مختارات الأنطولوجيا

١ الذين يولدون ليموتوا فقط. ليموتوا قبل أن يولدوا. ليكشفوا الحقيقة الساطعة: هشاشة العالم، والقسوة التي تحكمه، والصمت الدولي. في بعض الدول، الحياة سنوات، وفي بعضها الآخر، أيّام ودقائق. الولادات، هنا، ليست بداية حياة، بل مجرّد نجاة قصيرة الأمد. لا لغة تقول ما يقوله الجرح والوجع والنزوح والمنفى...
لم أتقبل قط فكرة أن هناك علماً ضاراً أو علماً لا ينفع، وظللتُ وفياً لفكرة العلم بالمطلق، ولكن حدث أن سمعت مقاطعَ تتالت عليَّ مصادفة للعالم الجليل بشار عواد معروف ، وكأنها تدقّ جرس تنبيه لي من غفوة علمية غلبت عليَّ العمر كله، لتكشف لي خطل ظني بأن ليس هناك علمٌ ضار. وهنا أعدتُ النظر في قناعتي،...
في أحد الأيام دخلت قدمان ضيّعتا صاحبهما إلى أحد البارات لتشرب البيرة. - معذرةً- قال البوّاب- ممنوع الدخول دون حذاء. - آه، معك حق. قالت القدمان. وسرعان ما ذهبتا إلى محل أحذية. هناك تم معاملتهما بأفضل طريقة ممكنة: عثرتا على زوج أحذية وانتعلتاه . ثم ذهبتا إلى البار مرة أخرى. سُعد البوّاب...
جئتُ إليكِ أحملُ سلامي لأُخبركِ بأنَّ الشَّمسَ قد بَزغتْ بِهَجيرها العَالي.. وبدأتْ تَتراقصُ بأشعتِها وَسط أَوراقِ الشَّجر لأُخبركِ بأنَّ الأَحراشَ قد استيقظتْ الكُلُّ قد استيقظ، كُلُّ غُصنٍ فيها وانتعشتْ كُلُّ الطيور وشعرَ الرّبيعُ بالعطش! لأُخبركِ بذات الحَماسة عُدتُ مُجدّداً كما المرّة...
- البَحر مَنْ أنا حتّى أقفَ بينَ المُنشدين، صانِعي النّعال الّذينَ جاؤوا على خيولٍ هزيلةٍ مِنَ الوعر، الحطّابين الّذينَ خَنَقوا بالكِلسِ النّيرانَ الصّغيرةَ، صبيان الفرّانين الّذينَ أشعَلوا في الأحياءِ المُستديرةِ أكياسَ القشِّ والخَيش وحشرات الجُدران، الفَلّاحين الّذين حَمَلوا نساءَهُم...
(مُهداة لروح المناضل الأسير وليدُ دقّة) في الطريقِ إلى الخُضيرة كان يخلعُ اسمَهُ كما تُخلَعُ الحطّاتُ عن رؤوسِ الرّجال كان يسمعُ في الصمتِ وصيّةً خفيّة: اخفوا اللغةَ… فاللغةُ هنا تُفتَّشُ عند الحواجز والرجالُ… يُبدّلون العقالَ بقبّعةٍ غريبة، ويستعيرون وجوهًا تُشبهُ الدجّال وكان يُراقبُ...
بائع التذاكر قاعدٌ في كشكه منذ عقود خلف شباك صغير يقرأ الوجوه متمرساً ويعرف وجهة المسافرين ولا يمل فيعد لهم التذاكر الصحيحة قبل أن ينطق بكلمة واحدة ولا يعرف المدينة التي يغربون بالسفر إليها… بائع التذاكر قليلاً ما يخطئ في إعداد التذكرة سلفاً، وغالباً ما يصيب رغم أن شباكه إلى عالم المدينة صغيرٌ...
عثرتُ بين أوراقي على هذا النص النثري الذي كتبته، أولا بأظافري الطويلة على جدار السجن بمكناس سنة 1973 وثانيا في مذكرتي، لما أطلقوا سراحي . وهو يعكس ما كان صديقي المناضل إدريس التشيش، يشحن به إرادتي، إذ قاسمني الْقَـبوَ نفسَهُ : اِرفعْ رأسَك ومُدَّ يدَك لتقطِفَ النُّجوم من السّماءْ فما سجنُنا...
للدكتور جوستاف لوبون توفيق في اللغة العربية لم ينله كاتب من كتاب الغرب الاجتماعيين في أيامنا، فقد ترجمت له كتب عدة، أذكر منها الآن روح الاجتماع، وسر تطور الأمم، وروح الاشتراكية، وروح الثورات، والآراء والمعتقدات، وهو الذي بين أيدينا الآن، ولا شك في أن هذه الكتب كلها لها قيمتها التي تستحق من أجلها...
أشعر، وأنا أخط هذا العنوان العاري، أنه يقول بمفرده كل ما أود قوله في هذا المقال. لم أضف إلى الكلمة نعتا أو مضافا إليه، علها تعكس واقع الحال، فتتسع لفضاءات متعددة، وتشمل مظاهر التردي جميعها، فلا تخص وضعا بعينه، أو منطقة محددة من مناطق عالم اليوم التي غدت جميعها في الهم سواء. تتزاحم هذه الكلمة في...
أعاجيب ابن عبد الرحمن ثم رجع الحديث الى أعاجيب أبي عبد الرحمن: وكان أبو عبد الرحمن يعجب بالرؤوس ويحمدها ويصفها. وكان لا يأكل اللحم إلا يوم أضحى، أو من بقية أضحيته ، أو يكون في عرس أو دعوة أو سفرة. وكان سمى الرأس «عرسا» لما يجتمع فيه من الألوان الطيبة. وكان يسميه مرة «الجامع» ، ومرة «الكامل» ...
اعتاد أن يستيقظ في الخامسة صباحاً، يجلس وراء المكتب الصغير وخلفه شهادة الابتدائية التي نالها عام 1932، يعتز بها لأنها الشهادة الوحيدة التي حصل عليها، وإلى يمينها إجازة العمل حلاق مؤرخة 1942، وبينهما صورة لمكسيم غوركي بشاربه الكث: "عندما قرأت كتاب طفولتي لغوركي أيقنت أن حلاقاً مثلي يمكن أن يصبح...
عود قصب لم يكتمل، فوضوي، وروحُّ وعرة، عينان عميقتان شاردتان، وأنامل متوترة تترصد أعداء الوطن، ونهر كلمات متدفق بعرق الصيف ونبل رمال الصحراء، وقلب معلق في ضوء القمر يهدر مثل الطواحين في مشانق الصباح، وحياة غير مبررة. أنه فارس الشعر والموت، الذي لا حول له ولا شأن، ذلك الصعيدي الشرس مع المدينة التى...
في الميدان الفسيح وقت الظهيرة، رأيتُها تمضي مثقلةً بأيّامها، تدوس الإسفلت على مهل، لكنّه كان يبتلعها، رغم ضخامة جسدها، الذي كان في أيّامنا البعيدة مضرب الأمثال في الرّشاقة واللُّيونة والدّلال. كنتُ عابرًا في الاتّجاه المضادّ لمشيها، كي ألحق موعداً ضربته مع أصدقائي القدامى، الذين كان بعضُهم...
أعلى