كرم الصباغ - سلم طويل ملتف

يهبط السلم بتمهل شديد، تنقر عصاه رخام الدرجات بإيقاع بطئ، يتناسب مع ما يستغرقه من زمن بين كل درجة و أختها، يخترق سمعه صراخ الجارات، و صخب أطفالهن، و صيحات السكان الجالسين أمام الشاشات عقب إحراز هدف في مباراة، اشتعلت للتو. تقبل الأصوات عالية مزلزلة من خلف أبواب الشقق الموصدة. يبتسم ابتسامة خافتة، و يواصل هبوط الدرج؛ ليستزيد من تلك الضوضاء، التي تشعره بشيء من الأنس، رغم ما بها من إزعاج.
لم يعد الطابق الرابع مناسبا لرجل و امرأة تجاوزا الثانية و الستين من عمرهما. أخبرها بأن المحامي طمأنه، و أكد له أن كسب قضية رصيد الإجازات المتجمدة مسألة وقت لا أكثر. لقد وعدها كثيرا بأن يستأجر شقة أخرى في الدور الأرضي، إذا ما صدق المحامي في كلامه. يتحدث دائما بحماس، لكنها ترمقه كل مرة بنظرة طويلة، و لا تعلق بأية كلمة. هي عصبية المزاج، لكنها طيبة القلب، لقد خبرها جيدا على مدار خمسة و ثلاثين عاما؛ فلم يكن من الصعب عليه أن يفهم ما ترمي إليه نظراتها، كان يدرك أنها غير مقتنعة بما يقول؛ ربما رأت أن العمر لن يمتد بهما إلى أن تتحقق نبوءة المحامي، و ربما تشككت في قدرته هو شخصيا على الوفاء بوعده. و لما صدق حدسها، و مرت الأيام دون أن يحدث أي جديد، قرر أن يرحمها من مشقة هبوط السلم الطويل الملتف؛ و تكفل بشراء كل ما يلزم البيت، كان ينتهز فرصة نزوله إلى الشارع؛ فيعرج على المقهى المعتاد، و يلتقي بأصدقاء قدامى، لا يغادرون مقاعدهم تقريبا، أصدقاء على المعاش مثله، لون الشيب شعرهم، يتحلقون مناضد، تزدحم بقطع الشطرنج، و علب طاولة خشبية، لا تغلق إلا فيما ندر. تتوالى الأدوار، و صوت (أم كلثوم) (يسلطن) الحجر، و ألحان ( السنباطي)، و (بليغ) تطرب الجدران و الكراسي، و المناضد، في الوقت الذي غادر فيه الجالسون، أماكنهم، و حلقوا في سديم آخر، و اجتروا ذكرياتهم برفاهة و شجن. تجري الساعات سريعة؛ و لا يرغب في مغادرة المقهى، لكنه يتذكرها، فجأة؛ فيشعر بتأنيب الضمير؛ ينتبه إلى خطيئته؛ من المؤكد أنها عانت الوحدة بين جدران الشقة الصماء، من المؤكد أنها تألمت كثيرا، كم أنا مذنب في حقها! يغمغم بضيق، و ينهض دون أن يستأذن، و لا يلتفت إلى دعوات أصدقائه، الذين أغروه بالبقاء. يصل إلى باب شقته؛ فيكتشف أنه نسي إحضار معظم الأشياء، التي نزل من أجلها. يدير المفتاح، و يدخل لاهثا، يطرح الأكياس أرضا، و يستند على الجدران، حتى يصل إلى الكنبة؛ فيسند ظهره إلى وسادة محشوة بالقطن، و يلتقط أنفاسه بصعوبة، يشعر بألم مبرح في صدره، يمد بصره إليها؛ يراها تجلس في ذات المكان، تتأمل صورة فوتوغرافية لابنتهما الوحيدة، و سرعان ما تنكب على الصورة، و تشبعها لثما. يظن أنها لم تشعر بقدومه، فيسعل، و يمازحها بخجل، لكنها ترمقه بنظرة عتاب؛ يتوجه إليها، و يقبل رأسها في صمت؛ فتربت على يده، و تخبره بأنه قد تبقى على عودة ابتتهما و زوجها من الخارج كذا، و كذا؛ فقد كانت تعد الأيام بل الساعات و الدقائق، و تترقب موعد وصولهما بفارغ الصبر. تعيد عليه تفاصيل آخر مكالمة، و تقلد طريقة كلام حفيدها بعد أن انخلعت سنته اللبنية الأمامية، تحكي، و تضحك، ثم تسكت، فجأة، و تمتلئ عيناها بالدموع.
لم يتبق سوى طابق واحد؛ يتحامل على نفسه، ترتعش قدماه، يزداد ألم صدره، يبدو أنه لا مفر من تركيب الدعامة؛ فقد أوشك الشريان أن ينسد. يزفر بصعوبة، يعقد نيته على التوجه إلى مكتب المحامي مساء؛ فقد ساءت الأوضاع، و بات في حاجة إلى المال أكثر من أي وقت مضى.
يصل إلى مدخل البيت، يجتاز البوابة الحديدية الصدئة؛ يعبر الشارع، يدخل المقهى، يرى مقاعدهم شاغرة، يفتش عنهم في الأركان الصامتة، يلمح علب الطاولة على الأرفف، قد كساها التراب، ينقبض صدره، و تجحظ عيناه، و يكتسي وجهه بالزرقة، يستغيث بنادل المقهى؛ فيدركه قبل أن يسقط على الأرض. يحمله رجلان، و يصعدان به درجات السلم، يخترق أذنيه صفير حاد، لا يسمع الضوضاء المعتادة؛ فقد كانت شقق الجيران في حالة هدوء تام. يسلمه الرجلان إلى فراشه، يضعان بجواره الأدوية، التي وصفها طبيب المستوصف الخيري منذ قليل، يطلبان إليه أن يرتاح قليلا، يطفئان الأنوار، و يغادران الشقة الغارقة في السكون، يتسلل النوم إلى عينيه شيئا، فشيئا؛ فيغمض جفنيه، بينما ظلت صورة ابنتهما الوحيدة، تقبع في ذات المكان، و قد اكتست بطبقة كثيفة من الغبار.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى