حين يحلم الحمار بالسلطة: قراءة تحليلية ل" حكاية حمار حضرة العمدة" للأديب سعيد أبو ضيف
بقلم: فاتن صبحي
في "حكاية حمار حضرة العمدة" للأديب القاص سعيد أبو ضيف لا تبدو الحكاية من عنوانها مجرد حكاية طريفة عن حمار فإضافة حضرة العمدة إلى الحمار تضعنا من البداية أمام علاقة تتجاوز الحيوان إلى السلطة التي يستمدها من صاحبه وتفتح الباب أمام قراءة ساخرة لواقع اجتماعي وسياسي تتحول فيه السلطة إلى امتياز ينتقل حتى إلى من يقترب منها. فالحمار الذي "تراءى له في المنام أنه الحمار الأوحد الذي يركبه العمدة فقط" لا يكتفي بهذا الامتياز وإنما سرعان ما يحوله إلى شعور بالاستحقاق فيقرر أن يكون "رئيسًا على جمهورية كل شعبها من الحمير". ومن هنا تأتي المفارقة التي تبنى عليها القصة إذ إن الحمار لا يمتلك مقومات القيادة لكنه يمتلك القرب من صاحب السلطة وكأن الانتماء إلى دائرة النفوذ يغني عن الكفاءة والاستحقاق.
ويختار الكاتب عالم الحمير ليعيد من خلاله تشكيل العالم الإنساني في صورة ساخرة فلا يعود الحيوان مجرد عنصر غرائبي في الحكاية وإنما يصبح قناع تتخفى خلفه سلوكيات بشرية الأمر الذي يمنح الكاتب مساحة واسعة للنقد دون الوقوع في المباشرة. فحمار العمدة يتصرف بعقلية صاحب السلطة ويصدر قراراته وكأنها قوانين واجبة التنفيذ فيمنع ذكور الحمير من الاقتراب من الأُتن الشابة ثم يدعو إلى اجتماع عام ليعلن رؤياه ويفرض تأويله عليها. وهنا لا تكمن السخرية في مضمون القرار وحده وإنما في الطريقة التي تتحول بها الرغبة الشخصية إلى "قرار له صفة القانون" وكأن السلطة قادرة على منح الأهواء الخاصة صفة المصلحة العامة.
وتزداد المفارقة وضوح حين ينقسم شعب الحمير بين الصمت والفرح فبعض الأُتن "رقصن فرحًا وابتهاجًا بهذا القرار" بينما تلتزم أخريات الصمت. وهذا الانقسام لا يبدو مجرد موقف داخل عالم الحيوان وإنما يرسم صورة للجماعة حين تتعامل مع السلطة فهناك من يرى في قربه من صاحب النفوذ فرصة للصعود وهناك من يدرك أن القرار يمثل تهديد له لكنه لا يمتلك سوى الصمت. وهكذا تصبح الحكاية الساخرة أكثر اتساعًا لأنها لا تسخر من صاحب القرار وحده وإنما ترصد أيضاً اختلاف استجابات الجماعة أمام السلطة بين القبول والمصلحة والخوف والعجز.
ومن الملاحظ أن الكاتب لا يقدم الحمار بوصفه مجرد كائن داخل الحكاية وإنما يمنحه سلوك إنساني يجعله أداة للكشف عن بعض مظاهر السلوك البشري. فحمار العمدة يحلم بالسلطة ويسعى إلى الهيمنة ويصدر القرارات بينما تتباين مواقف الحمير الأخرى بين الخوف والصمت والمصلحة ويقوم شيخ الخفراء بدور الوسيط الذي يفهم لغة الجميع ويتحرك بين صاحب السلطة ومن يخضعون لها. ومن خلال هذا العالم الحيواني يعيد الكاتب تمثيل علاقات إنسانية مألوفة فيصبح الحمار وسيلة فنية للحديث عن السلطة والخضوع والمصلحة والخوف لا غاية الحكاية في ذاتها. وبذلك تتخذ الحكاية شكلها الرمزي الساخر إذ يضع الكاتب سلوك إنساني داخل عالم الحيوان ليجعله أكثر وضوحاً وأشد قدرة على إثارة المفارقة.
غير أن الكاتب لا يبقي القارئ طويلاً في دائرة السخرية المتعلقة بحمار العمدة وإنما ينقل الحكاية إلى مستوى أوسع حين يتدخل حمار شيخ الخفر فيصبح الحوار بين الحمار وصاحبه مدخل لكشف منظومة السلطة الاقتصادية والاجتماعية في القرية. وهنا يظهر العمدة نفسه بوصفه شخصية غائبة عن المشهد لكنها حاضرة في كل تفاصيله. فغياب العمدة الجسدي لا يعني غياب سلطته إذ إن قراراته تملأ القرية وتصل آثارها إلى الفلاحين والحمير معًا. فالكاتب لا يحتاج إلى أن يجعل العمدة يتحدث بنفسه لأن سلطته أصبحت شبكة تتحرك من خلال الآخرين.
ويكشف مشهد "دكة النورج القديم" عن هذه السلطة في صورتها الاقتصادية حين نعرف أن العمدة احتكر حصاد ودراس وطحن كل قمح البلدة والبلاد المجاورة ثم جعل تلك العمليات محظورة على الفلاحين إلا باستخدام آلاته. وبذلك لا يعود العمدة مجرد مسئول إداري وإنما محتكر للموارد ووسائل الإنتاج يريد أن يعرف "مصير أي حبة قمح في بيوت الفلاحين أو في المطحن أو في مخازن التجار". وهنا تتخطى القصة حدود الحكاية عن حمار لتقدم صورة عن السلطة حين تتداخل مع الاحتكار فتتحول السيطرة على القرار إلى سيطرة على لقمة العيش نفسها.
ومن خلال البرسيم يبني الكاتب سلسلة ساخرة تكشف كيف يمتد أثر القرار الواحد إلى حياة المجتمع كله. فرفع سعر البرسيم لا يبقى محصور على الحمير وإنما يؤدي إلى ارتفاع أسعار اللبن ثم الجبن والزبد والعلف حتى يقول شيخ الخفر: "ومنذ رفع سعر البرسيم.. جفت الضروع.. فارتفع سعر اللبن والجبن والزبد تبعاً لذلك" ويبدو البرسيم هنا أكثر من مجرد طعام للحيوان إنه رمز لكل مورد أساسي لا يستطيع المجتمع الاستغناء عنه ومن يملك القدرة على التحكم فيه يمتلك بصورة غير مباشرة القدرة على التأثير في حياة الجميع.
ويمنح الكاتب هذه الفكرة طابع أكثر سخرية حين يجعل الحمار يسأل باستغراب: " وما شأني أنا والحمير أمثالي باللبن؟" فيجيبه الشيخ مستعيد مراحل حياته منذ كان جحش صغير يرضع اللبن حتى أصبح حمار يعتمد على البرسيم. وهكذا يكتشف الحمار أن الأشياء التي تبدو منفصلة عن بعضها ترتبط في النهاية بسلسلة واحدة من القرارات. وهذه الطريقة في بناء الحوار تمنح الفكرة عمقها دون أن يقدمها الكاتب في صورة تقريرية مباشرة فالحوار نفسه هو الذي يكشف العلاقة بين الاقتصاد والسلطة وتأثير القرار في تفاصيل الحياة اليومية.
ويصل النقد الساخر إلى ذروته في تحول عبارة علي عوض إلى رمز للعمدة بعدما صار الفلاحون يرددونها كلما مر بهم. وهنا ينجح الكاتب في تحويل الغضب الشعبي إلى لغة ساخرة فالسلطة التي أرادت أن تفرض قراراتها على الناس تتحول في الوعي الشعبي إلى عبارة تلاحقها وتسخر منها. ولم يعد العمدة مجرد شخص وإنما أصبح اسمه مرتبط في ذاكرة الناس بنتيجة قراراته وآثارها "حمار حضرة العمدة هو أشهر حمار في البلد". والمفارقة هنا أن الشهرة التي كان الحمار يطمح إليها بوصفه حمار العمدة تتحقق بالفعل ولكنها ليست بالضرورة شهرة المجد وإنما شهرة السخرية والارتباط بسلطة أرهقت الناس.
وتظل اللغة واحدة من أهم أدوات السخرية في القصة إذ يمزج الكاتب بين لغة تبدو رسمية وجادة وبين موضوع عبثي فيخلق مفارقة تكشف عبث السلطة أكثر مما تفعله اللغة المباشرة. فعبارات مثل "اتخذ قرارًا له صفة القانون" و" رئيسًا على جمهورية كل شعبها من الحمير" و"إن كان قرارك يصب في مصلحة الشعب فافعل ما تؤمر" تستعير قاموس السلطة والخطاب العام لكنها حين توضع في سياق الحكاية الحيوانية تفقد جديتها الظاهرية وتكشف ما وراءها من مفارقة. والضحك هنا ليس غاية مستقلة بل وسيلة لتمرير نقد أكثر مرارة.
أما النهاية فتترك القارئ أمام ابتسامة لا تخلو من الالم. فعندما يُقال لحمار العمدة: "إن كان قرارك يصب في مصلحة الشعب فافعل ما تؤمر" تبدو في ظاهرها استسلام لكنها في باطنها تحمل سخرية لاذعة من الخطاب الذي يبرر القرارات دائمًا باسم المصلحة العامة. فالجماعة التي لم تعد قادرة على مواجهة السلطة لا تملك إلا أن تسلم أمرها بينما تتحول عبارة المصلحة العامة إلى غطاء يمكن أن تمرر تحته قرارات لا علاقة لها بمصلحة أصحابها.
ومن ثم فإن "حكاية حمار حضرة العمدة" تنجح في أن تجعل من الحكاية الساخرة وسيلة للكشف عن الإنسان في علاقته بالسلطة وعن السلطة حين تتجاوز حدودها لتصبح احتكار للقرار والموارد وعن المجتمع حين يجد نفسه بين الخوف والصمت والمصلحة والعجز. والحمار في النهاية ليس هو الموضوع الحقيقي للقصة كما أن العمدة ليس مجرد شخصية ساخرة وإنما كلاهما جزء من بناء رمزي واسع يجعل القارئ يضحك من عالم الحمير ثم يكتشف أن أكثر ما يثير الضحك فيه ليس بعيد عن عالم البشر. ولعل هذه هي المفارقة الأهم التي يتركها النص: أن الكاتب حين جعل الحمير تتكلم لم يكن يبحث عن عالم أكثر غرابة وإنما عن مسافة فنية يستطيع من خلالها أن يرى عالم الإنسان بوضوح أكبر.
بقلم: فاتن صبحي
في "حكاية حمار حضرة العمدة" للأديب القاص سعيد أبو ضيف لا تبدو الحكاية من عنوانها مجرد حكاية طريفة عن حمار فإضافة حضرة العمدة إلى الحمار تضعنا من البداية أمام علاقة تتجاوز الحيوان إلى السلطة التي يستمدها من صاحبه وتفتح الباب أمام قراءة ساخرة لواقع اجتماعي وسياسي تتحول فيه السلطة إلى امتياز ينتقل حتى إلى من يقترب منها. فالحمار الذي "تراءى له في المنام أنه الحمار الأوحد الذي يركبه العمدة فقط" لا يكتفي بهذا الامتياز وإنما سرعان ما يحوله إلى شعور بالاستحقاق فيقرر أن يكون "رئيسًا على جمهورية كل شعبها من الحمير". ومن هنا تأتي المفارقة التي تبنى عليها القصة إذ إن الحمار لا يمتلك مقومات القيادة لكنه يمتلك القرب من صاحب السلطة وكأن الانتماء إلى دائرة النفوذ يغني عن الكفاءة والاستحقاق.
ويختار الكاتب عالم الحمير ليعيد من خلاله تشكيل العالم الإنساني في صورة ساخرة فلا يعود الحيوان مجرد عنصر غرائبي في الحكاية وإنما يصبح قناع تتخفى خلفه سلوكيات بشرية الأمر الذي يمنح الكاتب مساحة واسعة للنقد دون الوقوع في المباشرة. فحمار العمدة يتصرف بعقلية صاحب السلطة ويصدر قراراته وكأنها قوانين واجبة التنفيذ فيمنع ذكور الحمير من الاقتراب من الأُتن الشابة ثم يدعو إلى اجتماع عام ليعلن رؤياه ويفرض تأويله عليها. وهنا لا تكمن السخرية في مضمون القرار وحده وإنما في الطريقة التي تتحول بها الرغبة الشخصية إلى "قرار له صفة القانون" وكأن السلطة قادرة على منح الأهواء الخاصة صفة المصلحة العامة.
وتزداد المفارقة وضوح حين ينقسم شعب الحمير بين الصمت والفرح فبعض الأُتن "رقصن فرحًا وابتهاجًا بهذا القرار" بينما تلتزم أخريات الصمت. وهذا الانقسام لا يبدو مجرد موقف داخل عالم الحيوان وإنما يرسم صورة للجماعة حين تتعامل مع السلطة فهناك من يرى في قربه من صاحب النفوذ فرصة للصعود وهناك من يدرك أن القرار يمثل تهديد له لكنه لا يمتلك سوى الصمت. وهكذا تصبح الحكاية الساخرة أكثر اتساعًا لأنها لا تسخر من صاحب القرار وحده وإنما ترصد أيضاً اختلاف استجابات الجماعة أمام السلطة بين القبول والمصلحة والخوف والعجز.
ومن الملاحظ أن الكاتب لا يقدم الحمار بوصفه مجرد كائن داخل الحكاية وإنما يمنحه سلوك إنساني يجعله أداة للكشف عن بعض مظاهر السلوك البشري. فحمار العمدة يحلم بالسلطة ويسعى إلى الهيمنة ويصدر القرارات بينما تتباين مواقف الحمير الأخرى بين الخوف والصمت والمصلحة ويقوم شيخ الخفراء بدور الوسيط الذي يفهم لغة الجميع ويتحرك بين صاحب السلطة ومن يخضعون لها. ومن خلال هذا العالم الحيواني يعيد الكاتب تمثيل علاقات إنسانية مألوفة فيصبح الحمار وسيلة فنية للحديث عن السلطة والخضوع والمصلحة والخوف لا غاية الحكاية في ذاتها. وبذلك تتخذ الحكاية شكلها الرمزي الساخر إذ يضع الكاتب سلوك إنساني داخل عالم الحيوان ليجعله أكثر وضوحاً وأشد قدرة على إثارة المفارقة.
غير أن الكاتب لا يبقي القارئ طويلاً في دائرة السخرية المتعلقة بحمار العمدة وإنما ينقل الحكاية إلى مستوى أوسع حين يتدخل حمار شيخ الخفر فيصبح الحوار بين الحمار وصاحبه مدخل لكشف منظومة السلطة الاقتصادية والاجتماعية في القرية. وهنا يظهر العمدة نفسه بوصفه شخصية غائبة عن المشهد لكنها حاضرة في كل تفاصيله. فغياب العمدة الجسدي لا يعني غياب سلطته إذ إن قراراته تملأ القرية وتصل آثارها إلى الفلاحين والحمير معًا. فالكاتب لا يحتاج إلى أن يجعل العمدة يتحدث بنفسه لأن سلطته أصبحت شبكة تتحرك من خلال الآخرين.
ويكشف مشهد "دكة النورج القديم" عن هذه السلطة في صورتها الاقتصادية حين نعرف أن العمدة احتكر حصاد ودراس وطحن كل قمح البلدة والبلاد المجاورة ثم جعل تلك العمليات محظورة على الفلاحين إلا باستخدام آلاته. وبذلك لا يعود العمدة مجرد مسئول إداري وإنما محتكر للموارد ووسائل الإنتاج يريد أن يعرف "مصير أي حبة قمح في بيوت الفلاحين أو في المطحن أو في مخازن التجار". وهنا تتخطى القصة حدود الحكاية عن حمار لتقدم صورة عن السلطة حين تتداخل مع الاحتكار فتتحول السيطرة على القرار إلى سيطرة على لقمة العيش نفسها.
ومن خلال البرسيم يبني الكاتب سلسلة ساخرة تكشف كيف يمتد أثر القرار الواحد إلى حياة المجتمع كله. فرفع سعر البرسيم لا يبقى محصور على الحمير وإنما يؤدي إلى ارتفاع أسعار اللبن ثم الجبن والزبد والعلف حتى يقول شيخ الخفر: "ومنذ رفع سعر البرسيم.. جفت الضروع.. فارتفع سعر اللبن والجبن والزبد تبعاً لذلك" ويبدو البرسيم هنا أكثر من مجرد طعام للحيوان إنه رمز لكل مورد أساسي لا يستطيع المجتمع الاستغناء عنه ومن يملك القدرة على التحكم فيه يمتلك بصورة غير مباشرة القدرة على التأثير في حياة الجميع.
ويمنح الكاتب هذه الفكرة طابع أكثر سخرية حين يجعل الحمار يسأل باستغراب: " وما شأني أنا والحمير أمثالي باللبن؟" فيجيبه الشيخ مستعيد مراحل حياته منذ كان جحش صغير يرضع اللبن حتى أصبح حمار يعتمد على البرسيم. وهكذا يكتشف الحمار أن الأشياء التي تبدو منفصلة عن بعضها ترتبط في النهاية بسلسلة واحدة من القرارات. وهذه الطريقة في بناء الحوار تمنح الفكرة عمقها دون أن يقدمها الكاتب في صورة تقريرية مباشرة فالحوار نفسه هو الذي يكشف العلاقة بين الاقتصاد والسلطة وتأثير القرار في تفاصيل الحياة اليومية.
ويصل النقد الساخر إلى ذروته في تحول عبارة علي عوض إلى رمز للعمدة بعدما صار الفلاحون يرددونها كلما مر بهم. وهنا ينجح الكاتب في تحويل الغضب الشعبي إلى لغة ساخرة فالسلطة التي أرادت أن تفرض قراراتها على الناس تتحول في الوعي الشعبي إلى عبارة تلاحقها وتسخر منها. ولم يعد العمدة مجرد شخص وإنما أصبح اسمه مرتبط في ذاكرة الناس بنتيجة قراراته وآثارها "حمار حضرة العمدة هو أشهر حمار في البلد". والمفارقة هنا أن الشهرة التي كان الحمار يطمح إليها بوصفه حمار العمدة تتحقق بالفعل ولكنها ليست بالضرورة شهرة المجد وإنما شهرة السخرية والارتباط بسلطة أرهقت الناس.
وتظل اللغة واحدة من أهم أدوات السخرية في القصة إذ يمزج الكاتب بين لغة تبدو رسمية وجادة وبين موضوع عبثي فيخلق مفارقة تكشف عبث السلطة أكثر مما تفعله اللغة المباشرة. فعبارات مثل "اتخذ قرارًا له صفة القانون" و" رئيسًا على جمهورية كل شعبها من الحمير" و"إن كان قرارك يصب في مصلحة الشعب فافعل ما تؤمر" تستعير قاموس السلطة والخطاب العام لكنها حين توضع في سياق الحكاية الحيوانية تفقد جديتها الظاهرية وتكشف ما وراءها من مفارقة. والضحك هنا ليس غاية مستقلة بل وسيلة لتمرير نقد أكثر مرارة.
أما النهاية فتترك القارئ أمام ابتسامة لا تخلو من الالم. فعندما يُقال لحمار العمدة: "إن كان قرارك يصب في مصلحة الشعب فافعل ما تؤمر" تبدو في ظاهرها استسلام لكنها في باطنها تحمل سخرية لاذعة من الخطاب الذي يبرر القرارات دائمًا باسم المصلحة العامة. فالجماعة التي لم تعد قادرة على مواجهة السلطة لا تملك إلا أن تسلم أمرها بينما تتحول عبارة المصلحة العامة إلى غطاء يمكن أن تمرر تحته قرارات لا علاقة لها بمصلحة أصحابها.
ومن ثم فإن "حكاية حمار حضرة العمدة" تنجح في أن تجعل من الحكاية الساخرة وسيلة للكشف عن الإنسان في علاقته بالسلطة وعن السلطة حين تتجاوز حدودها لتصبح احتكار للقرار والموارد وعن المجتمع حين يجد نفسه بين الخوف والصمت والمصلحة والعجز. والحمار في النهاية ليس هو الموضوع الحقيقي للقصة كما أن العمدة ليس مجرد شخصية ساخرة وإنما كلاهما جزء من بناء رمزي واسع يجعل القارئ يضحك من عالم الحمير ثم يكتشف أن أكثر ما يثير الضحك فيه ليس بعيد عن عالم البشر. ولعل هذه هي المفارقة الأهم التي يتركها النص: أن الكاتب حين جعل الحمير تتكلم لم يكن يبحث عن عالم أكثر غرابة وإنما عن مسافة فنية يستطيع من خلالها أن يرى عالم الإنسان بوضوح أكبر.