هناك نصوص شعرية تُكتب عن الحب، وأخرى تُكتب من داخل الحب نفسه. ونص «قسم النشوة الأولى» ينتمي إلى النوع الثاني؛ إذ لا يبدو الشاعر راوياً لتجربة عاطفية بقدر ما يبدو غارقاً في قلبها، مستسلماً لدهشتها الأولى، تلك الدهشة التي لا تتكرر إلا مرة واحدة في العمر، ثم يظل الإنسان يطارد صداها في كل ما يأتي بعدها.
يفتتح الشاعر نصه بصيغة القسم، وهي صيغة ذات حمولة وجدانية عالية، لا تُستخدم إلا حين يبلغ الشعور ذروة يقينه. لكنه لا يقسم بالمألوف، بل يقسم بعناصر من عالم العشق ذاته:
«وأقسم بما للشوق على الشوق من حيل»
وهنا تبدأ القصيدة في بناء عالمها الخاص، حيث يصبح الشوق كائناً مستقلاً يمتلك حيله وأسراره، ويغدو الحب منظومة كاملة من الرموز والمشاعر التي تتجاوز حدود الواقع.
تعتمد بنية النص على تكرار مفردة «الأولى»، وهي ليست مجرد وصف زمني، بل مفتاح دلالي للنص كله. فالنظرة الأولى، والقبلة الأولى، واللهفة الأولى، والنشوة الأولى، والرعشة الأولى، واليقظة الأولى... كلها تشكل معاً احتفاءً بلحظة الميلاد العاطفي الأولى، تلك اللحظة التي يرى فيها الإنسان العالم بعين مختلفة، ويشعر أن الأشياء اكتسبت أسماء جديدة.
ويبدو الشاعر هنا مشغولاً بفكرة البداية بوصفها أكثر اللحظات نقاءً وصدقاً. فكل ما يأتي بعد البداية يحمل شيئاً من الاعتياد، أما البدايات فتبقى محتفظة ببراءتها الأولى، ولهذا يمنحها كل هذا الاحتفاء الشعري.
ومن أجمل ما في النص انتقاله السلس بين الحواس المختلفة. فالعشق عند أحمد بشار لا يُرى فقط، بل يُشم ويُلمس ويُعاش:
«بأنكِ النشوة الأولى لعطرٍ يشاغب بين مسامات الأنفاس بلا خجل»
هنا تتحول الرائحة إلى كائن مشاكس، ويتحول العطر إلى لغة خفية تتسلل إلى الروح قبل الجسد. وهي صورة تعكس قدرة الشاعر على توظيف الحواس في خدمة المعنى العاطفي.
كما يلفت الانتباه الحضور الكثيف لمفردات الضوء والفجر والصبح والأمل، وهي مفردات تجعل الحبيبة مرتبطة بفكرة الانبعاث والتجدد. فهي ليست مجرد معشوقة، بل نقطة تحول وجودية تنقل الشاعر من العتمة إلى الضوء، ومن الانتظار إلى اليقين.
وفي المقطع الختامي يبلغ النص ذروة شاعريته حين يقول:
«فأغدو كالقادم من أجلٍ مسمى الضياء إلى أجل»
وهي صورة عميقة تتجاوز الغزل إلى البعد الفلسفي؛ إذ يصبح اللقاء رحلة وجودية بين زمنين، وبين قدرين، وبين حالتين من الوعي. هنا لا يعود الحب مجرد عاطفة، بل يتحول إلى شكل من أشكال الخلاص الروحي.
لغوياً، يعتمد النص على لغة شاعرية كثيفة ومترعة بالاستعارات والانزياحات، مع إيقاع داخلي ناعم يتولد من التكرار والتوازي والتركيب الموسيقي للجمل. كما ينجح الشاعر في خلق حالة وجدانية متصاعدة تجعل القارئ يشعر أنه ينتقل من نشوة إلى أخرى حتى نهاية النص.
في المحصلة، يقدم أحمد بشار الحلاق قصيدة تحتفي بالبدايات العاطفية الأولى، وتمنحها بعداً إنسانياً وجمالياً يتجاوز حدود التجربة الشخصية. إنها قصيدة عن اللحظة التي يولد فيها الحب، وعن الإنسان حين يكتشف أن نظرة واحدة قد تكون كافية لتغيير مصير قلب بأكمله.
هويدا حجاجي أحمد
كاتبة وروائية وناقدة أدبية
**************************((((((
النص
قَسَمُ النَّشْوَةِ الأُولَى
وَأُقْسِمُ بِمَا لِلشَّوقِ
عَلَى الشَّوقِ مِنْ حِيَلْ
بِأَنَّكِ النَّظْرَةُ الأُولَى الَّتِي
تَشَهَّتْ بِهَا مَا لِلْعِشْقِ مِنْ مُقَلْ...
وَبِأَنَّكِ الْقُبْلَةُ الأُولَى لِشِفَاهٍ أَدْمَنَتِ الصَّمْتَ لِحِينٍ
فَاسْتَفَاقَ الْحِينُ بِصُبْحِ الْعِنَاقِ عَلَى عَجَلِ
وَأَنَّكِ اللَّهْفَةُ الأُولَى لِكَأْسٍ أَزَلِيِّ الْغَرَامِ.. مُلْتَاعٍ بِالْهَوَى ثَمِلْ
وَأُقْسِمُ بِمَا لِلنَّدَى عَلَى الزَّهْرِ مِنْ بَلَلْ
بِأَنَّكِ النَّشْوَةُ الأُولَى لِعِطْرٍ يُشَاغِبُ بَيْنَ مَسَامَاتِ الأَنْفَاسِ بِلَا خَجَلِ
وَبِأَنَّكِ الرَّعْشَةُ الأُولَى لِنَبْضَةٍ تَسْرِي فِي أَوْرِدَةِ لُقْيَاكِ بِلَا مَلَلِ
وَأُقْسِمُ بِمَا لِلْحُلْمِ عَلَى الْحُلْمِ مِنْ لَيْلٍ مَا بِهِ وَجَلْ
بِأَنَّكِ الْيَقَظَةُ الأُولَى لِفَجْرٍ بِهِ يَمْتَطِي الصُّبْحُ صَهْوَةَ الأَمَلِ
وَيَغُدُّ سَيْرَ الْيَقَظَةِ الدَّافِئَةِ إِلَى لُقْيَاكِ
فَأَغْدُو كَالْقَادِمِ مِنْ أَجَلٍ مُسَمَّى الضِّيَاءِ إِلَى أَجَلْ
//@ديوان سِفْرُ العَاشِقيْنَ// أحمد بشار الحلاق
يفتتح الشاعر نصه بصيغة القسم، وهي صيغة ذات حمولة وجدانية عالية، لا تُستخدم إلا حين يبلغ الشعور ذروة يقينه. لكنه لا يقسم بالمألوف، بل يقسم بعناصر من عالم العشق ذاته:
«وأقسم بما للشوق على الشوق من حيل»
وهنا تبدأ القصيدة في بناء عالمها الخاص، حيث يصبح الشوق كائناً مستقلاً يمتلك حيله وأسراره، ويغدو الحب منظومة كاملة من الرموز والمشاعر التي تتجاوز حدود الواقع.
تعتمد بنية النص على تكرار مفردة «الأولى»، وهي ليست مجرد وصف زمني، بل مفتاح دلالي للنص كله. فالنظرة الأولى، والقبلة الأولى، واللهفة الأولى، والنشوة الأولى، والرعشة الأولى، واليقظة الأولى... كلها تشكل معاً احتفاءً بلحظة الميلاد العاطفي الأولى، تلك اللحظة التي يرى فيها الإنسان العالم بعين مختلفة، ويشعر أن الأشياء اكتسبت أسماء جديدة.
ويبدو الشاعر هنا مشغولاً بفكرة البداية بوصفها أكثر اللحظات نقاءً وصدقاً. فكل ما يأتي بعد البداية يحمل شيئاً من الاعتياد، أما البدايات فتبقى محتفظة ببراءتها الأولى، ولهذا يمنحها كل هذا الاحتفاء الشعري.
ومن أجمل ما في النص انتقاله السلس بين الحواس المختلفة. فالعشق عند أحمد بشار لا يُرى فقط، بل يُشم ويُلمس ويُعاش:
«بأنكِ النشوة الأولى لعطرٍ يشاغب بين مسامات الأنفاس بلا خجل»
هنا تتحول الرائحة إلى كائن مشاكس، ويتحول العطر إلى لغة خفية تتسلل إلى الروح قبل الجسد. وهي صورة تعكس قدرة الشاعر على توظيف الحواس في خدمة المعنى العاطفي.
كما يلفت الانتباه الحضور الكثيف لمفردات الضوء والفجر والصبح والأمل، وهي مفردات تجعل الحبيبة مرتبطة بفكرة الانبعاث والتجدد. فهي ليست مجرد معشوقة، بل نقطة تحول وجودية تنقل الشاعر من العتمة إلى الضوء، ومن الانتظار إلى اليقين.
وفي المقطع الختامي يبلغ النص ذروة شاعريته حين يقول:
«فأغدو كالقادم من أجلٍ مسمى الضياء إلى أجل»
وهي صورة عميقة تتجاوز الغزل إلى البعد الفلسفي؛ إذ يصبح اللقاء رحلة وجودية بين زمنين، وبين قدرين، وبين حالتين من الوعي. هنا لا يعود الحب مجرد عاطفة، بل يتحول إلى شكل من أشكال الخلاص الروحي.
لغوياً، يعتمد النص على لغة شاعرية كثيفة ومترعة بالاستعارات والانزياحات، مع إيقاع داخلي ناعم يتولد من التكرار والتوازي والتركيب الموسيقي للجمل. كما ينجح الشاعر في خلق حالة وجدانية متصاعدة تجعل القارئ يشعر أنه ينتقل من نشوة إلى أخرى حتى نهاية النص.
في المحصلة، يقدم أحمد بشار الحلاق قصيدة تحتفي بالبدايات العاطفية الأولى، وتمنحها بعداً إنسانياً وجمالياً يتجاوز حدود التجربة الشخصية. إنها قصيدة عن اللحظة التي يولد فيها الحب، وعن الإنسان حين يكتشف أن نظرة واحدة قد تكون كافية لتغيير مصير قلب بأكمله.
هويدا حجاجي أحمد
كاتبة وروائية وناقدة أدبية
**************************((((((
النص
قَسَمُ النَّشْوَةِ الأُولَى
وَأُقْسِمُ بِمَا لِلشَّوقِ
عَلَى الشَّوقِ مِنْ حِيَلْ
بِأَنَّكِ النَّظْرَةُ الأُولَى الَّتِي
تَشَهَّتْ بِهَا مَا لِلْعِشْقِ مِنْ مُقَلْ...
وَبِأَنَّكِ الْقُبْلَةُ الأُولَى لِشِفَاهٍ أَدْمَنَتِ الصَّمْتَ لِحِينٍ
فَاسْتَفَاقَ الْحِينُ بِصُبْحِ الْعِنَاقِ عَلَى عَجَلِ
وَأَنَّكِ اللَّهْفَةُ الأُولَى لِكَأْسٍ أَزَلِيِّ الْغَرَامِ.. مُلْتَاعٍ بِالْهَوَى ثَمِلْ
وَأُقْسِمُ بِمَا لِلنَّدَى عَلَى الزَّهْرِ مِنْ بَلَلْ
بِأَنَّكِ النَّشْوَةُ الأُولَى لِعِطْرٍ يُشَاغِبُ بَيْنَ مَسَامَاتِ الأَنْفَاسِ بِلَا خَجَلِ
وَبِأَنَّكِ الرَّعْشَةُ الأُولَى لِنَبْضَةٍ تَسْرِي فِي أَوْرِدَةِ لُقْيَاكِ بِلَا مَلَلِ
وَأُقْسِمُ بِمَا لِلْحُلْمِ عَلَى الْحُلْمِ مِنْ لَيْلٍ مَا بِهِ وَجَلْ
بِأَنَّكِ الْيَقَظَةُ الأُولَى لِفَجْرٍ بِهِ يَمْتَطِي الصُّبْحُ صَهْوَةَ الأَمَلِ
وَيَغُدُّ سَيْرَ الْيَقَظَةِ الدَّافِئَةِ إِلَى لُقْيَاكِ
فَأَغْدُو كَالْقَادِمِ مِنْ أَجَلٍ مُسَمَّى الضِّيَاءِ إِلَى أَجَلْ
//@ديوان سِفْرُ العَاشِقيْنَ// أحمد بشار الحلاق