثعبان الأخضر؟" ضحك بسخرية: "اجرِ ياض أنت عيل.. لما تكبر!"
"ورحمة خالتك فتحية لتقول يا هاني".
"أنت عايز الجوهرة؟"
"آه!"
"دي عايزة ولد قلبه ميت.. يعني يا قاتل يا مقتول!"
"جربني.. قول بس".
"دا راقد في شارع السهراية، وحارساه (أم بزاز حديد) وعيالها السوّد! دا فتوات وشباب عِتْرة ضيعوا نفسهم عشان يوصلوا للجوهرة وما عرفوش".
"زي مين؟"
"عمك الشحات".
"عمي الشحات؟"
"آه.. دخل شارع السهراية بالبلطة، وظل من أول الليل حتى قرب الفجر في صراع مرير مع أم بزاز حديد، وانتهت المعركة بجسده أشلاء".
كأنني في حلم؛ أرى فيه عمي الشحات يسير في شوارع البلدة يرتدي صديرياً وسروالاً من الدمور، فيه عزم يهد الجبل، بيده ساطور وبالأخرى بلطة. يجتاز البيوت، يصعد الجبل ويصل إلى مقابر الأسياد منادياً بقوة الفارس وجبروت الشباب: "أنا فتوة كفر أبو غالب!".
يسير بين الشواهد في ليلة معتمة إلا من أشجار قليلة تهتز ونسمة رطبة في الفضاء الواسع. ينادي عازماً على خوض الحرب مع السيدة حتى الموت، ليدمر أسطورتها ويقضي على خبلها وتعطشها الدموي لخطف الأطفال والبنات الأبكار؛ يريد إنهاء الرعب الذي عوّق البلدة.
تفككت المقابر وخرجت منها كائنات مرعبة؛ غيلان صغيرة ترقص رقصات متوحشة. خرجت "أم بزاز حديد" من مكمنها وصرخت صرخة رجت المكان، أضاءت عيونها النارية الكون، وبدأ سوادها يضوي وفمها الكلبي يزداد قبحاً وتوحشاً. يسير وراءها أولادها السود الممتلئون، أجسادهم مدكوكة صلبة وأقدامهم القوية ترن في الطريق صانعة عالماً مرعباً. وراءهم القربة المسحورة تدق طبولها فيسمع صوتها نصف العالم، والمحراث يدور حول عمي الشحات وهي تخاطبه بعربية مبينة: "أنا حارسة المكان وسيدة السادة وقاهرة الملوك.. حارسة السيد المطاع.. الملك الضليل حامل الجوهرة!".
تقترب من الشحات، فيسحب بلطته ويهجم هجوماً مفاجئاً عاجلها فيه بضربة قوية أفقدتها توازنها، فخرج منها دخان أبيض كندف القطن. وبالساطور شرط رقاب ثلاثة من أولادها. تقدمت إليه تدفع الدخان تجاهه فأعمت عينيه، فأخذ يضرب بحواسه الأخرى يحتمل ضربات أولادها ويفرغ ضرباته فيها، حتى ركلته بقوة فطار في الهواء وسقط أرضاً.
قام وضربها بالبلطة في صدرها، فداست على بطنه برجليها وأخذت تلقي تعاويذ وإشارات مبهمة، حتى قام أولادها من موتهم الأبدي. راحت تغني بصوت عذب حتى خرج "الضليل" من المغارة المسحورة مغطى بالجواهر والأحجار الكريمة النقية التي تبرق، يتوهج جسده المروجي وهو يتقلب ويستعرض في تيه على إيقاع الطبول الإفريقية.
رقص، ثم تقدم نحو جسد الشحات المنازع، غرس أسنانه في رقبته ومص دمه حتى جف تماماً، ثم وضعوا السيخ المحمي في مؤخرته وأخرجوه من فمه، وحملوه على أكتافهم يدقون الأرض بأرجلهم مرددين: "يا دائم أنت الدائم.. ولا دائم إلا الله". "يا دائم أنت الدائم.. ولا دائم إلا الله". "يا دائم أنت الدائم.. ولا دائم إلا الله".
وبدلاً من أن ألتف لفة طويلة لأصل إلى هناك، أدخل من شارع السهراية الضيق والملتوي، وعندما أصل لبيت عبد الغني ماضي المبني بالطين، هوب.. قفزة وراء الثانية أكون على السطح، أسير حتى أصل لنهايته، فتظهر العزبة أمامي في مكان منخفض؛ بيوت متداعية تلتف حول البركة.
أنزل عن السطح فأجد هاني بن إبراهيم الخريجي يجلس بجوار بيته المطل على بركة النشع؛ حيث يلقي فيها الأهالي النفايات، وأشجار الموز التالفة، ومياه الغسيل، وصرف المجاري. أرضٌ سبخة شديدة الملوحة تأكل جدران البيوت. عيال العزبة يقضون الصيف يسبحون في البركة، أجسادهم بيضاء وبطونهم منتفخة، يعومون وهم يتصايحون، يركبون جذوع الموز ويدفعونها كمراكب. العزبة يقطنها غرباء، يعملون في نزح "البكابورتات"، وتصليح "بابور" الجاز، وبيع الخضار، والخدمة في البيوت. الناموس نهش وجوه الصغار فبدت منقطة بحمرة، عيونهم زرقاء ووجوههم صفراء.
يمر علواني راكباً عربة الكسح التي يجرها حمار هزيل يتحرك بسرعة تحت قسوة السياط، والماء القذر ينزّ من الفنطاس في خط طويل لا ينتهي. كُتب على مؤخرة العربة: "لا تبص بعين رضية.. شوف اللي مدفوع فيه"، وأيضاً: "لا تبص من ورا.. دا أنا معبيها خراء.. ملاكي 1965 جيزة".
صحتُ: "هاني!".
عندما رآني، اقترب مني بشعره الأسود الطويل الساقط على عينيه (لو تركت شعري مثله لزفوني أولاد الناحية باعتباري عيلاً لمؤاخذة). عيناه داميتان وتنزان بالعمش، يرتدي قميصاً من الدبلان، وشعره منكوش دائماً.
"إيه رأيك؟ اقلعْ!"
"لا يا عم.. أمي تضربني!"
"وهي هتعرف منين؟"
"لا يا عم.. انزل أنت!"
"ياض دا السمك يزغزغ.. اقلعْ".
ثم تركني متهكماً: "خليك.. دا أنت عيل وعمرك ما هتبقى راجل أبداً!". خلع قميصه وناولني إياه. بدا عارياً وهو يتقدم نحو الماء؛ جسده الضامر مسودّ كأنه قطعة من البركة. أخذ يغوص في قلب الطين يزيح شجر الموز الطافي، ثم قفز واختفى تحت الماء الأسود الراقد. خرج وبيده قرموط سمك قاذفاً إياه نحوي: "شايف؟"، ثم غطس مرة أخرى ليعود بقرموط آخر بطول الذراع؛ قراميط سليمة تلمع بالسواد والخضرة القاتمة، وبطونها ذات لفحة بيضاء.
"خذ!".. ورماهما معاً. تناثرت قطع صغيرة من الطين الأسود اللزج على جلابيتي، فصرخت: "مش تحاسب؟! أنت أعمى يا بن الكلب؟"
توقف عن الصيد ونظر إليّ، فندمت أنني شتمته. خرج من البركة بجسده الصغير الضامر وقدميه الرفيعتين كالعصا، يدفع الموج الراقد بقوة لا تناسب حجمه. لم أستطع الجري وهو يتقدم نحوي، والطين الأسود ينزلق على جسده في خطوط ثقيلة. وقف أمامي بكل عزم، وعيونه الصغيرة تتراقص في حدة بعدما زال العمش منها: "أنا بن كلب ياض؟"
قلت خوفاً: "شايف الجلابية باظت إزاي؟ وأمي هتضربني". قال بصوت عالٍ: "تاني أمك؟!".
انكمشتُ في رعب ظناً أنه سيضربني، لكنه تركني وتناول حفنة تراب يفرك بها يديه. رجع إليّ بوجهه المربع الممصوص الممتلئ بالدمامل الصغيرة، ثم أخرج عضوه وقال: "شايف الدم؟"، وأخذ يرسم بالبول خطوطاً حمراء في الأرض. سألته بودٍّ أحاول به محو الشتيمة: "من إيه ده ياض يا هاني؟"
"أصل عندي بلهارسيا". أردت أن أشغله بموضوع آخر حتى لا يضربني: "إزاي الواحد يوصل للثعبان الأخضر؟" ضحك بسخرية: "اجرِ ياض أنت عيل.. لما تكبر!"
"ورحمة خالتك فتحية لتقول يا هاني".
"أنت عايز الجوهرة؟"
"آه!"
"دي عايزة ولد قلبه ميت.. يعني يا قاتل يا مقتول!"
"جربني.. قول بس".
"دا راقد في شارع السهراية، وحارساه (أم بزاز حديد) وعيالها السوّد! دا فتوات وشباب عِتْرة ضيعوا نفسهم عشان يوصلوا للجوهرة وما عرفوش".
"زي مين؟"
"عمك الشحات".
"عمي الشحات؟"
"آه.. دخل شارع السهراية بالبلطة، وظل من أول الليل حتى قرب الفجر في صراع مرير مع أم بزاز حديد، وانتهت المعركة بجسده أشلاء".
كأنني في حلم؛ أرى فيه عمي الشحات يسير في شوارع البلدة يرتدي صديرياً وسروالاً من الدمور، فيه عزم يهد الجبل، بيده ساطور وبالأخرى بلطة. يجتاز البيوت، يصعد الجبل ويصل إلى مقابر الأسياد منادياً بقوة الفارس وجبروت الشباب: "أنا فتوة كفر أبو غالب!".
يسير بين الشواهد في ليلة معتمة إلا من أشجار قليلة تهتز ونسمة رطبة في الفضاء الواسع. ينادي عازماً على خوض الحرب مع السيدة حتى الموت، ليدمر أسطورتها ويقضي على خبلها وتعطشها الدموي لخطف الأطفال والبنات الأبكار؛ يريد إنهاء الرعب الذي عوّق البلدة.
تفككت المقابر وخرجت منها كائنات مرعبة؛ غيلان صغيرة ترقص رقصات متوحشة. خرجت "أم بزاز حديد" من مكمنها وصرخت صرخة رجت المكان، أضاءت عيونها النارية الكون، وبدأ سوادها يضوي وفمها الكلبي يزداد قبحاً وتوحشاً. يسير وراءها أولادها السود الممتلئون، أجسادهم مدكوكة صلبة وأقدامهم القوية ترن في الطريق صانعة عالماً مرعباً. وراءهم القربة المسحورة تدق طبولها فيسمع صوتها نصف العالم، والمحراث يدور حول عمي الشحات وهي تخاطبه بعربية مبينة: "أنا حارسة المكان وسيدة السادة وقاهرة الملوك.. حارسة السيد المطاع.. الملك الضليل حامل الجوهرة!".
تقترب من الشحات، فيسحب بلطته ويهجم هجوماً مفاجئاً عاجلها فيه بضربة قوية أفقدتها توازنها، فخرج منها دخان أبيض كندف القطن. وبالساطور شرط رقاب ثلاثة من أولادها. تقدمت إليه تدفع الدخان تجاهه فأعمت عينيه، فأخذ يضرب بحواسه الأخرى يحتمل ضربات أولادها ويفرغ ضرباته فيها، حتى ركلته بقوة فطار في الهواء وسقط أرضاً.
قام وضربها بالبلطة في صدرها، فداست على بطنه برجليها وأخذت تلقي تعاويذ وإشارات مبهمة، حتى قام أولادها من موتهم الأبدي. راحت تغني بصوت عذب حتى خرج "الضليل" من المغارة المسحورة مغطى بالجواهر والأحجار الكريمة النقية التي تبرق، يتوهج جسده المروجي وهو يتقلب ويستعرض في تيه على إيقاع الطبول الإفريقية.
رقص، ثم تقدم نحو جسد الشحات المنازع، غرس أسنانه في رقبته ومص دمه حتى جف تماماً، ثم وضعوا السيخ المحمي في مؤخرته وأخرجوه من فمه، وحملوه على أكتافهم يدقون الأرض بأرجلهم مرددين: "يا دائم أنت الدائم.. ولا دائم إلا الله". "يا دائم أنت الدائم.. ولا دائم إلا الله". "يا دائم أنت الدائم.. ولا دائم إلا الله".