كرم الصباغ

يستيقظ، يبلل وجهه الخمري بأحزانه الطازجة، يغلف جسده النحيل بجلبابه ( الكستور)، ينتعل قبقابه الخشبي؛ فيكسر خطوه صمت العزلة، يتجه صوب باب خشبي متهالك يحجبه في تلك الدار الضيقة عن كل ما يجري في الخارج. الأثاث هنا في غاية البساطة؛ فلا تكاد ترى سوى حصير مهترئ، و وسادة من ليف، و أغطية بالية، و أطباق...
البنت فوق أرجوحتها يتنازعها الشوق إلى اللهو تارة، و الخوف من استيقاظ كواكب بشكل مفاجئ تارة أخرى. لقد ودت لو يسدي لها النوم جميلا، بأن يرخي شباكه- و لو قليلا- على زوجة أبيها، ريثما تشبع رغبتها في التأرجح. تثبت عينيها على باب من أبواب الدار، و تدفع الحبال بحذر؛ فتعلو الأرجوحة، و تلامس السقف...
هل يمكنني التحدث إليك في اللحظة الآنية؟! أدر وجهك، و انظر إلى. آه! نسيت أن أخبرك أنك لن تراني؛ فأنا مجرد روح، فارقت جسدها. لقد حدث ذلك منذ زمن بعيد. أجدني أتعجب من هؤلاء، الذين يحاولون الحط من قدر الأرواح، التي مات عنها أصحابها؛ إنهم لا يتورعون عن إلصاق الشرور، و الآثام بتلك الأرواح المسكينة...
بمجرد وصولها إلى المرعى، تقطف الفتاة شيئا من الكلأ الأخضر، وتمده إلى عنزاتها. وما إن تدنو إحدى العنزات، حتى تطوقها بذراعها اليسرى، بينما تبدأ يدها اليمنى في اعتصار حلمتي الضرع برفق، يناسب طباعها الهادئة كفتاة تشبه اليمام، تتنقل بين عنزات خمس حلوبة، مثلت ألبانها مصدر رزقها الوحيد. تغطي آنية...
في جو قائظ جرجر قدميه على طبقة الأسفلت المتآكلة. ضج الشارع بالمارة، و مرقت السيارات غير آبهة بأحد، و أسرفت في إطلاق عوادمها، مكونة سحبا سوداء، غشي دخانها وجهه المربد؛ فشعر بالاختناق و الغثيان، و ما إن لمح مقهى بلديا، يناسب ما في جيبه من جنيهات معدودات، حتى تقدم نحوه بفارغ الصبر، و ألقى بجسده...
الوقت مرايا مهشمة. مشارط الغروب تفتح الجراح المغلقة، و ترتل كتاب الحزن في قلب عجوز. على الحصير المتآكل بسطت المائدة. قرآن المغرب ينثال رخيما من الراديو. أبدا لم تنس وضع الزيتون و تزيين المائدة بصحن التين؛ كي يشق يحيي صومه بالعسل الرطيب. اتكأت على عصا قديمة، جثت أمام فرن الحطب القابع في ذيل...
(1) مرت الليالي الأخيرة ثقيلة؛ فقد طالت غيبته هذه المرة، و القلق غزا قلبها، و الأرق لازم مضجعها. من وقت إلى آخر كانت تتسلل من بين أخوتها، و تتوجه إلى غرفتها، و تحكم إغلاق الباب، و تخرج صورته بلهفة من بين طيات ملابسها. و ما هي إلا لحظات، حتى تسافر روحها إليه؛ فتبصره هناك بهيا، يرابط في برج...
رنت الأرض؛ فرأت الطفل يلهو بين السحاب، يمزح ألوان قوس قزح بأشعة الشمس، و يرسم معارج خضراء، بفرشاة اتخذها من فروع الأشجار السامقة. ما إن يحط على رءوس الجبال، حتى تناديه النجوم؛ فيسارع إلى مداره. و لما يغشاه النعاس، يتخذ خد السحاب وسادة، و ينام. كان الطفل لا يشك أبدا في نسبه؛ فهو- بلا ريب- ابن نجم...
ظلت في نظره شجرة ذات فروع شائكة و ساق زلقة، استعصى عليه تسلقها. و ظل هو في نظرها مجرد قرد شبق؛ فتعمدت إهمال زينتها، كلما غشي الدار التي خصصها لها دون زوجاته الثلاث، و تفننت في صده بحيلها المنفرة، و كلامها الخشن، و عبوسها و تأففها الدائمين في حضرته، و نشوزها الذي أفسد محاولاته اليائسة لوصل...
الليلة ليلة سعدك، تبيتين بين مروج خضراء، ترتلين كتاب العشق سطرا سطرا، تغسلين روحك بماء الورد، و ترياق الصفاء. تنهمر دموع الخشية على وجنتيك، يقبل أهل الكرامة زمرا، يمتطون ظهور الخيل المسرجة، يضربون دفوفا، و يحملون المشاعل، و يضيئون في المروج اناديل، تتعلق الأعين بممر أبيض، يخطر فيه بهيا كما...

هذا الملف

نصوص
40
آخر تحديث

كتاب الملف

أعلى