قصة قصيرة

يَرشف حمزة مِن كأس الشّاي بأناة، وحين يُحاوِل أنْ يبدأ في التّرنّم ببداية قصيدة يحفظها منذ أيّام الدّراسة الثّانويّة، يعابث نفسه، ساخِراً : "ترغب في التّمويه على نفسك؟ كنْ واقِعِيّاً، إنّك قلق، متوجّس مِن أنْ ينفتح الباب فيطِلّ عليك الوجه الذي لا ترغب في رؤيته - وجه محسن - عِوَض الوجه الآخر"...
لم يكن في الحسبان أنه سيعود لقد كان غائبا!! سبعة عشر عاما وهو في طي النسيان، عاش في دائرة خارج الوجود إلا أنه لم يكن غائبا عن نفسي كثيرا ما راودتني الاحلام انه يتلمسني يداعب خصلات شعري الذي كان يشاركه الهواء في مداعبتها... كنت الى الجنون أسير دون وعي قادتني مشاعري الى الضرب بعرض الجدار كل من...
حيدر عاشور اعتاد عَليٌّ أن يزن صِلاته بالبشر بميزان صائغٍ حذر. يغزل للجميع أدباً جماً، ويقف من العالم على مسافة أمانٍ دقيقة؛ مسافةً تصون سلامته الداخلية وتفرض مهابته على الآخرين. تلك كانت نبتة تربيته الأولى، وعقيدته التي رعتها الأيام، فترسخت في نفسه فضيلة التسامي عن هفوات الأقربين وعابري...
في الصَّباح، رأيتُ أمي كأنَّها لا تتعرف على المنزل، ظلَّت تدور فيه كضيفة تخشى أن تَسأل، تتحدث إلى نفسها وتكرر كلمة واحدة لا تكتمل؛ كأنَّها تخجل مِنْ نهايتها، ثُمَّ وجدتها تحمل فستانها الأبيض الذي لم أرَه يخرج مِن الخزانة يومًا، والذي تحول لونه إلى لون رمادي غريب، ترفعه عن الأرضِ وكأنَّها تخشى أن...
رفعت المرأة ربطة الخبز أمام وجه أبي سليم. — شمّ. شمّها. — خبز. شقّت الكيس، وأعطته رغيفًا. — لا. هذا ليس خبزًا. قرّبه من أنفه. كانت رائحة الخميرة أقوى من رائحة الطحين. قال صاحب المخبز، وهو يناول الناس أرغفتهم مسرعًا: المهم نلحق نخبز الكمية. سأله أبو سليم: والعجين؟ — ما له؟ — لم يأخذ وقته. أشاح...
تمثال شدا بأغنيةٍ مجلوبةٍ من خزانة زمنٍ فات، غنّاها قديمًا رجلٌ ذو بشرةٍ سمراء تشبه بشرته، وطيبةٍ في عينيه تشبه طيبته، كانت المدة الزَّمنية بين غناء الأصل وغناء الصّورة مائة عامٍ، وما زاد الأمر غرابةً أنّ صوتيهما الرّخيمين تطابقا إلى درجةٍ مذهلةٍ.. لم يستطيع الجزم بصحة تلك المقارنة سوى...
هادئة، جميلة، قليلة الكلام. تجلس في خجل، وتخفض عينيها كلما ارتفع صوت أحد. سأل عنها، فأخبرته إحدى صديقاتها بحكايتها. قالت له: — أريد رجلًا أشعر معه بالأمان. قال ممدوح: — لن أسمح لأحد أن يؤذيك بعد اليوم. رفعت عينيها إليه بثقة، ولم تقل شيئًا. تزوجها. في البداية أحب هدوءها. لم تكن كثيرة...
.كانت باريس في تلك الليلة أكثر برودة من المعتاد. جلستُ قرب النافذة، أراقب أضواء الشارع وهي تتكسر فوق زجاجها، كأن المدينة تحاول أن تقول شيئًا ولا تجد اللغة المناسبة. كان هاتفي إلى جواري. لم أكن أنتظر رسالة. أو هكذا حاولت أن أقنع نفسي. ثم ظهر اسم حمد على الشاشة. ترددتُ طويلًا قبل أن أفتحها...
لا يا مولانا حاميد اليوسفي (المغرب) قصة قصيرة جدا لم يكن البلد في حالة حرب. المطر يسقط والناس تجوع. خرج مولانا بفتوى يعتبر فيها الصبر على الفقر والجوع واجب وطني فالبلد في حالة حرب. لم يفهم عطوة شيئا. أشعل التلفاز: الناس تغني وترقص. أشعل الراديو: لا حرب في الأخبار. فتح الهاتف: شباب من أعلى الهرم...
كان أبي يقول ، ألتراب حضن كبير يسع كل شيء وهما نقطتان نركض بينهما . كنتُ أراقبه وهو يحمل معوله، يرفع ويضرب التراب بيديه المعروقتين وجبينه الذي رغم تعرجات السنين لم تلوح فيه أي قطرة عرق أو تقطيبة جهد من حاجبيه الأبيضين الساقطين على عينيه وهو يحفر القبور ، وكأن المعول يعرف يده ، يسابقها و...
قتلَ حية. قالوا له: يا لك من شجاع . قتل ذئباً. قالوا له : يا لك من شجاع. قتل ضبعاً. قالوا له: يا لك من شجاع. قبض على لص مسلح. قالوا له: يا لك من شجاع . أسعف رجلاً طاعناً في السن. قالوا له: يا لك من شجاع. أنقذ طفلاً من الغرق. قالوا له: يا لك من شجاع. نام بين القبور. قالوا له : يا لك من شجاع...
خيالات قصة قصيرة : بقلم محمد محمود غدية / مصر فتح عينيه دهشة ومال برأسه إلى الخلف قليلا، أهى حياة جديدة في مثواه الأخير، أم حلم طغى وبغى؟ أسئلة لم يجد لها جواب، كما لم يجد امرأته فى البيت، هجرته، بعد أن قاسمته العيش الرغد، الى أين لايدرى؟ وبالباب إعلان من أولاده، يحجرون عليه! لا تأتى...
إحدى الروايات القديمة تقول: أحب رجل امرأة حسناء، ولم يدرك ذلك إلا في نهاية الرواية، بعد توالي الفصول وسقوط الأوراق في وحل النسيان. عزاؤه أن ورقة واحدة بقيتْ عالقة في ذاكرة الأشتياق، تركها بيضاء ليدوّن عليها بحبره الأسود هزائمه المستمرة، وحربه التي خاضها مع نفسه ولا يدري من منهما الخاسر! عندما...
هل رأيت مدينةً تعلو التل كتاجٍ من نور؟ منذ سنوات، لا تغيب عن عيني؛ أراها كل ليلة من نافذتي، تشتعل كنجمةٍ هاربة من السماء، وتتلالأ كأنها تهمس إليّ. يتحدثون عنها كأنها وطنٌ لم يولد بعد؛ أبواب لا تُفتح إلا للحالمين، وطرقات تصعد إلى حيث لا يصل التعب، وساحات تستقبل القادمين من كل صوب كأنهم أبطال...
حين ضاقت غزة بأهلها، بدأ الأستاذ مصطفى رحلة النزوح التي تشبه الطريق إلى المجهول: من غزة إلى خان يونس، ومن خان يونس إلى رفح، ومن رفح إلى الوسطى، حتى انتهى به المطاف في بلدة تسمى الزوايدة. كانت الزوايدة، وسط ذلك الخراب، تبدو كأنها بقعة نجت من غضب السماء. لم تنجُ تمامًا؛ لها شهداؤها وبيوتها المهدمة...
أعلى