الدكتورة دينا عبدالرحمن - "لاعب الشطرنج"... معركة العقل فوق رقعة الأبيض والأسود حين تتحول اللعبة إلى معركة من أجل بقاء العقل

تعد رواية "لاعب الشطرنج" (أو اللعبة الملكية) للكاتب النمساوي ستيفان زفايج تحفة أدبية نفسية قصيرة نُشرت عام 1941، وتدور حول صراع ذهني على متن سفينة بين بطل العالم المتعجرف في الشطرنج وغريب غامض هارب من جحيم النازية، وتُسلط الضوء على الهوس الفكري وتأثير العزلة القاسية على العقل.
بوينس آيرس، حيث يتواجد "ميركو تشينتوفيتش" بطل العالم في الشطرنج؛ وهو شخص أمي وجاهل في كل مجالات الحياة ولكنه يمتلك عبقرية آلية فذة في تحريك القطع والتنبؤ بالحركات. ينجح ركاب السفينة في إقناعه بلعب مباراة ضد أحد الركاب، وأثناء سير المباراة يتدخل راكب غامض يُدعى "دكتور ب." لإنقاذ الموقف بتوجيه ضربات عبقرية للبطل، مما يثير فضول الركاب لمعرفة قصته.
لا تنتمي رواية "لاعب الشطرنج" ل "ستيفان تسفايغ" إلى ذلك اللون من الأعمال التي تنتهي بانتهاء أحداثها، وإنما تظل ممتدة في ذهن القارئ، تثير أسئلة تتجاوز حدود الحكاية إلى تأملات تتصل بطبيعة الإنسان وقدرته على مقاومة القهر. فعلى الرغم من قصر حجم الرواية، فإنها تختزن رؤية فلسفية ونفسية عميقة، تجعل من لعبة الشطرنج وسيلة لاستكشاف العلاقة بين الحرية والاستبداد، والعقل والعزلة، والانتصار والهزيمة.
ويكتسب عنوان الرواية دلالة خاصة؛ إذ لم يختر الكاتب "الشطرنج" عنوانًا، وإنما اختار لاعب الشطرنج"، لينقل مركز الثقل من اللعبة إلى الإنسان. فالاهتمام لا ينصرف إلى القواعد والحركات، وإنما إلى النفس التي تتحرك فوق رقعة الحياة، وإلى الثمن الذي قد يدفعه العقل حين يصبح ميدانًا للصراع.
تتجاوز رواية لاعب الشطرنج" حدود الحكاية التي تتمحور حول مباراة شطرنج بين لاعبين مختلفين في الطباع والخبرة؛ إذ تطرح سؤالًا وجوديًا عن قدرة الإنسان على مقاومة القهر حين تُسلب منه الحرية، فلا يبقى أمامه سوى عقله ملاذًا أخيرًا. ومن هنا يغدو الشطرنج أكثر من لعبة ذهنية، ليصبح استعارة كبرى للصراع بين القوة الغاشمة والوعي الإنساني، وبين السجن المادي والحرية الكامنة في الفكر.
الأحداث على ظهر سفينة تعبر المحيط، وهو اختيار لا يخلو من دلالة رمزية؛ فالسفينة ليست مجرد مكان للأحداث، بل عالم صغير يجتمع فيه أفراد ينتمون إلى طبقات وثقافات مختلفة، بينما يظل كل واحد منهم أسيرًا لعزلته الخاصة. ومن هذا الفضاء المغلق تنفتح الرواية على فضاءات نفسية رحبة، حيث تتراجع الحركة الخارجية أمام الحركة الداخلية للعقول والضمائر.
وفي لحظة لاحقة يعثر السجين مصادفة على كتاب يتناول مباريات الشطرنج، فيتحول هذا الاكتشاف البسيط إلى نقطة فاصلة في مصيره. ولم يعد الكتاب مجرد أوراق، وإنما صار نافذة يطل منها على الحياة، ووسيلة لإنقاذ ذاته من الانهيار النفسي. وتكشف هذه المفارقة عن إيمان عميق بقيمة المعرفة؛ فالكلمة تستطيع أحيانًا أن تمنح الإنسان قدرة على الاحتمال تعجز عنها القوة المادية.
ومنذ الصفحات الأولى "ينجح" تسفايغ في تأجيل كشف أسرار شخصياته، فلا يمنح القارئ صورة مكتملة، وإنما يتركها تتشكل تدريجيًا عبر الاسترجاع والحوار، فيزداد التشويق النفسي عمقًا، ويتحول السرد إلى رحلة لاكتشاف الإنسان أكثر من اكتشاف الحدث.
تبدأ الرواية في فضاء على ظهر سفينة، غير أن هذا المكان المحدود ينفتح تدريجيًا على عوالم نفسية شديدة الاتساع. ويكشف البناء السردي عن براعة في تأجيل الحقيقة؛ فكل شخصية تحمل سرًا لا ينكشف دفعة واحدة، وإنما يتشكل عبر طبقات متتابعة من السرد، مما يجعل القارئ شريكًا في إعادة تركيب الأحداث وفهم دوافعها.
ومن أكثر المقاطع دلالة ذلك الاعتراف الذي يرد على لسان "الدكتور ب"، حين يقول إنه وجد نفسه في "فراغ مطلق" لا كتاب فيه ولا ورقة ولا حديث ولا نافذة يطل منها على العالم. هذا التصوير المكثف لا يصف عزلة مكانية فحسب، بل يكشف عن نوع آخر من التعذيب، يقوم على تجريد الإنسان من كل ما يغذي وعيه. فالفراغ هنا يتحول إلى أداة تقييد لا تقل قسوة عن القيود الحقيقية.
غير أن الرواية لا تقع في تمجيد العقل تمجيدًا مطلقًا، بل تكشف جانبه المظلم أيضًا. فالانغماس الكامل في مباريات الشطرنج يدفع "الدكتور ب" إلى الانقسام الداخلي، حتى يصبح خصمًا لنفسه. وهنا تتجلى براعة الكاتب في تصوير التحولات النفسية الدقيقة؛ إذ يغدو العقل، الذي بدأ وسيلة للنجاة، سببًا في تهديد صاحبه. وتلك مفارقة إنسانية بالغة العمق، تؤكد أن الفضيلة إذا تجاوزت حد الاعتدال انقلبت إلى نقيضها.
وتبلغ الرواية ذروتها عندما يجلس "الدكتور ب" أمام بطل العالم في الشطرنج. ولا تبدو المباراة منافسة رياضية بقدر ما تبدو مواجهة بين عالمين؛ أحدهما يعتمد الحفظ الآلي والمهارة التقنية، والآخر يحمل ذاكرة مثقلة بالعذاب وتجربة وجودية صنعتها العزلة. ومن ثم فإن كل نقلة على الرقعة تستدعي مواجهة أعمق تدور داخل النفس قبل أن تدور فوق مربعات الشطرنج.
وتتجلى قيمة الرمز في الرواية من خلال رقعة الشطرنج ذاتها؛ فهي صورة مصغرة للعالم، حيث تتجاور القوة والضعف، والانتصار والهزيمة، والحساب الدقيق والمفاجأة. وكل حركة محسوبة قد تغيّر مصير المباراة، تمامًا كما تستطيع لحظة واحدة أن تغيّر مصير الإنسان في الحياة.
أما اللغة، فتتميز بالاقتصاد والدقة والقدرة على النفاذ إلى أعماق الشخصية من دون إسهاب. فلا يعتمد السرد على الزخرفة اللفظية، وإنما يحقق تأثيره عبر الإيحاء والإيقاع النفسي، فتغدو الجملة مشحونة بما هو أكثر مما تصرح به. ويمنح هذا الأسلوب الرواية كثافة فنية تجعل القارئ يعيد تأمل كثير من المقاطع بعد الفراغ منها لأن الجمل محملة بإيحاءات تتجاوز معناها المباشر، وهو ما يمنح الرواية كثافة فكرية تجعلها قابلة لإعادة القراءة، لأن كل قراءة تكشف طبقة جديدة من الدلالات.
وتكشف الشخصيات عن ثنائية لافتة بين العبقرية والفراغ. فبطل العالم في الشطرنج يملك موهبة استثنائية، لكنه يبدو فقيرًا في عالمه الإنساني، بينما يحمل "الدكتور ب" ثقافة واسعة وحساسية مرهفة، غير أن التجربة القاسية تركت في داخله شروخًا لا تندمل. ومن خلال هذا التضاد تطرح الرواية سؤالًا مهمًا: هل تكفي الموهبة وحدها لصنع إنسان متكامل، أم أن التجربة الإنسانية هي التي تمنح المعرفة معناها الحقيقي؟
، تقف شخصية "ميركو تشينتوفيتش" على الطرف الآخر من المعادلة. فبطل العالم في الشطرنج يمتلك قدرة استثنائية على اللعب، لكنه يبدو محدود الثقافة، فقير الخيال، شديد البرود. فيقدم الكاتب مقابلة دقيقة بين عقلين؛ عقل تشكل عبر المعاناة والثقافة والتأمل، وعقل يعتمد على المهارة المجردة وحدها. ومن ثم لا تصبح المباراة مواجهة بين لاعبين، بل بين رؤيتين مختلفتين للإنسان.
غير أن الرواية لا تقدم العقل باعتباره قوة معصومة من الانهيار؛ فالإفراط في الانشغال بالشطرنج يقود "الدكتور ب" إلى انقسام داخلي حاد، حتى يعترف في لحظة كاشفة: "كنت ألعب ضد نفسي." وتختزل هذه العبارة القصيرة مأساة كاملة؛ إذ تتحول اللعبة من وسيلة للنجاة إلى سبب في التشظي، ويصبح الخصم الحقيقي هو الذات التي أنهكتها العزلة. ومن خلال هذه المفارقة يكشف الكاتب أن الإنسان قد ينجو من السجن، لكنه يظل يحمل آثاره في أعماقه.
ويعتمد البناء السردي على الانتقال بين الحاضر والماضي بسلاسة لافتة، فلا يأتي الاسترجاع مجرد وسيلة لسرد الوقائع، بل أداة للكشف التدريجي عن أعماق الشخصيات. كما يؤدي الصمت دورًا لا يقل أهمية عن الحوار؛ فالمسكوت عنه كثيرًا ما يفوق المنطوق تأثيرًا، ويمنح الرواية توترًا نفسيًا متصاعدًا يجعل القارئ شريكًا في استكمال المعنى.
وتكتسب رقعة الشطرنج دلالة رمزية واسعة؛ فهي صورة مصغرة للعالم، تتحرك فوقها الشخصيات وفق حسابات دقيقة، كما يتحرك البشر داخل الحياة وفق قوانين لا يدركونها دائمًا. وكل نقلة تحمل احتمال النصر أو الهزيمة، تمامًا كما قد يغيّر قرار واحد مصير إنسان بأكمله. ومن هنا تتحول الرقعة إلى استعارة للوجود الإنساني بكل ما يحمله من صراع وتردد ومفاجآت.
ولا تنتهي الرواية بانتصار طرف على آخر، وإنما تنتهي بانتصار فكرة. فالإنسان قد يُهزم جسديًا، وقد يُحاصر ويُعزل ويُجرد من كل شيء، لكن السيطرة على الفكر تظل المهمة الأصعب. وفي الوقت نفسه تحذر من أن العقل، إذا استسلم لهواجسه وأغلق أبوابه على ذاته، قد يتحول إلى سجن آخر لا يقل قسوة عن السجن الحقيقى.
لقد نجح "ستيفان تسفايغ" في بناء عمل قصير الحجم، عظيم الأثر، يجمع بين التشويق النفسي والتأمل الفلسفي، ويجعل من لعبة الشطرنج لغة قادرة على التعبير عن أكثر القضايا الإنسانية تعقيدًا. ولهذا بقيت «لاعب الشطرنج» من الأعمال التي لا تُقرأ بحثًا عن نهاية الأحداث، وإنما تُقرأ لاكتشاف ما يمكن أن يفعله العقل حين يُترك وحيدًا في مواجهة العزلة، وما يمكن أن يفعله الاستبداد حين يحاول إخضاع الوعي قبل الجسد.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى