-هنا عاش أجدادك، وهناك ماتوا، ودفنوا في الجوار، كما ترى، حيث تكون مقبرة العائلة الكبيرة الدالة على عراقة البيت، وحيث البيت يُعرَف بمقبرته.
كان أبي يكرّر على مسامعي هذه الكلمة التي أصبحت مثل التعويذة وهي بكامل تهجئتها ونبرتها، وقد حفظتها عن ظهر قلب، تجاوباً مع نصيحة تراءت لي أمراً:
وجود يتوقف على...
" اِنتبه يا ولدي، أنت لا تبصر أمامك!"، تردد التحذير في أذني تماماً كما كان يحدث في طفولتي كلما أوشكتُ على الاصطدام بشيء، قبل أن تستدركني أمي مُلتقِطةً إياي لِتنقذني كعادتها من الخطر. تحذيرها ذاك استمررتُ في سماعه حتى بعد وفاتها بسنوات، حتى بعد غياب ذراعيها المنقِذتين، فصِرتُ أتلقى الضربة تلو...
يا مسافر وحدك...
دقات الساعة تأتي رتيبةً مملةً. متثاقلة تنهض من رقدتها. تزيح الغطاء عن جسدِها. تغادر سريرَها البارد. رائحة الصباح الطرية النديانة تشيع في قلبها الأسى. يهاجمها برد أول الشتوية. يضرب العظام فتسري رعشةٌ خفيفةٌ ينتفضُ لها البدنُ، وتشيع لذةٌ خاطفةٌ في منابت العصب. تبحث بباطن قدمها عن...
استشعر ابتهاجاً غير مسبوق.لعلها المرة الأولى التي ينتابه فيها شعور لم يعش نشوته من قبل، وهو يرى نفسه إزاء تمثال لطالما حلَم به مجسَّداً أمام عينيه. لكَم طال انتظاره له، وهو محمول بمخاضه أياماً وليال ٍ، قلْ سنوات تترى. لم يصدّق أنه صنيعه وهو يدور حوله، لقد كان دورانه أشبه بطواف، وهو يمعن فيه...
يَرشف حمزة مِن كأس الشّاي بأناة، وحين يُحاوِل أنْ يبدأ في التّرنّم ببداية قصيدة يحفظها منذ أيّام الدّراسة الثّانويّة، يعابث نفسه، ساخِراً : "ترغب في التّمويه على نفسك؟ كنْ واقِعِيّاً، إنّك قلق، متوجّس مِن أنْ ينفتح الباب فيطِلّ عليك الوجه الذي لا ترغب في رؤيته - وجه محسن - عِوَض الوجه الآخر"...
لم يكن في الحسبان أنه سيعود لقد كان غائبا!! سبعة عشر عاما وهو في طي النسيان، عاش في دائرة خارج الوجود إلا أنه لم يكن غائبا عن نفسي كثيرا ما راودتني الاحلام انه يتلمسني يداعب خصلات شعري الذي كان يشاركه الهواء في مداعبتها... كنت الى الجنون أسير دون وعي قادتني مشاعري الى الضرب بعرض الجدار كل من...
حيدر عاشور
اعتاد عَليٌّ أن يزن صِلاته بالبشر بميزان صائغٍ حذر. يغزل للجميع أدباً جماً، ويقف من العالم على مسافة أمانٍ دقيقة؛ مسافةً تصون سلامته الداخلية وتفرض مهابته على الآخرين. تلك كانت نبتة تربيته الأولى، وعقيدته التي رعتها الأيام، فترسخت في نفسه فضيلة التسامي عن هفوات الأقربين وعابري...
في الصَّباح، رأيتُ أمي كأنَّها لا تتعرف على المنزل، ظلَّت تدور فيه كضيفة تخشى أن تَسأل، تتحدث إلى نفسها وتكرر كلمة واحدة لا تكتمل؛ كأنَّها تخجل مِنْ نهايتها، ثُمَّ وجدتها تحمل فستانها الأبيض الذي لم أرَه يخرج مِن الخزانة يومًا، والذي تحول لونه إلى لون رمادي غريب، ترفعه عن الأرضِ وكأنَّها تخشى أن...
رفعت المرأة ربطة الخبز أمام وجه أبي سليم.
— شمّ.
شمّها.
— خبز.
شقّت الكيس، وأعطته رغيفًا.
— لا. هذا ليس خبزًا.
قرّبه من أنفه. كانت رائحة الخميرة أقوى من رائحة الطحين.
قال صاحب المخبز، وهو يناول الناس أرغفتهم مسرعًا: المهم نلحق نخبز الكمية.
سأله أبو سليم: والعجين؟
— ما له؟
— لم يأخذ وقته.
أشاح...
تمثال
شدا بأغنيةٍ مجلوبةٍ من خزانة زمنٍ فات، غنّاها قديمًا رجلٌ ذو بشرةٍ سمراء تشبه بشرته، وطيبةٍ في عينيه تشبه طيبته، كانت المدة الزَّمنية بين غناء الأصل وغناء الصّورة مائة عامٍ، وما زاد الأمر غرابةً أنّ صوتيهما الرّخيمين تطابقا إلى درجةٍ مذهلةٍ.. لم يستطيع الجزم بصحة تلك المقارنة سوى...
هادئة، جميلة، قليلة الكلام. تجلس في خجل، وتخفض عينيها كلما ارتفع صوت أحد.
سأل عنها، فأخبرته إحدى صديقاتها بحكايتها.
قالت له:
— أريد رجلًا أشعر معه بالأمان.
قال ممدوح:
— لن أسمح لأحد أن يؤذيك بعد اليوم.
رفعت عينيها إليه بثقة، ولم تقل شيئًا.
تزوجها.
في البداية أحب هدوءها.
لم تكن كثيرة...
.كانت باريس في تلك الليلة أكثر برودة من المعتاد.
جلستُ قرب النافذة، أراقب أضواء الشارع وهي تتكسر فوق زجاجها، كأن المدينة تحاول أن تقول شيئًا ولا تجد اللغة المناسبة.
كان هاتفي إلى جواري.
لم أكن أنتظر رسالة.
أو هكذا حاولت أن أقنع نفسي.
ثم ظهر اسم حمد على الشاشة.
ترددتُ طويلًا قبل أن أفتحها...
لا يا مولانا
حاميد اليوسفي (المغرب)
قصة قصيرة جدا
لم يكن البلد في حالة حرب. المطر يسقط والناس تجوع. خرج مولانا بفتوى يعتبر فيها الصبر على الفقر والجوع واجب وطني فالبلد في حالة حرب.
لم يفهم عطوة شيئا. أشعل التلفاز: الناس تغني وترقص. أشعل الراديو: لا حرب في الأخبار. فتح الهاتف: شباب من أعلى الهرم...
كان أبي يقول ، ألتراب حضن كبير يسع كل شيء وهما نقطتان نركض بينهما . كنتُ أراقبه وهو يحمل معوله، يرفع ويضرب التراب بيديه المعروقتين وجبينه الذي رغم تعرجات السنين لم تلوح فيه أي قطرة عرق أو تقطيبة جهد من حاجبيه الأبيضين الساقطين على عينيه وهو يحفر القبور ، وكأن المعول يعرف يده ، يسابقها و...