عمار على حسن - رأيتُــها تمضــي...

في الميدان الفسيح وقت الظهيرة، رأيتُها تمضي مثقلةً بأيّامها، تدوس الإسفلت على مهل، لكنّه كان يبتلعها، رغم ضخامة جسدها، الذي كان في أيّامنا البعيدة مضرب الأمثال في الرّشاقة واللُّيونة والدّلال.

كنتُ عابرًا في الاتّجاه المضادّ لمشيها، كي ألحق موعداً ضربته مع أصدقائي القدامى، الذين كان بعضُهم يعرفها، وأحدهم هام بها عشقاً في أيام الصِّبا، ولم يكفَّ عن تذكُّرها كلّما جمعتنا اللِّقاءات المتباعدة على مقاهي وسط البلد، ويقول لنا وهو غارق في الحيرة والأسى عبارة سبكها في رويَّة مع تقادُم الزّمن، كان يستعذب دومًا النطق بها أمامنا، وهو يميل بحديث عنها: “توقفت أيامي عندها، ولم تُزِحْ فتنتُها من عيني أيَّ فتاة أخرى، فبقيتُ مخلصًا لها بعزوبيّتي الخالصة”

لم أجعلها تراني، فربما تتذكرني فأكون شاهدًا على انكسارها، وهي التي كانت تشمخ بأنفها في وجه صاحبنا العاشق، وتهمس لغيره بأنها لن تكون إلا لثري وسيم. لكنني لم أستطع أن أمنع عينيَّ عن متابعتها وهي ترفع خطوات بطيئة تدفعها نحو محطة الحافلات التي تغصُّ بالمنتظرين المتعبين.
كانت تحمل في كل يد كيسًا من البلاستيك الأسود، وحذاؤها يئزُّ متخليًا عن تلك الطقطقة التي كانت ترسل موسيقى تنخلع لها القلوب أيام صباها، حين تختلط بحفيف مشاكسة النسائم الطرية لشعرها البني المسترسل، ولطرف فستانها سخي الألوان.

مددت بصري بشدة، حتى كاد يخترق ما تحمله، فأدركتُ أنه ربما يكون حبات من خضروات أو فاكهة اشترتها من سوق قريبة رخيصة، يهلّ عليها الموظفون بُعيد الظهر لشراء حاجات بيوتهم البسيطة.

حين انضمت إلى الواقفين، واستدارت في اتجاه نهر الشارع الذي يشق الميدان، تمكنتُ من اختلاس نظرات خاطفة إليها، ارتدَّتْ إليَّ محملةً بصور لتجاعيد تتابعت في عنقها، ومساحيق رخيصة تُلطِّخ وجنتيها المنتفختين، وخصلات شعر تهدلت على كتفيها العريضين، ونظرات كسيرة إلى الفراغ الساخن.
تعجبتُ من هذه المصادفة التي اغتالت صورة بديعة لا تزال محفورة في رأس صديقنا العاشق وعينيه، وكان عليَّ أن أكتم ما رأيتُ، وأصبر على ما أسمعه منه حين جلسنا متقابلين، وراح، كعادته، يسهب في وصف محاسنها، ثم يغمض عينيه، ويردد عبارته الأثيرة في تبتُّل وامتنان.

🔹
أعلى