طغت دهشتي على سعادتي، وأنا أتأمل البيوت الكثيرة التي أصبحت جميعها ملكي.. بعضها واسع ببناء فخم وحدائق غنّاء، وبعضها الآخر أقل سعة ومبنيّة على الطريقة القديمة بشناشيل متقابلة، وأخرى صغيرة بهندسة جميلة تبدو كما لو أنها تحنو على ساكنيها وتضمهم بين جدرانها المطلية بألوان جذّابة.. كم تجولت بينها وأنا...
قبل أكثر من ثلاثة عقود قرأت كتاب (أعمدة الحكمة السبعة) للضابط البريطاني المعروف بـ(لورانس العرب)، والذي سرد فيه دوره الحقيقي والمتخيّل في (الثورة العربية) التي انطلقت في العام 1916 من الحجاز وصولا إلى دمشق. لم تكن المعلومات الشيّقة وحدها هي التي شدتني إلى هذا الكتاب الذي أدهش رئيس الوزراء...
(إن ضعف الإنسان هو الذي يجعله اجتماعياً. وعناصر الشقاء المشتركة بيننا هي التي تدفع قلوبنا إلى الإنسانية. فما كنا لنحس أننا مدينون للإنسانية بشيء لو لم نكن بشراً)...
جان جاك روسو
حدثني أبي، نقلا عن جدي الذي روى له الحكاية، وقد اوصاه بأن ينقلها...
بدت نهايات الحرب تلوح في الأفق، وبقايا جسده ما زالت تقاوم في ميدان القتال. لم يبلغ العشرين من عمره، حين أُرسل إلى الحرب، وها قد تجاوزها بعام وأكثر.
بعد التحاقه بأشهر قليلة، تلقت عائلته طردا من وحدته، تضمن رسالة بإمضاء الجنرال قائده الذي كتب بخط يده عبارة مثيرة للفخر؛ (كان ولدكم بطلا بحق، لقد ظل...
حين اقبلت على قريتي، شعرت بثقل الحقيبة التي أجرها خلفي، وايضا .. شعرت بشيء من الفرح الممزوج بالخوف ... كان اهل قريتي جميعهم في استقبالي، الاّ ان وجوههم واجمة وهي تنظر لي .. حييّتهم لكنهم ظلوا على وجومهم، ونظراتهم صارت تخترقني كالسهام .. هم ابناء قريتي الذين اعرفهم منذ عقود او الذين فارقتهم منذ...
( لا حقائق كاملة في التاريخ مهما اخلص المؤرخون.. والفخر بالأجداد غالبا مايتكئ على تواريخ مزيّفة )!!
حين انتبهت لوجودي صغيرا بين العائلة، كنّا على وشك عبور نهر عريض نسبيا وسريع الجريان .. اشار أبي لأمي بأن ترفعني لأكون على كتفه وحنى لها جسده .. حين استويت على الكتف ادهشني منظر الاشجار والحقول...
لا احد يعرف بالضبط، كم عدد السنين التي مرت على امتلاك ابي لمسبحته، لكن اغلب الناس يعرفون عنها وعنه حكايات كثيرة، بعضها جاءت للتندر من علاقته بهذه المسبحة العجيبة، وبعضها الاخر بدافع الحسد الذي كثيرا ما دفع ثمنه حين يقوم بافعال تجعله يثور ويغضب، حتى ان أمنا قالت ذات يوم، ان هذه المسبحة سبب جميع...
كنت أشعر بالسعادة وهو يحدثني عن أيامه الطويلة الحافلة، يأخذني إلى عوالم بعيدة وقريبة، غريبة وجميلة. عمل كثيرًا في شركات محلية وأجنبية، داخل البلاد وخارجها، تعرف إلى أناس كثيرين، أحبّ وتزوج، أنجب وطلّق، تديّن وتنسّك، ثم تمرد وصار ماجنًا، قبل أن يهن جسده وتخور قواه، ليجد نفسه أعزل في غرفة منسية...
امتلأت بنا الصالة الكبيرة لبيت عميد عائلتنا (رحيم) الذي فاجأتنا دعوته بغرابتها.. وعلى الرغم من عدم قناعة أغلبنا بما قاله، وجدْنا من التأدّب ألّا نُكذّبه أو نُشكّك في كلامه.. لقد أعادنا إلى زمن المعجزات الذي ولىّ.. كُنّا أكثر من مئة وخمسين من أرومة واحدة، وكان هذا البيت قبل أن يُبنى من جديد هو...
حدث هذا قبل عقود كثيرة من الزمن .. حين كنا تلاميذ صغارا، لقد جاء رجل اشقر طويل، كان قد طوى مسافة بعيدة من مدينته قبل أن يصل مدرستنا الريفية النائية .. كان يضع في فمه غليونا، ينفث منه دخانا كثيفا يحجب عنا وجهه احيانا، لكن صوته ظل ينفذ الى اسماعنا بقوة أو ربما كنا نحن نصغي اليه بإنتباه شديد .. وقف...
عندما خرجت من بيتي صباحا، لفت انتباهي وجود اناس كثيرين يقفون عند لوحات الاعلانات التي في الشوارع .. اقتربت من مجموعة تقف عند لوحة اعلان في الشارع القريب من بيتي وحين وقفت ورحت أدقق، صعقني وجود صورتي مع اعلان يتحدث عن فقداني .. كانت العبارة مقتضبة ومكتوبة بالحبر الاسود اسفل الصورة (اختفى المهندس...
لم تقدّم روسيا للعالم فلاسفة كبارا، على غرار المانيا، مثلا، لكن العالم يشهد بأنها قدمت أدباء فلاسفة، أي إن الروس سرّبوا فلسفتهم للحياة من خلال الأدب، ولعلهم وصلوا بها الى جميع انحاء العالم وقرأتها شرائح مجتمعية مختلفة وتسلمت رسائلها العميقة بطريقة سلسة! إذ مازال علماء الإجتماع والمفكرين...
حين وقفت امام المرآة صباحا لأغسل وجهي، فوجئت بفتى جميل، ينعكس فيها .. جفلت فجفل هو ايضا، تحركت يمينا فتحرك، وحين عدت الى الوراء والى اليسار كان يتحرك معي .. إنه أنا .. أنا بربيعي الخامس عشر .. يمشط شعره بالمشط القديم الطويل الذي اشتريته قبل أكثر من خمسين عاما، وكنت اضعه في الحافظة المعلّقة قرب...
مازلت اتذكر .. ومازال شيء من الخوف يحضر مع كل تذكّر .. فحين يقبل معلم التأريخ نحو الصف، كنت أرقب خطواته من خلل الشباك حيث كانت رَحلَتي وزميلي، وكلما اقترب من الصف، كنت أسمع تلك الأصوات المخيفة التي تحيطه وتتقدم معه، حتى كنت أخاله مذياعاً يبثها .. حمحمات خيول وقرقعة سيوف ودوي مدافع ونداءات...
هذا الصباح سيكون البداية.. حدّث نفسه عندما جلس خلف المقود، لقد سئم أوامر الركاب، وتحمّل نزق بعضهم، واستهتار البعض الآخر، وتبرمهم المتكرر.. هو هكذا منذ أكثر من ثلاثين عاماً. استبدل خلالها أكثر من سيارة، ورأى وجوهاً كثيرة، وشوارع مختلفة، وأحياء وأماكن عديدة للمدينة التي وطأها للمرة الأولى، مع...