ھدى حجاجي أحمد - ورقة تعريفية بالمظلُّ امرأةٍ في باريس الجزء التاسع والستون: الخبر الذي جاء متأخرًا

لم أنم تلك الليلة.

كان المطر يطرق زجاج النافذة بإيقاعٍ منتظم، كأنه يعرف أن في داخلي شيئًا ينتظر أن يُقال.

ظللت أحدق في الهاتف الموضوع على الطاولة.

الخبر القادم من مصر لم يكن كارثة، لكنه كان كافيًا ليعيد إلى قلبي ذلك الارتجاف القديم؛ أشياء تخص البيت، وأخرى تخص ابنتي، وأخرى تخص حياة كاملة ظننت أنني تركتها خلفي حين عبرت البحر.

فهمت فجأة أن الإنسان لا يستطيع أن يهرب من مسؤولياته بالسفر.

يمكنه أن يغيّر المدينة، واللغة، والنافذة، وحتى طريقة ارتدائه للمعطف...

لكنه لا يستطيع أن يغيّر قلبه.

رن الهاتف.

كان هو.

— لم تنامي؟

قلت:

— لا.

— كنت أعرف.

ابتسمت رغمًا عني.

— كيف تعرف؟

قال:

— لأنك عندما تخافين، تصمتين أكثر من اللازم.

صمتُّ.

ثم قلت:

— ربما حان وقت العودة.

لم يسألني: إلى أين؟

كان يعرف.

قال فقط:

— نعم.

ثم أضاف بعد لحظة:

— لكن عودي لأنك تريدين العودة، لا لأن الخوف يدفعك إليها.

أغمضت عيني.

كم كنت أحتاج إلى رجل لا يجعلني أختار بينه وبين نفسي.

قلت:

— وماذا عنك؟

— سأبقى هنا.

— وهل هذا يعني النهاية؟

ضحك بهدوء.

— متى أصبح الحب عنوانًا واحدًا؟

لم أعرف ماذا أقول.

فأردف:

— اذهبي إلى حيث يجب أن تكوني. إذا كان ما بيننا حقيقيًا، فلن تقتله المسافة. وإذا قتلته المسافة، فربما لم يكن حبًا، بل خوفًا من الوحدة.

كانت تلك الجملة أقسى من أي اعتراف.

وأصدق من أي وعد.

الجزء السبعون: المرأة التي لم تعد تهرب

في اليوم التالي، خرجت إلى باريس دون مظلة.

تركت المطر يبلل شعري ووجهي ومعطفي.

كنت أمشي بلا وجهة.

مررت بالمقاهي التي عرفتني، بالجسور التي حفظت خطواتي، وبالمكتبات التي احتميت بها في الأيام الأولى.

لم أعد أشعر أن المدينة غريبة.

كانت قد أخذت من وحدتي شيئًا، وأعادت إليّ شيئًا آخر.

أعادتني إليّ.

وقفت أمام واجهة زجاجية.

رأيت انعكاسي.

امرأة في منتصف العمر، تحمل في عينيها طرقًا كثيرة، وفي وجهها حكايات لم تُكتب كلها.

ابتسمت لها.

قلت:

— سامحتك.

لم أفهم في البداية لمن أقولها.

ثم أدركت.

كنت أسامح نفسي.

على كل انتظار.

على كل مرة صدقت فيها ما لم يطمئن إليه قلبي.

على كل مرة ظننت أن الحب يعني أن أتنازل عن جزء مني حتى يبقى الآخر.

وعلى كل مرة أخّرت حياتي لأنني كنت أنتظر أن تبدأ حياة أخرى.

تابعت السير.

للمرة الأولى لم أكن ظل امرأة.

كنت امرأة كاملة.

بظلها.

بندوبها.

بأخطائها.

وبكل الأشياء التي نجت منها.

الجزء الحادي والسبعون: البيت الذي تركته مفتوحًا

عدت إلى البيت القديم.

البيت الذي أخبرني عنه ذات يوم.

كان الباب مفتوحًا.

دخلت.

كانت النافذة الكبيرة ما تزال هناك.

والمكتبة الصغيرة.

والجدران البيضاء.

لكن المكان بدا مختلفًا.

ربما لأنني أنا التي تغيرت.

وجدته واقفًا أمام النافذة.

قال:

— كنت أعرف أنك ستأتين.

قلت:

— وأنا كنت أعرف أنك ستتركني أذهب.

ابتسم.

— لأنني أحبك.

جلست.

قلت:

— هل الحب أن نترك من نحب يذهب؟

قال:

— أحيانًا.

ثم اقترب وجلس أمامي.

— الحب ليس أن أضع يدي على بابك وأمنعك من الخروج.

— وماذا يكون إذن؟

قال:

— أن أبقى خلف الباب، وأعرف أن لكِ الحق في فتحه أو إغلاقه.

نظرت إليه.

شعرت أنني أمام رجل لا يريد امتلاكي.

وكان ذلك، paradoxically، أكثر ما جعلني أطمئن إليه.

مد يده.

وضعت يدي فيها.

لم يكن في الأمر وعد.

ولا عقد.

ولا قسم.

فقط يدان تعرفان أن القرب الحقيقي لا يحتاج إلى قيد.

قال:

— هل ستعودين إلى مصر؟

قلت:

— نعم.

— وهل ستعودين إلى باريس؟

ابتسمت.

— لا أعرف.

قال:

— جيد.

ضحكت.

— لماذا تقول جيد؟

— لأنني تعبت من الناس الذين يظنون أنهم يعرفون كل شيء عن الغد.

ثم سكتنا.

وكان صمتنا أصدق من الكلام.

الجزء الثاني والسبعون: خَدَرُ الحب

في تلك الليلة، تذكرت المرأة التي كنتها منذ سنوات.

تذكرت الرجل الذي قال لها ذات مساء:

لا تنتظريني.

وتذكرت كيف لم تبكِ.

كيف ظنت أنها شُفيت.

ثم اكتشفت بعد شهور أن قلبها لم يشفَ.

كان فقط مخدّرًا.

عرفت يومها أن الحب لا يؤلمنا دائمًا بصوته.

أحيانًا يؤلمنا بصمته.

يتركنا نعيش، نعمل، نضحك، نرتب أيامنا، بينما شيء في الداخل متوقف عند آخر باب أُغلق.

لكنني لم أعد تلك المرأة.

لم أعد أريد أن أكون نصف امرأة في انتظار نصف رجل.

ولم أعد أريد رجلًا يطلب مني أن أترك نفسي كي أبقى معه.

قلت له:

— أتعرف ما الذي أخافني أكثر من الفراق؟

— ماذا؟

— أن أفقد نفسي وأنا أحاول ألا أفقد من أحب.

ظل ينظر إليّ.

ثم قال:

— لهذا أحبك.

— لماذا؟

— لأنك تعلمت أخيرًا أن الحب لا يستحق أن نخسر أنفسنا من أجله.

نظرت إلى يده.

ثم وضعت يدي فوقها.

هذه المرة لم يكن في قلبي خوف.

كان هناك شيء آخر.

طمأنينة.

الجزء الثالث والسبعون: العودة

في المطار، لم أبكِ.

كنت أظن أنني سأفعل.

لكنني لم أفعل.

كنت أعرف أنني لا أغادر باريس كما غادرتها أول مرة.

في المرة الأولى كنت أهرب.

أما الآن، فأنا أعود.

الفرق بين الهروب والعودة أن الأول يأخذك بعيدًا عن نفسك، والثاني يعيدك إليها.

وقف أمامي.

قال:

— هل أنتِ خائفة؟

قلت:

— قليلًا.

— جيد.

ضحكت.

— لماذا؟

— لأن الخوف يعني أن الأمر مهم.

ثم احتضنني.

كان عناقًا طويلًا، لكنه لم يكن عناق وداع.

كان عناق اعتراف.

قال قرب أذني:

— لا تعديني بشيء.

قلت:

— ولا أنت.

— إذن ماذا بيننا؟

رفعت رأسي إليه.

— الحقيقة.

ابتسم.

— تكفيني.

ثم ترك يدي.

مشيت نحو بوابة السفر.

هذه المرة لم ألتفت.

ليس لأنني لا أريده.

بل لأنني لم أعد أخاف أن يختفي إذا لم أراقبه.

الجزء الرابع والسبعون: مصر

حين فتحت باب البيت، اندفعت إليّ أصوات كثيرة.

أصوات أبنائي.

ضحكاتهم.

أسئلتهم.

رائحة القهوة.

رائحة البيت.

ذلك الدفء الذي لا تستطيع باريس أن تمنحه، مهما كانت جميلة.

احتضنتهم طويلًا.

وفي الليل جلست وحدي أمام النافذة.

كانت القاهرة صاخبة.

لكنني سمعت السين.

لم أعرف كيف.

ربما لأن الأماكن التي نحبها لا تحتاج إلى أن تكون أمامنا كي نحضر فيها.

فتحت دفتري.

كتبت:

"عدت إلى الوطن، لكنني لم أترك باريس."

"فالمدن التي تغيّرنا لا نغادرها."

"نحملها في طريقة نظرنا إلى الأشياء."

"في صمتنا."

"في خوفنا."

"وفي قدرتنا الجديدة على الحب."

توقفت.

ثم كتبت:

"لم تكن باريس نهاية الحكاية."

"كانت المسافة التي احتجتها كي أسمع نفسي."

أغلقت الدفتر.

ولأول مرة منذ سنوات شعرت أن البيت ليس المكان الذي نعيش فيه.

البيت الحقيقي هو المكان الذي لا نضطر فيه إلى اختصار أنفسنا.

الجزء الخامس والسبعون: الرسالة الأخيرة

مرت أسابيع.

كنت أعيش حياتي.

أكتب.

أقرأ.

أجلس مع أبنائي.

أشرب قهوتي أمام النافذة.

وأحيانًا، في المساء، كان يصلني منه شيء صغير.

صورة للنهر.

كتاب.

جملة.

أو مجرد:

"صباح الخير."

لم نكن نتحدث كثيرًا.

لكنني كنت أعرف أن بعض العلاقات لا تحتاج إلى كثرة الكلام كي تثبت وجودها.

وفي صباح هادئ، وصلتني منه رسالة طويلة.

فتحتهـا.

كتب:

"كنت أظن أنني أحببتك حين التقيتك."

"ثم اكتشفت أنني أحببتك أكثر حين رأيتك ترحلين دون أن تتخلي عن نفسك."

"كنت أريد امرأة تبقى."

"ثم تعلمت أنني أريد امرأة تستطيع الرحيل، ومع ذلك تختار العودة."

"لا أعرف ماذا سيكتب لنا الغد."

"لكنني أعرف شيئًا واحدًا..."

"أنني لا أريد أن أكون قفصك."

"ولا أريدك أن تكوني هروبي."

"إذا التقينا، فلنلتقِ كاملين."

"وإذا ابتعدنا، فلنحوّل المسافة إلى عقوبة."

"وإذا أحببنا، فلنحب دون أن نخسر أنفسنا."

قرأت الرسالة مرات.

ثم وضعتها في الدفتر.

ولم أجب.

ليس لأنني لا أملك جوابًا.

بل لأن بعض الرسائل أجمل حين نتركها تستقر في القلب قبل أن نرد عليها.

الجزء السادس والسبعون: حين عاد إلى القاهرة

بعد أشهر، رن جرس الباب.

كنت أظن أن أحد أبنائي عاد مبكرًا.

فتحت.

كان هو.

واقفًا أمامي.

لم أقل شيئًا.

ولم يقل شيئًا.

كان يحمل حقيبة صغيرة.

قلت:

— ماذا تفعل هنا؟

ابتسم.

— جئت أشرب قهوة.

ضحكت.

— قطعت كل هذه المسافة من أجل قهوة؟

قال:

— ربما من أجل القهوة.

ثم صمت قليلًا.

— وربما من أجل امرأة تركت في باريس ظلها، وجاءت إلى مصر تحمل نفسها.

شعرت بالدموع في عيني.

لكنني لم أركض إليه.

فقط قلت:

— هل ستبقى؟

قال:

— إن أردتِ.

تأملته.

ثم قلت:

— لا أريدك أن تبقى لأنني أريدك.

— لماذا؟

— أريدك أن تبقى لأنك تريد أن تكون هنا.

ابتسم.

— لهذا جئت.

دخل.

وأغلقت الباب.

لم يكن بابًا على العالم.

كان بابًا على حياة جديدة.

الجزء السابع والسبعون: ظلُّ امرأةٍ في باريس

في تلك الليلة، جلست إلى جواره.

كان الشارع هادئًا.

والبيت ممتلئًا بأصوات الحياة.

قلت:

— أتذكر أول مرة قلت لك إنني أخاف؟

قال:

— أتذكر.

— كنت أظن أن الحب هو أن أجد شخصًا يحميني من العالم.

نظر إليّ.

— وماذا اكتشفتِ؟

قلت:

— أن الحب الحقيقي هو أن أجد شخصًا لا يجعلني أخاف من نفسي.

ابتسم.

وضعت رأسي على كتفه.

لم أشعر أنني فقدت حريتي.

ولم أشعر أنه فقد حريته.

كان هناك مكان لي.

ومكان له.

ومساحة واسعة بيننا تكفي لكي نتنفس.

فهمت أخيرًا أن المسافة ليست دائمًا جدارًا.

أحيانًا تكون نافذة.

وأن القرب ليس أن نلتصق حتى نختنق.

بل أن نعرف أننا نستطيع أن نبتعد خطوة، دون أن يسقط الحب.

فتحت دفتري للمرة الأخيرة.

كتبت:

"كنت أظن أنني جئت إلى باريس لأهرب من حياتي."

"فاكتشفت أنني جئت لألتقي بها."

"كنت أظن أنني أبحث عن رجل."

"فاكتشفت أنني كنت أبحث عن المرأة التي ضاعت مني."

"كنت أظن أن الحب هو أن يمسك أحدهم بيدي."

"فاكتشفت أن الحب الأصدق هو أن يمسك المرء بيده، ثم يمدها إليك دون أن يجبرك عليها."

ثم توقفت.

نظرت إلى الصفحة.

وشعرت أن الحكاية لم تعد تحتاج إلى المزيد.

لأن بعض الروايات لا تنتهي حين تتوقف الكلمات.

تنتهي حين يتغير الإنسان الذي بدأها.

وأنا...

لم أعد المرأة التي وصلت إلى باريس تحمل حقيبة من الخوف.

ولا المرأة التي جلست أمام السين تبحث عن رجلٍ ينقذها.

ولا المرأة التي كانت تخلط بين الحب والانتظار.

كنت امرأة عادت من الغياب.

امرأة عرفت أن الوطن ليس مكانًا فقط.

وأن الغربة ليست مدينة.

وأن الحب ليس امتلاكًا.

وأن الرحيل ليس دائمًا فقدًا.

وأن بعض الأبواب التي أُغلقت في وجوهنا كانت تحمينا من حياة لم تكن تشبهنا.

رفعت رأسي.

كان الفجر يقترب.

فتحت النافذة.

دخل الهواء.

وفي مكان بعيد جدًا، خلف البحر والطرق والسنوات، كانت باريس تستيقظ.

تذكرت السين.

وتذكرت المقعد.

وتذكرت الرجل.

ثم ابتسمت.

لم أعد أحتاج إلى العودة إلى الماضي.

فالماضي لم يعد يطالبني بشيء.

لقد أخذت منه ما يكفيني:

امرأةً أعرفها الآن.

امرأة لا تخاف أن تحب.

ولا تخاف أن ترحل.

ولا تخاف أن تبقى.

امرأة تعرف أن قلبها بيتها الأول.

وأن من يدخل هذا البيت...

عليه أن يحترم أبوابه ونوافذه ومساحاته.

ثم كتبت السطر الأخير:

"لم تكن باريس ظلّي... كنت أنا الظل الذي عبر باريس، حتى تعلّمت أن أمشي في الضوء."

أغلقت الدفتر.

وأطفأت المصباح.

وحين جاء الصباح...

لم أنتظر أحدًا.

كنت قد وصلت.

النهاية.

ظلُّ امرأةٍ في باريس

بقلم الكاتبة الروائية هويدا حجاجي أحمد – مصر

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى