أ. د. سناء الشعلان (بنت نعيمة) - "مصطلح الكتابة النسوية" الكتابة النسوية أهي تصنيف أدبي أم عنصرية جندريّة ذات تبخيسية؟

"مصطلح الكتابة النسو يظهر مصطلح أو صفة الكتابة النسوية قطعة فسيفسائية واضحة في المشهد الإبداعي المعاصر، لا سيما إذا كان في معرض تقييم المنتج الإبداعي الذي أنتجته المرأة، وهذا المصطلح الذي كاد يصبح حالة تصنيفية ثابتة للتمييز بين الأدب الذي تنتجه المرأة، والأدب الذي ينتجه الرجل بات من الملّح التوقف عنده ملياً؛ لأنه يجزم بكلّ صراحة بأنّ الأدب/الإبداع يغدو متغيراً كبيراً في معادلة الجنس، فهو يفترض مسبقاً قبل إخضاع المنتج لمعايير الجنس الأدبي المنتمي إليه أنّ له خصائص فارقة تميّزه، أو لنقل تسمه بالنقص؛ لأنّه أدب أنتجته المرأة، وبذا يصبح مصطلح الكتابة النسوية حكماً معيارياً مسبقاً على أدب المرأة، وهذا يجعله ذا أبعاد تبخيسية من وجهة نظر عنصرية جندرية، تحلّ أدب المرأة مواطناً ثانياً في دنيا الإبداع، وَفْقَاً لجنسها دون التوقّف بعين الحياد عند عملها، ليُستنطق من ذاته، ويُحاكم بأدوات نقدية تنبع من جنسه الأدبي.
فمصطلح الكتابة النسوية محاولة جديدة بأسلوب عصري مقصود يزاوج بفكر ذكوري عجيب بين هيمنة سلطة الرجل، وبين إرضاء الحركات التحريرية النسوية، بإضفاء صفة الشرعية المكتسبة على ما يكتبن داخل عباءة الرجل، وبذلك يغدو مصطلح الكتابة النسوية قيمة تبخيسية لما تنتج المرأة، ويجعلها في الصفّ الثاني بعد الرجل، ويسم منتجها بالأنوثة العدو الأوّل لهيمنة الذكورة في مجتمع وضع الرجل فيه معايير وشروط الحكم والتلقي بل والإنتاج.
وهذا كلّه يقودنا إلى بدايات خروج المرأة عن قيود الرجل وقهره، فمنذ الستينات سعتْ حركات تحرير المرأة في العالم التي قادتها فرجينيا وولف وسيمون دي بوفوار اللتين هاجمتا المجتمع الأبوي الغربي الذي يمنع المرأة من تحقيق طموحاتها الأدبية، فضلاً عن حرمانها اقتصادياً وثقافياً، إلى وضع المرأة في سياق هوية خاصة تهدف إلى تحرير الخطاب النسوي من سمة هيمنة الرجل. وتعدّ سنة 1969 بداية لهذه الثورة في الغرب، التي جاء ظهور التفكيكية على يد جاك ديريدا داعماً لها؛ لأنّه شكّك بمبدأ الأدب النظري للنقد الأدبي، وأكدّ العلاقة الخلافية بين الحضور والغياب، وما دام الأمر كذلك، فإنّ المجال مفتوح على مصرعيه أمام المرأة، لتتجاوز المعايير والقوالب الجامدة، وتشتق معايير أخرى جديدة.
ولا بدّ أنّ المرأة الخارجة عن نير الرجل الذي قمع منتجها قروناً طويلة قد بغت في تأكيدها على خصوصية أدبها أن تبرز تجربتها العاطفية والإنسانية، ومن ثم تُعنى باكتشاف التاريخ الأدبي الموروث للمرأة، وهو تاريخ لطالما همّشته سطوة الرجل المبدع، ومن ثم تسعى بعد ذلك إلى تحديد سمات خاصة للغة المرأة ولأسلوبها، وذلك من خلال التكامل الموصول في الأعمال التي تبدعها المرأة، سواء كانت هذه الأعمال قديمة أم معاصرة، وبذلك كلّه تستطيع المرأة المبدعة أن تفرض نموذجاً على الدراسات النقدية يلغي الفروق بين الذكر والأنثى بما يسمى بالجنسوية، وتصرف الانتباه إلى الهوية الثقافية الأدبية للمنتج، بغضّ النظر عن كونه ذكراً أو أنثى.
وفي ضوء ذلك نستطيع أن ندرك أنّ مصطلح الكتابة النسوية هو تحريف خبيث لمصطلح الخطاب النسوي، ففي حين يتمثّل الأوّل التمييز العنصري في الأدب وفق جنس مبدعه، ينطلق الثاني من خصوصية النسق اللغوي الثقافي في دراسة وفهم ما يصدر عن النساء، كما قد يصدر عن الرجال.
فما تكتبه المرأة، وإن كان منتجاً نسائياً يُعنى بتصوير تجارب النساء اليومية، ومطالبهن ووعيهن الفكري والذاتي والاجتماعي في إطار شرطهن الاجتماعي والاقتصادي، إلا أنّه لا يمكن أن ينفصم عن الإدراك الجمعي، وبذلك لا تغدو جزءاً من هيمنة الرجل الإدراكية، بل جزءاً فاعلاً فيها، وفي رسم محدّدتها، فالمرأة قادرة بلا شك واعتماداً على ما كتبته على أن تنحاز لقضايا المجتمع دون الوقوع في فخ الذاتية، والصدور عن مشاكله ومعاناته، شأنها في ذلك شأن الرجل، دون أن تستبعد إمكانية أن تفوقه في ذلك، فهي حالة إدراكية ليست دون حالة الرجل بأيّ شكل من الأشكال إذا تساوت الشروط الثقافية والاجتماعية.
والإصرار على مصطلح الكتابة النسوية، واتهامها بالرغبة في البقاء تحت عباءة الرجل، وفي حمايته إن رفضته، وحاولت الخروج عليه، ورفضتْ تبخيس أدبها ما هو إلا صورة من صور التقبّل السلبي لمنتج المرأة، فهو لا يختلف كثيراً عن الرفض الذي قُوبلتْ به المرأة في منتصف القرن الماضي مثل اتهامها بأنّ رجالاً يكتبون لها، كما جرى مع وردة اليازجي، التي أُتهمتْ بأنّ أباها وأخاها يكتبان الشعر لها، أو تزهيد ما في الكتابة وتخويفها منها، أو تعريضها لليأس من الكتابة، أو اتهامها بالتطفّل على الكتابة، وأنّ كتابتها دلع، أو إيصالها إلى حافة الجنون، كما حدث مع مي زيادة.
إذن، فالرجل مطالب بالاعتراف بأدب المرأة صنواً له، لا تابعاً له، يتقبّله على مضض، ويعطيه قيمة تبخيسية مسبقة بمصطلح "الكتابة النسوية"، والمرأة الأديبة مطالبة برفض أيّ جندرية في تصنيف أدبها، إنّما إخضاعه وفق تصنيف يعتمد على جنس الأدب ذاته، لا جنس كاتبه، وإحلال مصطلح الخطاب النسوي بديلاً عن مصطلح الكتابة النسوية، وذلك يستوجب مسبقاً العمل على تأكيد دخول المرأة المبدعة في تاريخ الإبداع العالمي، واسترداد الأصوات التي هُمّشتْ عبر التاريخ، والتشاور والتنسيق بين المبدعات والمفكرات، ثم ايجاد حوار ولغة مشتركة بين المرأة والرجل، تعمل على التحرّر من جميع الموروثات المتخلّفة، التي كبّلت إبداع المرأة لقرون طويلة، وصولاً إلى ربط المرأة بشروط ومعطيات واقعها وحياتها وحاجاتها.
فليس خفياً أن تبنّي ما يسمى بجنس الأديب، هو بنية ثقافية أنتجتها التحيزات الذكورية السائدة في الثقافات التي تسم المذكّر بالايجابية، بينما تصف الأنثى بالسلبية، وفق تصنيف جنسوي قصده تبخيس منتج المرأة، والحفاظ على مركزية الرجل القائمة على تهميش المرأة، وعدّها ثانوية أو مضادة لمؤسسات الرجل ولرغباته، وإقصائها عن دورها الإنساني والفكري والإبداعي.
فالمرأة قادرة على الاتصال بمجتمعها بعيداً عن تلك الأسئلة التي يبقيها الرجل في أتون الجدل، حول إن كانت تكتب المرأة بشكل مختلف عن الرجل، وافتراض ذلك جدلاً، ثم ردّ ذلك الاختلاف إلى البيولوجيا والتجربة والخطاب واللاوعي والبعد الاجتماعي. في حين أنّ الخطاب النسوي يؤكد فكرة مفادها أنّ التجربة النسوية للمبدعة هي خطابٌ مستقلٌ بذاته، شأنه في ذلك شأن خطاب الرجل، يُدرسُ من داخله ومن دلالته دون التوقف عند جنس كاتبه، فلا فرق بين ما تكتب المرأة والرجل، إلا بمقدار الفرق بين ما يكتب رجل وآخر، وفق ما أعطي كلّ منهما من موهبة، وسانح ثقافة، وعميق إطلاع، وبذلك يصبح الخطاب النسوي منتجاً له ميزاته البعيدة عن العنصرية الجنسية التي يطرحها مصطلح "الكتابة النسوية"، فالمبدع إنسانٌ بالدرجة الأولى أرجلٌ كان أم امرأة.


بأ. د.سناء الشعلان (بنت نعيمة)/ الأردن

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى