كرم الصباغ

تستيقظ فجرا؛ فتستهل أعمالها المنزلية بإطعام الدواجن، و الإوز، و أفراخ (الكتة)*، و تسارع إلى غرفة الخزين، و تفتح برميل الطحين، و تفرغ قدرا من الدقيق. تنتهي من العجين، و تتركه؛ ليخمر في (ماجور) كبير، و تسارع إلى عرجون النخيل، و تنهمك في كنس الدار. الفتاة تحسن كل شيء، لا تدع خلف عرجونها قشة،...
عادة ما تنفض أسمار المساطب في مثل هذه الساعة من الليل؛ فتسكن حركة الأهالي، و تتلاشى أصوات الساهرين؛ فيملأ النباح الشوارع المظلمة، و تضج الغيطان بنقيق الضفادع، و صفير الصراصير. تغلق الأبواب، و تطفأ المصابيح؛ فتجثم العتمة فوق النجع. تغفو حياة، و تستيقظ حياة أخرى محمومة فوق الفرش، و إلا، فالنوم...
ما إن أبصرت تلك الحديقة المسيجة بسور حديدي و أشجار عالية، حتى انجذبت إلي بابها الصدئ المفتوح على مصراعيه؛ فعبرته في لمح البصر، و لم تمر سوى لحظات، حتى اكتشفت أن المكان مقبض بدرجة مريعة؛ فالصمت مطبق، و الضوء خافت، و الأرض خشنة، و الأعشاب مصفرة، و الزهور ذابلة، و البتلات متيبسة، باهتة...
يقرع سمعه أصوات تصفيق و زغاريد، سرعان ما تتحول إلي صراخ وعويل؛ يتخشب مكانه كتمثال يشتهي الصراخ؛ تفلت من حنجرته حشرجة هزيلة مكتومة، بالكاد تصل إلى أذنيه. تلتهم عيناه الضوء الخافت المنبعث من مصباح الكيروسين؛ يبصر ظلال شخوص وأخيلة تتراءى على حيطان الدار؛ تتحول قدماه إلى مسمارين غائرين، يحاول...
ها أنا أجلس وحيدا بجوار باب هذا الإسطبل، يحاصرني القش، و العطن، و رائحة الروث من كل جانب. من وقت إلى آخر تمد الخيول أعناقها؛ فتتخطى رءوسها الحواجز الخشبية القصيرة، و ترمقني بنظرة استهجان. على ما يبدو أنها تعتقد أنني سجان غليظ. ليتها تعلم أنني مثلها تماما، لا أملك من أمري شيئا؛ فأنا مهرج، بل...
سلام على الطيبين، ضرب التراب بالعصا ذات الرأس المعكوف، ورنا بعينيه الطيبتين إلى سماء من صفو وزرقة وحليب سحاب ممتزج بالتخوم العلوية. عمامة بيضاء كبيرة، جلباب أبيض، و قلب أشد بياضا، وجه صبوح غازل الصباح الوليد ، مدد...مدد..مدد ، الزرع في الغيطان حلو ،والخضرة حياة ،مدد كلمة من نور عطرت الفم ، هتف...
عادة ما تنفض أسمار المساطب في مثل هذه الساعة من الليل؛ فتسكن حركة الأهالي، و تتلاشى أصوات الساهرين؛ فيملأ النباح الشوارع المظلمة، و تضج الغيطان بنقيق الضفادع، و صفير الصراصير. تغلق الأبواب، و تطفأ المصابيح؛ فتجثم العتمة فوق النجع. تغفو حياة، و تستيقظ حياة أخرى محمومة فوق الفرش، و إلا، فالنوم...
ما إن ينصب الأهالي الخيام الكبيرة، حتى تضج أطراف النجع بالزحام، و الثغاء؛ فالربيع انتصف، و موسم ( الجلامة)* حل بعد طول انتظار. على باب كل خيمة يقف رجل قوي البنية، يدخل الأغنام بنظام، فإذا ما انتهى الصواف من جز فروات الكباش و النعاج، أخرج الأغنام المقصوصة من باب خلفي، و سلم صاحبها الصوف دون...
مواقيت.. قصة يقبل إذا حل الشتاء على ظهر حماره الأبيض، يردف حفيده خلفه، و يطرح خرج الخيش أمامه، و يعبر الممر الرملي المفضي إلى النجع، ذلك الممر الذي يصطف على جانبيه النخيل؛ فتتساقط قطرات الماء التي علقت بالسعف؛ إثر نوة الريح و المطر التي توقفت للتو. يقاوم حماره معرة الانزلاق كرفيق جلد، يصل إلى...
على حافة رصيف بارد أقف ساهما، أنتظر قطارا، سوف يقلني إلى مدينة، لم أزرها من قبل، لكنني اعتدت رؤيتها، كلما أغمضت عيني، و أسدلت الستار على ما حولي. هي حيلة مجربة، ألجأ إليها، حينما أصبح عاجزا عن التنفس. أغمض عيني، و أسترخي رغم ما بي من توتر، و بعد لحظات أطأ أرضا غير الأرض، و أرى وجوها غير...
يلوح فوق السنام شامخا كجبل، يقود رفاقه عبر دروب الصحراء، جمله يسبق جمالهم. طويل العنق، أسمر الوجه، جلبابه أبيض فضفاض، قلبه قلب سبع، أو قل: في صدره مضغة من حديد، لا ينال التعب من عزمه شيئا، و لا يضنيه الجوع و حر الشمس الحارقة. من وقت إلى آخر تثور العواصف الرملية؛ فتتوقف القافلة، و ينيخ الرجال...
فجأة، أنتبه مذعورا. أحاول طرد بقية نعاس عالق عن عيني. لا أكاد أرى كفي، أجدني غائصا في لجة معتمة، يحاصرني الظلام من كل جانب، يطبق شيء هلامي ثقيل على صدري. أحاول إزاحته؛ فترتد أصابعي دون أن تصيب شيئا سوى لفح الصهد. أشم رائحة راكدة. أدرك أنني ممدد فوق تربة رخوة بلا فراش، و أن ما يشبه الجلباب...
عربة تجرها خيول جامحة، تنهب الأرض بسرعة البرق؛ فيعلو الغبار. حوذي صارم القسمات يطوح طرف سوطه في الهواء، و يلهب ظهور أحصنته الثلاثة الصاهلة. يرى الهدف الذي خرج من أجله؛ فيصرخ صرخة المنتصر، و يكبح جماح الخيول، و يقيد أرجلها الطائرة؛ فتخمش حوافرها الأديم، و تتوقف العربة أمام دار طينية واطئة. يبدأ...
(١) حمل ربابته منكسرا، و سار شاردا غير منتبه إلى أولئك الجالسين في الظل؛ فغمزوه، و لمزوه كما لم يلمزوه من قبل. لقد ظل لسنوات محل حسدهم بعد أن ظفر بها، و لكنه مع مرور الوقت صار مثار حديث آخر؛ إذ ظلت شجرته بائرة، لا تطرح ثمرا؛ فأمسى في نظرهم مجرد سبع من ورق، عجز عن الزئير في وجه غزالة. و لما...
قربت الراديو (الترانستور) من شفتيها، و طبعت عليه قبلة حانية، و أدنته من أذنها، و أصغت إلى أغنية قديمة. كان العندليب يشكو وجدا و احتراقا، يشبهان ما استقاد في قلبها؛ قالت: لعلي أجد في نهر الغناء بردا لجمري المنتبه. لم تدرك الفتاة في غمرة شوقها أن مغتسل الغناء حار، و أن النهر مثلها تماما يضج...

هذا الملف

نصوص
40
آخر تحديث

كتاب الملف

أعلى