تناءت السنون و تناءت البلاد، لكن المرء لا يملك إلا أن يستجيب إلى مَعلمْ في حياته. انا الأن استجيبُ إلى ذكرى، ليست عابرةً. كيف ألتقيتُ بعبدالكريم قاسم؟ أظن ذلك في الستين أو الواحد و الستين لإنعقاد المؤتمر الثاني لإتحاد الأدباء. كنتُ في الهيئة الإدارية. كنت كَلفتُ نفسي، إدارةَ ما لا يدارُ. أبو...
لا تكاد تنشغل دولة في العصر الحديث بموضوع الحرب كما تنشغل بها "إسرائيل", كما لم تَخض أي دولة حديثة مُنذ نشأتها وبهذا العمر القصير حروباً مثل "إسرائيل", فلا يكاد يمرّ عام بدون أنّ تشنّ هذه الدولة حرباً أو عدواناً على شعوب المنطقة, والسبب يكمن في طبيعة "إسرائيل" بوصفها مجتمعاً استيطانياً وتوسعياً...
تقديم: بعد خروجي من السجن سنة 1994، كنت قد قررت قراءة جملة من الكتب الماركسية الجديدة، بخلفية استيعاب فشل " الإشتراكية الفعلية" فرغم النقاشات الكثيرة مع رفاق الدرب، حول أسباب هذا الفشل، لم تقنعني الاجابات المقدمة، بما فيها تلك التي كانت تعبر عن مستوى نظري رفيع، وأقصد بذلك كتابات الرفيق الراحل...
زرتُ بيتَ طه حسين في القاهرة، البيتَ الذي قضى فيه العقود الأخيرة من حياته، وأمسى اليوم متحفًا لا يسرّ باحثًا شغوفًا بتراث طه حسين. فالأولى أن يغدو منارة معرفيةً تتيح للباحثين الاطلاع على آثاره وأفكاره، لا بضع غرف أودعت فيها بعض مقتنياته. حتى المكتبة الصغيرة التي تضمّ الكتب التي كانت بحوزته وقت...
منذ أن عزفها ماء و النوتات تملأ كتبه متربعة سلمها الموسيقي. هذا الإبن العاق للفلسفة الذي ما انفك يخون الأدب مع الموسيقى و الفكر مع الشعر. سليل نيتشه و مريد هيدغر، مدمن دولوز ومجرة فلاسفة 68، خصيم بورخيص مذ أن نكث مترجم لئيم عرّة الصداقة. كتب القصة ليتبرأ من شوائب السرد، و كتب الرواية ليتخلص من...
ذكريات مع الذكريات
وأي ذكريات؟ وكم من ذكريات؟ وما أكرمها ذكريات …!
إنها ذكريات الصبا في بواكيره …
إنها ذكريات الأخوة في حماسة الدعوة الأولى إلى الرأي والمذهب.
إنها ذكريات المشاركة في الجهاد الوطني على خلاف أو على لقاء.
إنها ذكريات العطف المتبادل والفكرة المتجاوبة في جميع الحالات.
ومهما يكن من...
لأصل إلى (بعقوبة)، امضي في طريق الدفلى، وأنا مثقل بأحلامي الصغيرات، الأزهار المدفلة في الجزرة الوسطية تصهل بحثا عن منادمات مؤجلة، وفي محطة كركوك القديمة اصعد القطار لأصل إلى (بعقوبة) المضمخة بضوعات بساتينها الحبلى ببرتقالها وليمونها ورمانها ونهرها الحالم المستسلم لدغدغات أصابع شعرائها وعشاقها...
١
الذين يولدون ليموتوا فقط.
ليموتوا قبل أن يولدوا.
ليكشفوا الحقيقة الساطعة: هشاشة العالم، والقسوة التي تحكمه، والصمت الدولي.
في بعض الدول، الحياة سنوات، وفي بعضها الآخر، أيّام ودقائق.
الولادات، هنا، ليست بداية حياة، بل مجرّد نجاة قصيرة الأمد.
لا لغة تقول ما يقوله الجرح والوجع والنزوح والمنفى...
لم أتقبل قط فكرة أن هناك علماً ضاراً أو علماً لا ينفع، وظللتُ وفياً لفكرة العلم بالمطلق، ولكن حدث أن سمعت مقاطعَ تتالت عليَّ مصادفة للعالم الجليل بشار عواد معروف ، وكأنها تدقّ جرس تنبيه لي من غفوة علمية غلبت عليَّ العمر كله، لتكشف لي خطل ظني بأن ليس هناك علمٌ ضار.
وهنا أعدتُ النظر في قناعتي،...
في أحد الأيام دخلت قدمان ضيّعتا صاحبهما إلى أحد البارات لتشرب البيرة.
- معذرةً- قال البوّاب- ممنوع الدخول دون حذاء.
- آه، معك حق. قالت القدمان. وسرعان ما ذهبتا إلى محل أحذية. هناك تم معاملتهما بأفضل طريقة ممكنة: عثرتا على زوج أحذية وانتعلتاه . ثم ذهبتا إلى البار مرة أخرى. سُعد البوّاب...
(مُهداة لروح المناضل الأسير وليدُ دقّة)
في الطريقِ إلى الخُضيرة
كان يخلعُ اسمَهُ
كما تُخلَعُ الحطّاتُ عن رؤوسِ الرّجال
كان يسمعُ في الصمتِ وصيّةً خفيّة:
اخفوا اللغةَ…
فاللغةُ هنا تُفتَّشُ عند الحواجز
والرجالُ…
يُبدّلون العقالَ بقبّعةٍ غريبة،
ويستعيرون وجوهًا
تُشبهُ الدجّال
وكان يُراقبُ...
بائع التذاكر قاعدٌ في كشكه منذ عقود خلف شباك صغير يقرأ الوجوه متمرساً ويعرف وجهة المسافرين ولا يمل فيعد لهم التذاكر الصحيحة قبل أن ينطق بكلمة واحدة ولا يعرف المدينة التي يغربون بالسفر إليها… بائع التذاكر قليلاً ما يخطئ في إعداد التذكرة سلفاً، وغالباً ما يصيب رغم أن شباكه إلى عالم المدينة صغيرٌ...