هذه القصة لا تحكي عن رجل انتقل من مدينة إلى أخرى، بل عن روحٍ حاولت أن تستبدل جلدها بالصمت، فاكتشفت أن الصمت جلدٌ أضيق من الضجيج. عمرو لم يهرب من وطنه بقدر ما هرب من الاحتكاك، من ذلك التلاصق البشري الذي يجرح ويؤنس في آنٍ معًا. كان يظن أن الازدحام اعتداء، وأن الخصوصية نجاة، لكنه حين بلغ أقصى درجات...
من أسمى تجليات العدالة الربانية والرحمة الإلهية أن الله سبحانه وتعالى لا يؤاخذ عباده بجهالة، ولا يضرب عليهم بسوط العذاب إلا بعد إقامة الحجة واستبانة المحجة؛ مصداقًا لقوله عز وجل في محكم التنزيل: «وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا».
وعليه، فإنّ الذين لم تدركهم شمس الرسالة، ولم...
تنفست المريوطية في ذلك المساء بصعوبة. الترعة راكدة، يغطي سطحها غشاء أخضر يشبه ذاكرة لم تعد قادرة على النسيان، وعلى الضفة تنتصب نخيلات متعبة، تتكئ على الريح كعجائز يرفضن السقوط.
جلس "عادل" خلف مقود سيارته البيجو القديمة، يراقب انعكاس عينيه في المرآة. لم يعد يميز إن كان التعب قد حفرهما أم أن الشك...
……..؟
ليست الكتابة عن فلسطين ترفًا أدبيًا تُملأ به الأوقات الفارغة، أو استجابةً لدافعٍ عابر تمليه اللحظة؛ بل هي في جوهرها عملية "تأريخ للروح" في مواجهة محوٍ قسري يُمارس على الهوية والجغرافيا.
………….؟
حين يقرر الكاتب أن يجعل من فلسطين نبضًا لنصه، فإنه يعبر جسرًا مشتعلا من حيز "المؤلف" إلى رحاب...
في مكتب هادئ، تسمع طنين جهاز التكييف، وصوت نقرات خفيفة وسريعة على لوحة مفاتيح، وصوت تقليب أوراق رصين، يجلس المدير العام، وفي المكتب المجاور حيث يطغى صوت العملاء والأوراق والآلات الحاسبة على أنفاس الموظفين، تتحرك "أميرة" كفراشة هادئة؛ أناقة مفرطة، وصوت خفيض لا يكاد يُسمع، ورزانة تفرض الاحترام على...
في قاعة المحكمة، لم يتسلل البرد من الرخام، بل من الكلمات الجافة التي تبادلها مع زوجته. وقف منصور بصلابة كبريائه الجريح، يرفض التنازل عن شبرٍ واحد من "عناده". على المقاعد المقابلة، جلس طفلاه يرقبان بصمتٍ مرعب تحوّل والدهما إلى "خصم قانوني". حينها، ظن منصور أن كسب القضية هو معركته الوحيدة، ولم...
في مدينة اللامبالاة، استيقظ آدم صباح اليوم وهو يشعر أن قلبه أُنهك من التجاهل. تذكّر عدد المرات التي مدّ فيها يده أولًا، وعدد المرات التي عادت فارغة. لم يكن غاضبًا فحسب، بل متعبًا أيضًا. جلس على حافة السرير، وابتسم ابتسامة باهتة، كمن وجد أخيرًا معادلة تُنهي الفوضى.
أعلنها في قرارة نفسه ثورةً...
في ظلال تقتات من وهج الرصيف، لمحته جالسًا كأثرٍ مَنسيٍّ نبت في شرخ صخريّ. ناداني بصوت نحيل يشبه انكسار الضوء في عين طائر جريح، لكن خلف رهافة ملامحه، ترقد صخور 'منطقة قحافة' وأغلال السخرة العتيقة. حين أجلستُه بجواري، لم أفتح حوارًا، بل فتحت ثقبًا في جدار الواقع؛ لأبصر منه جحيمًا لم تتسع له كتب...
في ظلال تقتات من وهج الرصيف، لمحته جالسًا كأثرٍ مَنسيٍّ نبت في شرخ صخريّ. ناداني بصوت نحيل يشبه انكسار الضوء في عين طائر جريح، لكن خلف رهافة ملامحه، ترقد صخور 'منطقة قحافة' وأغلال السخرة العتيقة. حين أجلستُه بجواري، لم أفتح حوارًا، بل فتحت ثقبًا في جدار الواقع؛ لأبصر منه جحيمًا لم تتسع له كتب...
من وراء زجاج شرفتها في الطابق الثالث، وقفت سارة تراقب العالم كما لو أنه فيلمٌ بلا صوت، بطله المطر. غير أن المشهد في الأسفل خلخل منطق الأشياء: شابٌّ في عمر الحلم، ممدّدٌ وسط الشارع، غارقٌ في بركةٍ من ماءٍ وطين، كأن القاع الذي هرب منه طويلاً قرّر أخيرًا أن يحتضنه.
لم يكن يرتجف.
وذلك وحده كان...
ظنّت أن الأقدار قد ابتسمت لها أخيرًا، تلك اليتيمة التي بحثت عن "أب" في وجوه الغرباء منذ طفولتها، وقد وجدت أخيرًا ما تبحث عنه حين وقفت على عتبة ذلك البيت الريفي الواسع.
استقبلها صِهرها بذراعين مفتوحتين وضحكة دافئة، قبل جبينها أمام الجميع قائلاً: هذه ابنتي التي لم أنجبها.
في تلك اللحظة، شعرت أن...
بين صخب المسافرين وضجيج الحقائب التي تُجرّ على عجلاتٍ متعبة، اتسعت صالة المغادرة لكل شيء إلا لقلبين على وشك الانفطار.
تعلّقت أمل بطرف معطفي. بلغت الخامسة من عمرها، خفيفة الجسد، ثقيلة التمسك. شدّت القماش الصوفي كما لو أنه باب بيتٍ يُغلق ببطء. انحنيتُ إليها، حاولتُ أن أبتسم، أن أشرح لها أن...
الجزء الأول
ثمة كُتّابٌ لا يخطّون الحروف عَبثاً، بل يؤسسون "مشروعاً كينونياً" تتقاطع فيه الرؤية الفلسفية بالصنعة الأدبية. والكاتب أحمد عبد الله إسماعيل واحد من هؤلاء الذين ينتقون مضامينهم بعناية فائقة، غير هيّابٍ من ولوج "عش الدبابير" أو مقاربة المسكوت عنه؛ لذا فإن نصوصه لا تمنح قيادها للقارئ...
يعجبني الإهداء؛ حيث أهدى الكاتب روايته إلى المخيمات المكشوفة؛ لأن أول ما يتبادر إلى الذهن عند مطالعة الإهداء هو الصراع العربي الإسرائيلي وملاحم المقاومة في الأراضي العربية المحتلة وما حدث في دير البلح وخان يونس بمجرد قراءة "المخيمات المكشوفة". وبالتالي فقد نجح الراوي بصورة لافتة أن يبرق ويومض...
عقدت أمي أواصر المودة مع حمامتها البيضاء حتى غدت كفردٍ من العائلة، يربطنا بها أنسٌ لا يقطعه انقطاع. صارت تلك الروح الوديعة مستودع أسراري؛ أبثها زفرات حزني فتهدل مواساةً، وأشاركها ترانيم فرحي فترفرف ببهجةٍ تملأ الأرجاء.
ما زلتُ أذكر انحناءتي عليها بالأمس، حين همستُ لها وهي تنقر كفي بخفة: أيتها...