ماجد القيسي - قراءة في نص (ظل امرأة في باريس) للكاتبة والروائية هويدا حجاجي أحمد

يقدم نص (ظل امرأة في باريس) للكاتبة والروائية هويدا حجاجي أحمد سردًا يمزج بين العاطفة والغموض، ويبدأ من موقف يبدو بسيطًا: امرأة تتلقى رسالة من رجل يحمل لها اعترافًا عاطفيًا، ثم تكتشف تدريجيًا أن الرسالة ليست سوى مدخل إلى حكاية أقدم وأكثر تعقيدًا. ومن خلال هذا الانتقال، يتحول النص من سؤال الحب إلى سؤال الذاكرة والحقيقة والماضي.


IMG-20260906-WA0003.jpg

أولًا: البناء السردي وتصاعد الكشف

يعتمد النص على بناء يقوم على تأجيل المعلومة وإعادة توزيعها على مراحل. فالرسالة الأولى تؤسس للعلاقة العاطفية، بينما تكشف الرسالة الثانية عن طبقة خفية في العلاقة، ثم تأتي الإشارة إلى (رسالة العشرين عامًا) لتفتح الماضي بوصفه منطقة مجهولة.

وهذا التدرج يمنح السرد حركة تصاعدية واضحة؛ إذ لا يحصل القارئ على الحقيقة دفعة واحدة، وإنما يعاد تشكيل فهمه للأحداث كلما ظهرت معلومة جديدة. وتزداد أهمية هذه التقنية لأن بعض المعلومات اللاحقة لا تضيف إلى الحكاية فقط، بل تجعل القارئ يعيد قراءة ما سبقها من زاوية مختلفة.

ويستند السرد في القسم الأكبر منه إلى منظور البطلة، لذلك لا يعرف القارئ أكثر مما تعرفه، بل يشاركها حالة التردد والشك. ومن هنا يأتي التشويق أساسًا من محدودية المعرفة، لا من كثرة الأحداث.

ثانيًا: السرد النفسي والزمن

يمنح النص مساحة واسعة للحوار الداخلي، وهو ما يجعل التجربة العاطفية تُروى من داخل الشخصية لا من خارجها. فالأسئلة التي تطرحها البطلة على نفسها، وترددها قبل فتح الرسالة، وحركتها بين الهاتف والنافذة والورقة، كلها تكشف صراعًا لا يحتاج إلى حدث خارجي كي يتصاعد.

وتبرز هنا مفارقة الزمن النفسي والزمن الزمني للأحداث. ففترة قصيرة من الانتظار تتحول إلى زمن داخلي طويل بسبب التردد، بينما يختصر السرد عشرين عامًا في جملة واحدة، ثم يعيد الماضي إلى الواجهة باعتباره أمرًا لم يُحسم. وبذلك يصبح الزمن في النص وسيلة للكشف، لا مجرد إطار تقع داخله الأحداث.

ثالثًا: المكان بين الاغتراب والذاكرة

اختارت الكاتبة باريس بوصفها فضاءً مناسبًا لحكاية امرأة تحاول الابتعاد عن ماضيها. فالمدينة الأوروبية لا تُقدَّم من خلال معالمها السياحية، وإنما من خلال ليلها وشارعها ومطرها ومقهى قريب من السين. وهذا الاختيار يبعد المكان عن الصورة السياحية المألوفة ويجعله جزءًا من التجربة السردية.

وتكتسب النافذة وظيفة أكثر تحديدًا؛ فهي الموقع الذي تتلقى منه البطلة العالم الخارجي دون أن تشارك فيه مباشرة. ولذلك ترتبط في النص بالمراقبة والتأمل وانتظار ما سيأتي.

أما المقهى قرب السين، فيؤدي وظيفة مختلفة؛ إنه مرتبط ببداية معرفة البطلة بحمد، ومن ثم يصبح علامة على اللقاء الأول الذي سيُعاد تفسيره لاحقًا عندما نكتشف أن ذلك اللقاء لم يكن عابرًا كما ظنت.

وبذلك لا تحتاج الرموز المكانية كلها إلى الدلالة على الشيء نفسه؛ فالمدينة تؤسس فضاء الاغتراب، والنافذة تحدد موقع الشخصية من العالم، والمقهى يرتبط بذاكرة اللقاء، بينما يعمل الشارع بوصفه فضاءً مفتوحًا يقابل عزلتها الداخلية.


IMG-20260906-WA0006.jpg

رابعًا: العنوان ورمزية الظل

يُعد عنوان (ظل امرأة في باريس) من المفاتيح المهمة لفهم النص. فكلمة (ظل) تحمل معنى المرافقة دون الحضور الكامل؛ شيء يتبع الشخصية لكنه لا يظهر بصورة مباشرة. وهذا ينسجم مع وجود ماضٍ لا نعرف تفاصيله في البداية، لكنه حاضر في سلوك البطلة وخوفها من الحب.

كما أن العنوان لا يقول (امرأة في باريس) فقط، بل يضيف (الظل)، وبذلك يضع منذ البداية احتمال وجود حياة ثانية خلف الحياة الظاهرة. ومع تقدم الأحداث، يصبح هذا الظل أقرب إلى سر شخصي منه إلى مجرد صورة شعرية.

خامسًا: الثنائيات والصراع الداخلي

ينظم النص مجموعة من الثنائيات: الحب والخوف، الإفصاح والصمت، المعرفة والجهل، الحاضر والماضي. لكن أهمها هو التناقض بين قدرة البطلة على الكتابة وعجزها عن الاعتراف المباشر.

فهي حين تتلقى اعتراف حمد لا تجيبه باعتراف مماثل، وإنما تختار عبارة (ترف الضياء). وهذه العبارة تؤدي وظيفة سردية تتجاوز جمالها اللغوي؛ فهي تسمح للبطلة بأن تستجيب عاطفيًا دون أن تمنح موقفًا نهائيًا.

وهنا تصبح اللغة نفسها وسيلة للمراوغة النفسية. البطلة لا تصمت تمامًا، ولا تتكلم بوضوح، وإنما تختار منطقة وسطى تستطيع فيها أن تحافظ على مسافة بينها وبين الاعتراف.

وتظهر المفارقة في أن الكتابة تمنحها السيطرة على اللغة، لكنها لا تمنحها السيطرة الكاملة على مشاعرها. ولذلك تأتي (ارتجافة اليد) بوصفها علامة جسدية على ما تعجز اللغة عن حسمه.

سادسًا: حمد وإعادة تشكيل صورة العاشق

تبدأ صورة حمد بوصفه عاشقًا يكتب للمرأة التي يحبها، لكن الرسالة الثانية تنقل الشخصية إلى منطقة أكثر التباسًا. فعندما يقول إنه لم يلتقِ بها مصادفة، وإن شخصًا طلب منه مراقبتها، يتغير موقعه في الحكاية.

وهذه النقلة ناجحة لأنها لا تقدم شخصية جديدة، وإنما تعيد تعريف الشخصية الموجودة. فالقارئ نفسه الذي قرأ رسالته الأولى بوصفها اعترافًا عاطفيًا، يجد نفسه مضطرًا إلى التساؤل عن دوافعه السابقة.

غير أن هذا المسار يفرض على الحبكة مسؤولية لاحقة: ينبغي أن تأتي التفسيرات المرتقبة منسجمة مع المعطيات السابقة، حتى لا يتحول الغموض إلى مجرد سلسلة من المفاجآت.

سابعًا: الرسالة بوصفها تقنية سردية

الرسالة هي أهم أداة في النص، لأنها تقوم بثلاث وظائف في الوقت نفسه: تكشف مشاعر حمد، وتدفع البطلة إلى اتخاذ موقف، ثم تفتح باب الماضي.

واللافت أن الرسالة لا تُستخدم فقط لنقل المعلومات، بل تتحول إلى حدث بحد ذاتها. انتظار فتحها، والخوف منها، وإعادة قراءتها، ثم اكتشاف ما تخفيه، كلها مراحل تمنح الرسالة حضورًا دراميًا.

أما (الرسالة التي وصلت قبل عشرين عامًا)، فهي أكثر من تفصيل غامض؛ إنها حلقة وصل بين زمنين، ومن خلالها يتحول الماضي إلى لغز ينتظر الكشف.

ثامنًا: النهاية المفتوحة ووظيفة التشويق

ينتهي النص عند لحظة تتسع فيها الأسئلة بدل أن تضيق. فمن أرسل حمد؟ من هو الرجل الذي كان يعرف البطلة؟ ما مضمون الرسالة القديمة؟ ولماذا لم تُفتح؟

قيمة النهاية المفتوحة هنا أنها لا تترك القارئ أمام سؤال واحد يتعلق بالعلاقة العاطفية، وإنما تعيد توجيه اهتمامه نحو أصل الحكاية. وهذا يمنح الفصل التالي ضرورة درامية، لأن الكشف المرتقب لم يعد متعلقًا بمصير الحب وحده، بل بمصير شخصية كاملة.

تاسعًا: اللغة والأسلوب

تجمع الكاتبة بين سرد واضح وعبارات ذات حس شعري، خصوصًا في وصف الضوء والمطر والنافذة والحركة الداخلية للشخصية. وتمنح لغة الرسائل مساحة أكبر للشاعرية مقارنة بلغة السرد.

ويُحسب للنص أن الشعرية لا تأتي منفصلة تمامًا عن الحدث، بل ترتبط غالبًا بلحظات التوتر العاطفي. وفي المقابل، فإن بعض المواضع التي تتكرر فيها صور القلب والخوف والصمت يمكن اختزالها دون أن تفقد الحكاية تأثيرها، وهو ما قد يمنح السرد في الفصول اللاحقة سرعة أكبر ويجعل لحظات الكشف أكثر قوة.

خاتمة

يتمثل الجانب الأبرز في (ظل امرأة في باريس) في تحويل قصة عاطفية إلى مدخل لحكاية أوسع عن الذاكرة والسر والماضي. فالحب هنا ليس غاية الحكاية، وإنما وسيلة لاكتشاف ما ظلت البطلة تحاول الابتعاد عنه.

ومن خلال الرسائل، وتقييد المعرفة بمنظور البطلة، والانتقال بين الحاضر والماضي، تبني الكاتبة مسارًا تشويقيًا يقوم على الكشف التدريجي. أما العنوان فيختصر جوهر التجربة: امرأة تبدو موجودة في باريس، لكن شيئًا من حياتها القديمة ما يزال يسير معها كظل.

والسؤال الذي يتركه النص مفتوحًا ليس فقط: (من أرسل حمد؟)، وإنما سؤال أعمق: (هل كانت البطلة تهرب من الحب فعلًا، أم كانت تهرب من الحقيقة التي جعلتها تخاف الحب؟)

بقلم: الأديب والناقد العراقي ماجد القيسي

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى