حين اقبلت على قريتي، شعرت بثقل الحقيبة التي أجرها خلفي، وايضا .. شعرت بشيء من الفرح الممزوج بالخوف ... كان اهل قريتي جميعهم في استقبالي، الاّ ان وجوههم واجمة وهي تنظر لي .. حييّتهم لكنهم ظلوا على وجومهم، ونظراتهم صارت تخترقني كالسهام .. هم ابناء قريتي الذين اعرفهم منذ عقود او الذين فارقتهم منذ عقود .. الشيوخ الذين يسيرون محنيي الظهور والنساء العجائز مجعدات الوجوه المثقلة بالأوشام .. اصدقائي الصبية الذين شاركتهم اجمل الالعاب عند شطآن الشطوط والمراحات الخضر التي لم ارها في طريقي .. اعرفهم جميعا واحدا واحدا، وهم ايضا يعرفونني .. كررت التحية فحنوا جميعا رؤوسهم وراحوا يتلفتون الى بعضهم، كبر السؤال امامي، وربما قرأوه كلهم في عيني ولم يجيبونني، تقدم نحوي شيخ طاعن اعرفه، كان كثيرا ما يمّسد على راسي حين يمرّ على بيتنا، وكنت احسب اضلاعه حين يضمني الى صدره الناحل فيلتصق خدي على صدره .. لقد كسر الصمت وقال لي بعد ان اغرورقت عيناه بالدموع؛ الم يخبرك أحد انك متّ منذ خمسين عاما؟!
حاولت ان احبس دموعي لكن كفّه المتخشب غطى اعلى رأسي الذي تعرى من الشعر، فشعرت بالبرودة وهدأت نفسي قليلا، وقلت له؛ اين بيت اهلي؟
التفت الجميع والتفت معهم .. ثم راحت خطاي المتثاقلة تتجه الى مكان بات عاريا من أي اثر لبيتنا القصب الذي كان ، ولم ار غير بقايا رماد قليل في موقدنا الذي اندرس تماما.
تجولت في المكان الذي اخذ يدور بي وانا وسطه كالمشدوه ثم توقفت، كان كل شيء قد اختفى من حولي، وجوه اهل قريتي والشيخ الذي مسّد على صلعتي والشيوخ الآخرين والعجائز والصبية الذين كانوا يشاركوني العابي، فشعرت بأني تائه وسط بحيرة صمت راحت تتمدد من حولي .. نظرت الى الطريق التي جئت منها الى قريتي، فلاح لي صبي صغير يشبهني تماما، يحمل صرّة صغيرة ويسير خلف امه وابيه واخوته، كانوا يسيرون صامتين باتجاه الشمال حتى تلاشوا .. حاولت ان اتبعهم وناديت عليهم بقوة .. مرة .. مرتين .. ثلاث .. الاّ ان الصدى وحده ظل يتردد في فضاء المكان الذي غادرني هو الآخر .. وتركني اجر خلفي حقيبتي التي خفّت تماما .. ولم اعد اعرف اين انا بالضبط .. ثم ايقنت مما اخبرني به الشيخ وشعرت كما لو أني اهوّم في فراغ كبير ...
عبدالأمير المجر
حاولت ان احبس دموعي لكن كفّه المتخشب غطى اعلى رأسي الذي تعرى من الشعر، فشعرت بالبرودة وهدأت نفسي قليلا، وقلت له؛ اين بيت اهلي؟
التفت الجميع والتفت معهم .. ثم راحت خطاي المتثاقلة تتجه الى مكان بات عاريا من أي اثر لبيتنا القصب الذي كان ، ولم ار غير بقايا رماد قليل في موقدنا الذي اندرس تماما.
تجولت في المكان الذي اخذ يدور بي وانا وسطه كالمشدوه ثم توقفت، كان كل شيء قد اختفى من حولي، وجوه اهل قريتي والشيخ الذي مسّد على صلعتي والشيوخ الآخرين والعجائز والصبية الذين كانوا يشاركوني العابي، فشعرت بأني تائه وسط بحيرة صمت راحت تتمدد من حولي .. نظرت الى الطريق التي جئت منها الى قريتي، فلاح لي صبي صغير يشبهني تماما، يحمل صرّة صغيرة ويسير خلف امه وابيه واخوته، كانوا يسيرون صامتين باتجاه الشمال حتى تلاشوا .. حاولت ان اتبعهم وناديت عليهم بقوة .. مرة .. مرتين .. ثلاث .. الاّ ان الصدى وحده ظل يتردد في فضاء المكان الذي غادرني هو الآخر .. وتركني اجر خلفي حقيبتي التي خفّت تماما .. ولم اعد اعرف اين انا بالضبط .. ثم ايقنت مما اخبرني به الشيخ وشعرت كما لو أني اهوّم في فراغ كبير ...
عبدالأمير المجر