مقتطف عبدالنبي فرج - فصل من رواية ٤٠٠ متر في القاهرة

نعم بدأت أتذكر رغم الإعياء، أنا مجرد شخصية داخل لوحة فنية، رأيتها منذ فترة في واحد من المتاحف التي زرتها في إيطاليا ربما هولاندا ممكن بريطانيا، نعمأنا عالق في نسيج لوحة هيرونيموس بوش، "حديقة المسرات الدنيوية": مغروساً داخل الجزء الأوسط حيث الجحيم مجسدا، هناك غربة أعيشها وأنا على الحافة كيف وصلت إلى هنا، وكيف تتحول رسومات لشخص عاش قبل قرنين إلى واقع فعلي معاش، يبدو أنني واقع تحت تأثير قوة سحرية ولا قدرة لدي للخروج منها، ولا رغبة إلا لو كانت عودة لأنتقم من العالم من كل الوجوه القبيحة التي استنزفتنى قطرةً قطرة، تتجسد أمامي اللوحة بكل تفاصيلها حيث الشر يسود العالم، رياح خفيفة تدفع القارب في وجهه محددة دون مجداف، جثث تطفوا على سطح الماء لم يزعجني ذلك جثث ممزقة وجثث مخيطة بخيط رديء جثث تتقلب في المياه، كنت أشعر ناحيتها بالحب بالشفقة، سماء بعيدة نائية تحتشد بسحب رمادية، وتنانين مخيفة تتشكل جعلتني أغمض عيني لكي أحتفظ بطمأنينة داخلية حصلتها أخيرا، فلأول مرة منذ فترة طويلة يزول الخوف مني الخوف الذي يقتلع القلب المدمر المنهك مع كل لحظة تمّر فهناك شياطين علوية تمدهم بخيال شيطاني فائق القوة سوبر شيطاني جعل الموت بالنسبة لي حلما، أمنية أخيرة من الرب ليتدخل وينقذني ليس من الموت ولكن من الحياة.
أعتقد أنني نلت بعضا مما أردت فلم أعد خائفاً أو قلقاً من القادم لم يعد مجديا لن يحدث شيء أكثر من ذلك حتى الكوابيس العتيقة التي ربيتها داخلي ضمرت وأصبحت تستحق الرثاء، بودي أن أضحك من كل الخيالات المرعبة التي ظلت طوال حياتي تؤرقني تحد من حريتي وتجعلني طوال الوقت داخل محارة وفي الوقت الذي أخرج منها وأغامر في قلب الحياة ـ يتم نصب شركٍ بهذا الشكل المهين دون أي أمل في النجاة.
ذاكرتي أشرقت وحياتي أمام عيني تترى، لم أندم مازلت فخورا بي وحتى نهايتي تمثل إنجازا استطعت اجتيازه بشرف واستقامة أغادر وذاكرتي معلقة بالحياة برغباتي التافهة، حلمي الضائع صدفة، باولا وكلوديو ومارين، الطعام الشهي، الشوارع الصاخبة، النساء الجميلات، نداءات الباعة، اللوحات الفنية، الكتب التي لم أستطع حملها لتؤنس وحدتي، السينما، الزهور، البحار، الشمس، ولكنها داخلي أعرف ذلك الكلام أردد بشفاه مقطوعة جملا وأشعاراً أتذكرها عن الحب والحرية والعدالة والموت والشقاء أيضا، أبحث عن حروف اللغة العربية لا أعثر عليها داخلي، لقد تبخرت امتصتها الجدران السوداء والسقوف البشعة ولو وجدت حرفا تعثرت فيه كل الكلمات التي حفظتها والحكايات التي سمعتها من أفواه تنطق بها ضائعة مني في أقبية المعتقلات.
هذا المكان معتم ولم يدخله إلا صرخات الضحايا أكثر ما أحتاج الآن أن أسمع الموسيقى.
هناك أثر يتردد داخلي لصوت كريس مارتن وفرقة كولد بلاي:
سأشتري هذا المكان وأحرقه.
سأدفنه تحت سابع أرض.
قال: سأشتري هذا المكان وأشاهده ينهار..
قف هنا بجانبي تحت جدرانه المتهدمة...
أوه سأشتري هذا المكان وأشعله نارا،
فلتقف هنا أملأ قلبك أشواقا، فأنا سأشتري هذا المكان وأشاهده يحترق.
قال: سأشتري سلاحا وأبدأ الحرب
إن قلت لي ما الذي يستحق أن أقاتل لأجله
أوه سأشتري هذا المكان، هذا ما قلته أنا، فلتلم اندفاعي وطيشي.. عزيزي.
لترى كيف أنهار وأقع على وجهي.
قال: سأشتري هذا المكان وأشاهده يذهب..
قف هنا بجانبي، ولتشاهد الوهج البرتقالي..
أبحث داخلي عن موسيقى البلوز والجاز، والروكوالشعبية، والكلاسيك بيتهوفن، باخ، هاندل، ريخمانينوف، برامز وشوبيرت، ليست، شومان، الكونشرتو والسيمفونية، والسوناتا، الفصول الأربعة، تشايكوفسكي، والمسرحيات الموسيقية، أريد أن أموت وآخر شيء أسمعه كونشرتو" قداس الموت" لموزارت، هذا العظيم الذي وزع روحه على نغمات سرب دماءه مع الأوتار، المريض الذي تنطفيء حياته ورغم ذلك يظل مفعم بالقوة والحيوية ويشيد مرثية عظيمة خالدة تضطرم بضفيرة معقدة من الصخب والعنف الذي يرافق الأبدية الجوقة وأصواتها الرهيبة، صرخات الرعب والاستسلام الحزين الرومانسي الجليل، كل شيء يرتجف من القلق والحمى و نفاذ الصبر يجب ألا أموت وحدي في الظلام منفيا منبوذا، يجب أن أسحب الموسيقي لنعبر معا أرض المعركة، ليس عدلاً أن أنفذ من الكوة وحدي بجراحي لا صوت فقط الصمت والظلام والغبن والأسى.
أحتاج لأن ألقى مجرد ضوء بسيط يسحبني معه زقزقة عصفور يقف على نافذة السجن ساعتها سأسلم يدي وأخطو معه في قلب الظلام، لعل هناك حياة أخرى نقيض ما نحن فيه لعل هناك ما يجعلني أسخر من تشبثي بالحياة وأن ما من شيء يضاهي الحياة الأخرى، قضيت طوال عمري والحياة الأخرى تمثل لي من وجهة نظري مجرد وهم كبير عزاء للاستمرار، ولكن الآن أتوق فعلا لحياة وموسيقي وفنون أخرى، لم أتشبع منها بعدُ هناك خطا ما لا أريده أن يتمدد للحياة الأخرى، أريد أن يرفع الستار عن عالم خال من القبح الدمامة الخراتيت والضباع.
عندما يصل بي القارب لمبتغاه سيكون لدي وقت للكلام عن أشياء خرست عن قولها، لن يكون إنسانا سأختار شجرة حيوانا طيرا حبة رمل للمياه، حشرة أسرد فيها عن وجودي الخطأ في الوقت والمكان الخطأ عن التعثر عن القدر، الصداقة والحب والحنين عن الجلافة والأوغاد والخسة الضياع الخيانة والسلطة الإجرامية التي تمسخ البشر وتشوههم عن أغوار الذات والتفاخر عن الخديعة والسذاجة عن إرث الطعنات الغادرة الضارب في القدم عن الموت المؤذي بطيء شديد القسوة "أشعر أن الحب يموت بداخلي ويموت كعصفور" صلاح ستيتية.
نعم يتطرق إلى ذهني التماعات وذكريات خاطفة تتناول نصوص شعرية ولوحات تشكيلية، مشاهد سينمائية، أول قبلة لفتاة مارين الجميلة، شقيقتي وذكريات الطفولة حيث البراءة والحماس والرغبة في تغيير العالم نعم تغيير العالم كان لدي يقين لا يهتز أني لدي قدرة على أحداث زلزال سياسي في أوربا ليس من خلال أبحاثي ولا من خلال كتابة أجمل قصائد الحب لم أكن أحلم أن أكون قائدا سياسياً راديكالي وأقوم بعمل انقلاب ثوري اشتراكي ينحاز للفقراء لم أكن أعرف أن الحياة قصيرة جدا، وأنها محض جنون.
#عبدالنبي_فرج #رواية_400_متر_في_القاهرة
@إشارة عبدالنبي فرج الف ليلة الروائي عبدالنبي فرج الرواية نت - Alriwaya.net مجلة أبوليوس الرواية الجزائرية مكتبة الأدب الجزائري


FB_IMG_1784201350068.jpg

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى