كرم الصباغ

حارات الموقف الواسعة تودع سيارات، و تستقبل أخرى وصلت للتو من أسفارها. الصخب يرج المكان، الأبواق زاعقة، و المنادون يهتفون بأسماء المدن و البلاد. تسمع من حين إلى آخر ألفاظ نابية تنفلت من حناجر السائقين، و النساء، و البنات العابرات يسرعن في سيرهن دون التفات. يلقى المارة حقائبهم الثقيلة...
أعمدة الإنارة نوافير ترش الضوء؛ فيعانق النور السيل المنهمر من سماء دمنهور الناعسة. قطرات المطر قابلات يلقنّ الأشجار المبتلة و الأسفلت اللامع نشيد الميلاد. تستيقظ الشوارع من سباتها على وقع خطواتنا، على كراسي الخيزران تنكمش أبداننا حول منضدة في صدر مقهى (البنا) العتيق، نصطلي بدفء الزجاج و سخونة...
خرج من داره، و في عينيه بقية من نعاس. كان النهار لا يزال وليدا، و كان الجو مغلفا بضياء شحيح، امتزج بظلمة، أوشكت أن تنقشع. كان أمين في عجلة من أمره؛ فلم ينتبه إلى تصدع سياج الفناء، الذي بناه منذ سنين باللبن الأخضر. كانت التشققات حديثة، بحيث لم تنتبه إليها زوجته التي خرجت في إثره. اعتلى أمين...
يسير خلفهن بتمهل، راشقا عينيه في أجسادهن، لكنه سرعان ما يتذكر صاحب المزرعة، ذلك الرجل، الذي تهون عليه روحه، و لا تهون عليه خسارة حبة عنب واحدة، و لا يتحمل قلبه خسارة جنيه واحد، يتخيله منفعلا، يوشك أن يصاب بجلطة قلبية أو دماغية من فرط الغضب؛ يخشى أن يستبعده، و يأتي بمقاول أنفار آخر؛ فيستفيق...
للموت رائحة غاز خامل، تسللت إلى رئاتهم ببطء. بينما راحت أعينهم المشدوهة تتفحص الجثة الغارقة في الدم، و التي تمددت بلا حراك على قطعة من حصير مهترئ. قبل وصولهم بدقائق، تعالى صراخها؛ فكان أولئك الخمسة، هم أول من تنبهوا إلى صرخاتها، التي شقت سكون الليل، حيث كانوا عائدين من سفر طويل إلى النجع، في...
في جو قائظ جرجر قدميه على طبقة الأسفلت المتآكلة. ضج الشارع بالمارة، و مرقت السيارات غير آبهة بأحد، و أسرفت في إطلاق عوادمها، مكونة سحبا سوداء، غشي دخانها وجهه المربد؛ فشعر بالاختناق و الغثيان، و ما إن لمح مقهى بلديا، يناسب ما في جيبه من جنيهات معدودات، حتى تقدم نحوه بفارغ الصبر، و ألقى بجسده...
في ساحة الجرن الفسيح نثروا سنابل الشعير على بساط الخيش، و انهمكوا في توزيع العيدان المثقلة بالحبوب على المساحات الفارغة؛ كي تأخذ نصيبها من شمس الربيع الساطعة. يقبل على ظهر حماره بوجه بهي، و جلباب بني رث، و عمامة بيضاء. يشبه لون شاربه و لحيته القصيرة المنمقة، لون سحابة ناصعة، و يضفي عليه...
يقع ضريح سيدي " دمين" في وسط باحة واسعة، تحيط به القبور من جميع الزوايا. ما إن تدخل المقام، حتى تشم بخورا يصعد من المباخر الفضية، ذلك البخور الذي أرخى على المقام دثارا من الوقار و المهابة؛ فتسري في بدنك القشعريرة. و لكن ما إن ترى الستان الذي يغطي الستر و المقام، حتى ترتع عيناك في حقل أخضر؛...
صغارًا كنا، نخرج من المدرسة بعد نصف نهار، نقف على أعتاب بيوتنا بتردد، نخشى أن تحد جدرانها من حركتنا؛ نلقى حقائبنا إلى الداخل، ونرتد سريعًا إلى الوراء، ننطلق إلى البراح، نركض بأقصى سرعة، لا نعبأ بحرارة الجو، أو لهيب الرمل، نثير ضجة، طالما أرقت مضاجع أهالى النجع، وأفسدت عليهم قيلولتهم، نجتمع تحت...
تستيقظ فجرا؛ فتستهل أعمالها المنزلية بإطعام الدواجن، و الإوز، و أفراخ (الكتة)*، و تسارع إلى غرفة الخزين، و تفتح برميل الطحين، و تفرغ قدرا من الدقيق. تنتهي من العجين، و تتركه؛ ليخمر في (ماجور) كبير، و تسارع إلى عرجون النخيل، و تنهمك في كنس الدار. الفتاة تحسن كل شيء، لا تدع خلف عرجونها قشة،...
عادة ما تنفض أسمار المساطب في مثل هذه الساعة من الليل؛ فتسكن حركة الأهالي، و تتلاشى أصوات الساهرين؛ فيملأ النباح الشوارع المظلمة، و تضج الغيطان بنقيق الضفادع، و صفير الصراصير. تغلق الأبواب، و تطفأ المصابيح؛ فتجثم العتمة فوق النجع. تغفو حياة، و تستيقظ حياة أخرى محمومة فوق الفرش، و إلا، فالنوم...
ما إن أبصرت تلك الحديقة المسيجة بسور حديدي و أشجار عالية، حتى انجذبت إلي بابها الصدئ المفتوح على مصراعيه؛ فعبرته في لمح البصر، و لم تمر سوى لحظات، حتى اكتشفت أن المكان مقبض بدرجة مريعة؛ فالصمت مطبق، و الضوء خافت، و الأرض خشنة، و الأعشاب مصفرة، و الزهور ذابلة، و البتلات متيبسة، باهتة...
يقرع سمعه أصوات تصفيق و زغاريد، سرعان ما تتحول إلي صراخ وعويل؛ يتخشب مكانه كتمثال يشتهي الصراخ؛ تفلت من حنجرته حشرجة هزيلة مكتومة، بالكاد تصل إلى أذنيه. تلتهم عيناه الضوء الخافت المنبعث من مصباح الكيروسين؛ يبصر ظلال شخوص وأخيلة تتراءى على حيطان الدار؛ تتحول قدماه إلى مسمارين غائرين، يحاول...
ها أنا أجلس وحيدا بجوار باب هذا الإسطبل، يحاصرني القش، و العطن، و رائحة الروث من كل جانب. من وقت إلى آخر تمد الخيول أعناقها؛ فتتخطى رءوسها الحواجز الخشبية القصيرة، و ترمقني بنظرة استهجان. على ما يبدو أنها تعتقد أنني سجان غليظ. ليتها تعلم أنني مثلها تماما، لا أملك من أمري شيئا؛ فأنا مهرج، بل...
سلام على الطيبين، ضرب التراب بالعصا ذات الرأس المعكوف، ورنا بعينيه الطيبتين إلى سماء من صفو وزرقة وحليب سحاب ممتزج بالتخوم العلوية. عمامة بيضاء كبيرة، جلباب أبيض، و قلب أشد بياضا، وجه صبوح غازل الصباح الوليد ، مدد...مدد..مدد ، الزرع في الغيطان حلو ،والخضرة حياة ،مدد كلمة من نور عطرت الفم ، هتف...

هذا الملف

نصوص
34
آخر تحديث

كتاب الملف

أعلى