فاتن صبحي عبد المجيد - التجربة السردية عند الأديب أحمد عبد الله إسماعيل.. حين تبحث العدالة عن وجهها بين الذئاب قراءة في رواية «عدالة الذئاب»

بدايةً من العنوان، تضعنا رواية «عدالة الذئاب» للأديب أحمد عبد الله إسماعيل أمام مفارقة لافتة؛ فالعدالة بما تحمله من معنى الحق والإنصاف تأتي إلى جوار الذئاب بما تحمله الكلمة من دلالة على الافتراس والصراع. ومن هذه المفارقة تبدأ رحلة لا تبحث عن العدالة في صورتها المثالية بقدر ما تتتبع الإنسان وهو يحاول أن يجد طريقه إليها وسط عالم تتشابك فيه الخسارات والذكريات والهوية والانتماء.

وتتحرك الرواية عبر عناوين فصولها كما لو أنها محطات في رحلة طويلة: من «الملعب البارد» و«ظل الأمومة» و«جراح القدس» إلى «عدو في المرآة»، ثم «العودة إلى القرية» و«ميلاد جديد» و«الابن الضائع» و«سراب العدالة»، قبل أن تتسع الدائرة مع «الهروب من الذكريات» و«هجرة غير شرعية» و«صراع في المنفى»، ثم «جدار الصمت» و«رسائل» و«من أكون؟!» و«الوصية» و«زلزال» و«ما وراء الأسئلة» و«الجذور» و«اغتيال الفرحة»، وصولًا إلى «وليمة الذئاب». وهذه العناوين لا تبدو مجرد عناوين للفصول، وإنما ترسم بالتدريج الطريق النفسي والإنساني للشخصيات، حتى يصبح العنوان الأخير امتدادًا طبيعيًّا للعنوان الأول.

ومن أبرز ملامح التجربة السردية أن الكاتب لا يجعل سؤال الهوية منفصلًا عن سؤال الذاكرة. فشلومو الذي عاش حياته بهوية مختلفة يجد نفسه أمام حقيقة تقلب صورته عن نفسه، فيكتشف أنه سليمان ابن سمير، فتتحول المرآة من مجرد انعكاس للوجه إلى مساحة لمواجهة الذات والحقيقة. (ص ١٠٥)

ولا تتوقف هذه المواجهة عند سليمان وحده، فسمير نفسه يبحث في ابنه عن سنواته الضائعة. وحين يواجه الحقيقة يقول: «هذا ابني! ظلي الذي يلاحقني»، ثم يسأل نفسه: «أأريده لأنه ابني؟ أم لأنني أبحث في وجهه الذي هو مرآة لشبابي عن مرايا تعيد لي كياني الضائع؟». (ص ٤٠)

وهنا تصبح الأبوة أكثر من رابطة دم؛ تصبح مسئولية وذاكرة ووقتًا ضائعًا لا يمكن استرداده بالكامل.

ومن أكثر المسارات التي تستحق التوقف عندها في الرواية تجربة عفاف أخت سمير. فقد عانت من سوء معاملة زوجها وخيانته، ثم اختارت الهروب مع رجل آخر لمجرد أن عاملها بلطف، تاركةً وراءها أبناءها. والملاحظ أن الكاتب لا يقدم ما فعلته باعتباره مبرِّرًا لما تعرضت له؛ فهو يترك ألمها حاضرًا، لكنه يضع إلى جواره ثمن القرار وآثاره على أبنائها. (ص ٦١ وما بعدها)

وتزداد أهمية هذه التجربة حين نضعها بجوار تجربة سمير نفسه. فعفاف هربت من زواج يؤلمها وتركت أبناءها، وسمير في مرحلة سابقة من حياته هرب من مواجهة إيفا حين عرف بحملها وطلب منها التخلص من الجنين، ثم ابتعد عنها. وتواجهه إيفا بهذا الماضي صراحةً: «لماذا رفضت استمرار زواجنا؟ لماذا طلبت مني التخلص منه؟». (ص ٤٠)

وهنا لم تعد تجربة عفاف مجرد حكاية جانبية، بل جزءًا من مرآة الرواية، إذ يبدو أن الشخصيات قد تقع في الجرح نفسه وإن اختلفت الظروف والأفعال والنتائج. عفاف تهرب من ألمها، وسمير يهرب من مسئوليتها، وفي الحالتين لا يتوقف أثر القرار عند صاحبه، بل يصل إلى الأبناء.

والأهم أن الرواية تعيد سمير نفسه إلى هذا الفعل حين يقف أمام شلومو. فعندما يهرب الابن منه يدرك سمير أن رفضه ليس غريبًا، ويتذكر أنه هو أيضًا «هرب من أول اختبار» للأبوة. (ص ٣٥) وهنا تتحول الأبوة من مجرد رابطة دم إلى مسئولية لها ثمن لا يستطيع الإنسان أن يستعيده كاملًا بمجرد أن يكتشف الحقيقة.

ومن هنا فالرواية تضع أمامنا شخصيتين اختارتا الهروب حين بدا لهما أن المواجهة أقسى من الاحتمال، ثم تعود لتكشف أن الهروب لا يلغي الألم، وإنما قد ينقله إلى أشخاص آخرين. عفاف تركت أبناءها يدفعون ثمن غيابها، وسمير ترك إيفا تواجه مصير حملها وحدها، ثم عاد بعد سنوات يبحث عن الابن الذي أصبح هو نفسه ضحيةً لذلك القرار.

وهنا تتسع دلالة العدالة في الرواية. فالإنسان قد يكون مظلومًا، وقد تكون لديه أسبابه التي دفعته إلى الهروب، لكن الرواية لا تجعل الألم مبرِّرًا لإيذاء الآخرين. ولذلك يبدو اختيار الخيانة في قصة عفاف مهمًّا فنيًّا، لأنه يمنع التجربة من أن تتحول إلى صورة بسيطة لامرأة مظلومة هربت من زوج سيئ، ويضعها بدلًا من ذلك أمام مسئوليتها عن الطريق الذي اختارته والنتائج التي ترتبت عليه.

وفي الوقت نفسه لا يغلق الكاتب الباب أمام عفاف عند حدِّ الخطأ، فالرواية تمنحها مساحة للندم والأمل حين يصل إليها خبر سليمان، فتنفتح أمامها إمكانية الغفران بعد سنوات من الندم. وهكذا تبقى الشخصية إنسانية، لا تُختزل في خطئها ولا في كونها ضحية.

وتزداد المفارقة حين يصل السرد إلى القانون. فسمير يلجأ إلى تحليل الحمض النووي (DNA) لإثبات نسب ابنه، لكن القضية لا تبقى داخل المحكمة، وإنما تتحول إلى قضية عامة وموضوعٍ تتداوله وسائل الإعلام ومواقع التواصل: «تحولت مأساته إلى مسرحية، وابنه إلى قضية، وألمه إلى محتوى». (ص ٤٢) وهنا تلتقط الرواية جانبًا آخر من الألم، فليس كل ما يتحول إلى قضية عامة يستعيد لصاحبه حقه الإنساني.

ومن خلال سمير وسليمان تتسع دائرة الحكاية من الأسرة إلى المكان والوطن والهوية. فمصر ليست مجرد مكان في الرواية، وإنما جزء من الذاكرة التي تستعيد نفسها بالتدريج، ويظهر النيل بوصفه خيطًا يصل سليمان بماضٍ لم يعشه لكنه يشعر بجذوره حين يقترب منه، فيصفه الكاتب بأنه ظهر له «كخيط من زمن ضائع». (ص ٨٨)

وهنا يصبح سؤال الهوية أكثر تعقيدًا، فسليمان لا يكتشف أبًا غائبًا فحسب، وإنما يكتشف جزءًا من نفسه كان غائبًا عنه. ولهذا تتحول رحلة البحث عن الأب إلى رحلة بحث عن الذات، ويصبح الوطن جزءًا من هذا البحث.

وتتكرر في الرواية فكرة أن الخوف يمكن أن يصبح وسيلة لصناعة العداوة. يقول جهاد لسمير: «الخوف مرض قديم يا سمير ونحن مجرد ذرائع لتبريره». (ص ٨٣) وهي جملة تختصر جانبًا مهمًّا من التجربة، فالإنسان حين يعيش طويلًا داخل الخوف قد يرى الآخر من خلال الصورة التي صُنعت عنه، وليس من خلال حقيقته.

ويحسب للرواية أنها لا تحصر صراعها في شخصياتها فقط، بل تجعل المكان شاهدًا على الأحداث، من القرية إلى القدس، ومن الملاعب إلى البحر والمنفى. كما أن حضور المرآة والرسائل والمفكرة والملعب وغيرها من العناصر يمنح السرد خيوطًا رمزية تربط أجزاءه ببعضها.

ومن ناحية البناء الفني تحمل الرواية عددًا كبيرًا من القضايا والمسارات المتشابكة، ولذلك تبدو بعض الانتقالات أحيانًا أسرع من أن تتيح للقارئ التمهل عند التحولات النفسية لبعض الشخصيات. كما أن بعض المواضع تشرح الدلالة بعد أن يكون الحوار أو المشهد قد حملها بالفعل، وكان يمكن ترك مساحة أكبر للقارئ ليستخلص المعنى من حركة الشخصيات وكلماتها. وفي مواضع قليلة تتزاحم الصور والاستعارات، فيحتاج القارئ إلى مساحة أكبر لالتقاط الصورة الأساسية. لكنها ملاحظات تتصل بالإيقاع وطريقة تقديم الفكرة أكثر مما تتصل بجوهر التجربة السردية.

ويظل من أهم عناصر البناء أن الرواية لا تنتهي عند لحظة الكشف عن الحقيقة، وإنما تواصل اختبار الشخصيات أمام نتائج ما حدث. وفي النهاية يصل سليمان إلى إدراك مهم بعد كل ما مرَّ به: «دوامة العنف هذه لا تنتج إلا ضحايا جددًا». (ص ١٤١)

وهنا يعود العنوان مرة أخرى ليأخذ معناه الكامل، فوليمة الذئاب ليست مجرد خاتمة للأحداث، وإنما صورة لعالم يمكن أن يتحول فيه الجميع إلى ضحايا حين يستمر العنف في إنتاج عنف جديد.

إن تجربة الأديب أحمد عبد الله إسماعيل في رواية «عدالة الذئاب» تقوم على تشابك التجربة العائلية مع أسئلة الهوية والذاكرة والانتماء والخوف، وتنجح في أن تجعل مصير الشخصيات مرتبطًا بمصير الأسئلة التي تحملها الرواية. وقد لا تمنحنا الرواية إجابات جاهزة بقدر ما تضع الشخصيات أمام نتائج اختياراتها وتترك للقارئ مساحة للتأمل.

وفي النهاية، ربما يكون السؤال الأهم الذي تتركه الرواية خلفها ليس: من انتصر؟ وإنما: هل يستطيع الإنسان أن يبحث عن العدالة دون أن يفقد إنسانيته في الطريق؟



أحمد عبدالله إسماعيل

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى