عباس بيضون - صُوْر...

- البَحر
مَنْ أنا حتّى أقفَ بينَ المُنشدين، صانِعي النّعال الّذينَ جاؤوا على خيولٍ هزيلةٍ مِنَ الوعر، الحطّابين الّذينَ خَنَقوا بالكِلسِ النّيرانَ الصّغيرةَ، صبيان الفرّانين الّذينَ أشعَلوا في الأحياءِ المُستديرةِ أكياسَ القشِّ والخَيش وحشرات الجُدران، الفَلّاحين الّذين حَمَلوا نساءَهُم وأطفالَهُمْ على أكتافِ الحَميرِ المُسنّة وعَبَروا بها تحتَ بدرِ الحُقول وِدياناً كالخُدوشِ الجافَّة.
مَنْ أنا حَتّى أتقدَّمَ هؤلاء تَحْتَ القناطرِ الّتي تَحْني المنازلَ مِنْ خواصِرِها المعقودةِ بحبالِ الغَسيل، لِتبقَى فُوّهةٌ ما للفضاءِ والنّجوم. هُنا أكتافُ المَدينَةِ وفِقراتُها، وعلى هذهِ الجُسور تتجعَّدُ أوراقُها السَّميكةُ، وتلتفُّ على ضِماداتها وعُروقِها المَقطوعَة، وأسمالِها الحَجَريَّة الشَّهباء، فتبدو تحتَ قمرٍ لا تَراهُ وردةَ مَداخِن وَمَعدن. تلتمُّ على الآبارِ والشُّقوقِ والأقواس. وتتحرَّكُ كعينٍ ميتة وفوّهة مروَّسة، إذ ذاكَ، تهبطُ المدينةُ، فننتَعِلُ ظهرَها الأحدبَ بأقدامٍ خفيفةٍ نحوَ ظهيرةٍ ضيّقة.
مَنْ أنا لأدلَّكُم على الأحجار الّتي وُلدنا عليها كالسَّحالي، حينَ كانت المدينةُ ترفَع رأسَها مِنَ البَحر. تَغذّيْنا بالشَّمسِ والمِلح، وأكَلنا على الرّاحات أسْمَاكاً حيّة. وكانتِ المياهُ تتناولُنا مِنْ عَلى صُخورنا ونحنُ نتعلَّمُ الكلمات والأفكار كلّ يوم. كنّا رمليّين حينَ أوَينا إلى الشُّطوطِ وترَكنا أنفسَنا لغاسِلي الرَّملِ، فَحَفّونا بالزّبد الذي اختمرَ في نسيمِ اللّيلِ، وخَرَجنا مِنْ بُيُوضِنا تحتَ مَوجة.
مَرَّت علينا ليلةٌ في مجرى العبيرِ البَحريّ، وليلةٌ في ناحيةِ السَّروِ وأكوازِ الصَّنوبَر تحتَ أوراقِ الزَّعفرانِ حيثُ تمتدُّ مَرَاعي البَحر، ثُمَّ شَربنا مِنْ دَمِ كبدِ الفَجرِ، ودمِ قلبِ اللَّيل، فاعتكرتْ أعيُننا ونحنُ في نقيعِ الماءِ الأخضر، وخَرَجْنا نلمعُ مِنْ بيضةِ فِصْحِ البحرِ وفضَّةِ الأسْماكِ، ثُمَّ نجَّم علينا الرَّملُ، وتَرَقْرَقَتْ جُلودُنا كأوراقِ الذَّهب، فَبِتْنا تحتَ ماءِ أنفُسِنا كالرَّملِ المُقَيَّد. وَفاضَتْ أوراقُنا فاكتسَيْنا حراشفَ وصَدفاً. ودَخَلْنا إلى حُضنِ البحرِ بينَ أبنائِهِ الكثيرينَ وبِتْنا يَخفِقُ تحتَ صرّةِ قلبِنا، وعلى بَراري سَهَرِنا، البحر.
يَرتفِعُ البَحرُ، وَيَرفعُنا عَلى أطرافِ أصَابِعهِ إلى الصَّوَاري، يَمتَلئ البحرُ نَسيماً وماءً فينتَفِخُ ويكبرُ صَدرُ اليَمِّ، نَقِفُ تحتَ أنفُسِنا، تحتَ المُحيطِ، وَخَشْخَشَةِ الموجِ تَنجرُّ على عوارِضِنا وأرضِنا الخَشَبيَّة. ها نحنُ نتبدَّدُ في الأمواجِ الشَّربينيَّة الَّتي تنهارُ مِنْ جُذوعِها كالأشجار، ونبقَى على حلقاتِ الزَّبد الطَّافيَة.
هَا نحنُ نضيعُ في أنفُسِنا، كلَّما عَلا البحرُ المُسِنُّ على سلالِمِهِ البَطيئَةِ، تَخْضَرُّ العَينُ، ويَمتَلئ البَصَرُ بالمَاءِ، كُلَّما اتَّسَعَتْ حراشِفُ البَحْرِ، وَنَجَا الماءُ مِنَ دَوَّاماتِهِ المُتربِّصَة، فأبحرَ على دفَّة الهواءِ السَّكرانِ إلى جِهاتِهِ الأربعْ سَابِحاً عَلى عُرْفِ زُرقَاتِهِ الماسيَّة. إذْ ذاكَ كنَّا نقفُ والبحرُ يصخبُ فينا. نتأمَّلهُ وهو َيتسلَّقُ كحصانٍ، ويَطيرُ كجناحينِ مُقْبلينِ مِنْ غيرِ ما طائر.
ابتعَدْنا وابتعدَ البَحرُ. نزلَ عَنْ أدراجِنا وشُرفاتِنا، وعادَ الماءُ إلى بيتِهِ تحتَ عُنُقِ مَوْجَتِهِ السَّوداء. يَجُمُّ بفمٍ بَطيء صَفْحَةَ الأرضِ، وَيُجَفِّفُ اليَابِسَة. إذْ ذاكَ يَظهرُ البرُّ بِمِسلَّاتهِ الصَّخريَّة وَرَوَابيهِ المَنْحوتَةِ، حيثُ تَخرُجُ كلَّ لحظةٍ مَدَاخِنُ وحجارةٌ مُلطَّخَةٌ، وحيثُ يبقَى البحرُ وراءَ السَّاحِلِ حشرجة واسعة لغاباتٍ مَطحونَة.
هَا هُنا تربِضُ مُدنٌ قاتِمَةٌ كهياكلِ حيتانٍ وزواحفَ بَصَقَتْها الضِّفافُ، تَرْقُدُ كالرُّتَيْلاءِ المُتَحجِّرَةِ تحتَ عرشِ البَحر. تَنطَبقُ عَليها عُقودُها وقَناطِرُها وَجَريدُ رُخامِها، وتَغُصُّ بمائِها السّريِّ، فتنقَبضُ كثمرةٍ جافَّةٍ وقلبٍ متغضِّنٍ في الرَّماد.
حينَ تَرتَخي السَّواقي كالأفَاعي المَيْتة، ويبقَى البحرُ في الأسواقِ مُبَنّجاً راكِداً، حينَ يرجِعُ المَاءُ عَنْ وُجوهِنا نَبْقى كمغاسِلِ الرَّملِ وَغرابيلِ المَاء. نرفَعُ ثُقوبَنا الكثيرةَ الَّتي صَبَّتِ البَحرَ في كلِّ النّواحي. وحينَ يتركُنا المَدُّ الأوَّلُ كحلقاتِ المَوْجِ وَخَواتمِ الزَّبدِ على الشَّطّ، نَبْقى بينَ الأشْرعَةِ والجِيفِ حُطاماً بَحْريّاً، وَبَقيَّة مَوجَةٍ سَرَقوا قَلْبَها. نُنَقِّبُ عَنِ البَحرِ تحتَ الجِلْدِ، لكنَّنَا نَنْفُضُ رَمْلَنَا وَنُجُومَنَا، وَنَنْطَبِقُ عَلى نُفُوسِنَا كالصَّدَفَةِ الفَارِغَة.
نُشْعِلُ خَوَاتِمَنا في المَاءِ، وَنُحْرِقُ المَاءَ حَتَّى الضِّفَافِ، نَفْقَأ الأمْوَاجَ الكَبيرَةَ، فَيَتَجَمَّعُ البَحرُ في الأحْياءِ، تحتَ ذُبابِ البُركِ الوَاسِعَةِ. يَنَامُ تَحتَ البُيوتِ وَفي الآبارِ بِلا حِراك. يَدْخُلُ إلى غُرَفِنا فَيَتَمَدَّدُ بَيْنَنا، سَجِينَاً تحتَ زَرَدِهِ وَحَرَاشِفِهِ.
هَذا الماءُ عليلٌ ينزِفُ في السَّاقيةِ، وَسَيَنزِلُ عَنِ الرَّحَى مَجْلُوداً، اقتُلِعَتْ قُوَّتُهُ السِّنديانيَّة، ليظهرَ بعدَ ذلكَ تحتَ أسرَّتِنا كالسَّمَكَةِ المَيْتَة.
تَتَمَرْمَرُ مياهُهُ في اللَّيلِ، وتَنْخَلِعُ أخْشَابُهُ فَنَجِدُهُ كالحيَّةِ الذَّكَرِ تحتَ المَوَاقِدِ والأحْجَارِ. يُهَمْهِمُ البَحْرُ حَوْلَ بُيوتِنَا، وَيَخْرُجُ مِنْ جُيوبِنَا وَقُبَّعَاتِنَا، وَلا يَبْقَى مِنهُ بعْدَ أنْ يَغطِسَ، سِوَى صَريرٍ بَحْريٍّ يَمْلأ الرَّحْبَ. إذْ ذاكَ تَجِفُّ أسِرَّتُنا وَتَجِفُّ نُفوسُنا كالسَّواحِلِ، تَبْقَى المَدينَةُ بِلا أحضانٍ، وَتَتَقَوَّسُ عِظَامُها المُغبَّرَة، بَيْنَما تَصْطَكُّ مَبَانِيها الدَّاخليَّةَ كبيوتِ الخلْدِ، وَيَرتَفِعُ الهَواءُ عنِ الغُرَف.
تَبْقَى الأوَاني عَلَى الرُّفُوفِ، والسَّاعَاتُ الكبيرةُ مُعَلَّقَةً عَلَى الجُدْرَان. المَطابِخُ عَلَى نِيرَانِها، وَالأطفالُ حَوْلَ البرَكِ. تَتَحَرَّكُ مِنَ الشّمَالِ وَالجَنُوبِ أشْجارٌ. لَكِنّنا بَينَ قَليلين، نَعلَمُ أنَّ الأحذيةَ مُلَطَّخةٌ جَنبَ المَوقِدِ، وَالأوَاني مَدْبُوغَةٌ. وَالّذينَ عادُوا تَرَكُوا الأنْهارَ الَّتي بَصَقَتْها الأرضُ مَبْقُورَةً عَلَى الطَّريقِ، تَرَكُوا الرِّمَمَ والسَّراطينَ الحيَّةَ تَحْتَ المعاطفِ المُبَقّعَة. فَلا يُحاوِلُ أحدٌ أنْ يهزَّهُمْ بعدَ أنْ طَارَتْ أصابِعُهُمْ وأسْنانُهُم وثَقَّبَهُم المَطَر.
نَعْرِفُ بينَ قليلينَ أنَّ النَّاسَ لمْ يَتَغيَّروا لَكنَّهُم يُبَدِّلُونَ دفَّةَ أَحْلامهم واللَّيلُ لَيْسَ كافِياً، أنَّ هَذا الصَّباحَ المَرْجومَ كالوردَةِ النَاشِفَةِ ليسَ لَنا، والهواءُ الفُولاذيُّ قاسٍ على البَصَرِ والشُّعاعِ، أنَّ الأفواهَ مُحَطَّمَةٌ عَلَى الوَسَائدِ، والقُبَلَ مَقْصُوصَةٌ مِنْ جُذورِهَا، والوجوهَ مَلفُوحَةٌ بِالبَرقِ، أنَّ الأعمارَ تتجمَّدُ والنّاسَ يَبيعونَ المُسْتقبلَ بثمَنِ الموتِ الهَادِئ عَلى شُرفَة، وأنَّ الكلامَ يحرِّكُ النَّسيمَ تَحْتَ المائدةِ كَموتٍ يَسْتَيْقِظُ.
تَمَدَّدْنا عَلَى أحجارٍ طويلةٍ كالأخشابِ مَلْفُوفينَ بِالأشْرعَةِ. في حَجَرٍ حَاضِنٍ نِمْنَا مُتَعَانِقَيْنِ وَتَعَلَّمْنا الحُبَّ، وَعَلَى طَبَقِ صَوَاني جَاءَنا الحَظُّ وَتَنَاوَلْنَا فَاكِهَتَنَا القَلِيلَةَ، لَكِنْ يَبْقَى للصّوانِ مَا عَلى الصّوان. تَجَلَّلْنا بِالبَرْقِ الهَابِطِ عَلَى المَرَاعي الصَخْرِيَّةِ وَكَبِرْنَا تَحْتَ أمْطَارِ اللَّيلِ. وَكُنَّا نَعرِفُ أنَّ أَحْلَامَ حَجَرِ الكِلْسِ وَحْدَهَا لَا تَخْتَبِئ، وَقَلْبَ الصّوانِ وَحْدَهُ لَا يَخْدَع.
بَيْنَ الحَجَرِ وَالمَاءِ تَرَقْرَقْنَا كَفُولاذٍ مُتَبَلْوِر... وَكُنَّا نَرَى دائِماً أحْلَامَنا الَّتي لا نُنْكِرُهَا تُقْتَل.
وَنَبْكي عَلَى الضِّفَافِ
بِقَلْبِ حَجَرٍ حَقِيقيّ.
صُوْر
يَا صُوْر... حينَ نَزَلْنَا إليكِ انتزَعَتِ مِنْ حَنَاجِرِنَا الوَتَرَ الفلّاحيَّ، وَهَا نَحْنُ بِالكَلِمَاتِ الّتِي تَعَلَّمْنَاهَا مِنْكِ لَا نَسْتَطيعُ أنْ نَصِفَكِ.
لا نَصِفُكِ لأنَّكِ مَا زِلْتِ تَبْحَثِينَ في جِلْدِكِ
عَنْ فَمِكِ المُنْدَمِل.
وَلِأنَّكِ تَنْطقِينَ بِزَفِيرٍ سَاخِنٍ
عَلَى وُجُوهِ مُخَاطِبيكِ القَليلِينَ
لأنَّكِ بِلَا صَوْتٍ تَحكِّينَ يابِسَتَكِ وَرَمْلَكِ
وَتُلْقِينَ بِلَا تَحِيَّةٍ يَدَكِ
عَلَى شِمَالِ البَحْرِ
هَذَا هُوَ جَسَدُكِ يَضِيعُ وَلَا مِصْبَاحَ عَلَى جِلْدِكِ
يَقْرَعُ فَوْقَ طُرُقِكِ الهَارِبَةِ
سَتَتَآكَلِينَ وَسَتَتَجَمّعُ حِجَارَتُكِ كُلَّ عَامٍ
بَعْدَ أنْ تَهْبِطَ أوْتَادُكِ سَتُصْبِحُ لَكِ كُلَّ عَامٍ
جُثَّةٌ حَجَرِيَّةٌ
سَتَقعينَ عِنْدَ البَحْرِ
بَيْنَمَا تَلْمَعُ مَطَابِخُكِ مِنْ بَعِيدٍ
لَقَدْ قَامَتْ خِصاصٌ سَريعَةٌ
تَحْتَ سُقُوفِكِ السَّاقِطَة
لكنَّ النّوَافذَ الّتي تفْتَحُ في رِمَّتِكِ
لا تَدْعُو المُتَنَزِّهينَ وَلَا التَّلَامِيذ.
رَأسُكِ بينَ كتبِكِ وَأكتافِكِ ينْحَنِي
وَلَنْ تَسْتَطِيعَ النِّسْوَةُ المُنْتَظِرَاتُ تَحْتَ الأدْرَاج
وَفي الغُرَفِ العَالِيَة
قُدُوم الأبناءِ والأزْواجِ المُتَخلِّفينَ في الحَانَاتِ
لنْ تستطيعَ الكلابُ الجَائِعَةُ
وَلَا أرضُكِ الَّتي تَغْلي بِالفِئْرَان
أنْ تَمْنَعَ طُرُقَكِ مِنَ السُّقُوطِ في الخَنَادِقِ
وَذَرَّاتِ المِيَاه
والتَّجوُّلِ في الأدْغَالِ الدَّاخِلِيَّةِ
أنْفَاقاً حُرَّةً
أنْ تَنْزَعَ النُّجومَ مِنْ عُيونِ الثُّقُوبِ
وَعُيونِ الحَشَراتِ
وَتَفكَّ الشَّوارِعَ
مِنْ عُقْدَةِ إبهامِكِ الضَيِّقَة.
سَتَقَعِينَ أيَّتُها الأمُّ المُسِنَّةُ
وَلَنْ تَقُومَ مَدينَةٌ بَعْدَ الآن
سَتَنْزلينَ عَلَى أضْلَاعِكِ كَالمِدْخَنَةِ الهَاوِيَةِ
وَتَرْقُدِينَ عَلَى الشَّاطِئ وَرَأسُكِ في الرِّمَالِ
كَكَلْبِ البَحْرِ
لَنْ يُكَلِّمَكِ أَحَدٌ فَمَنْ يَحْدسُ أنَّكِ تَتَكَلَّمِينَ
وَسطَ نَسْمَتِكِ المُتَعَثِّرَةِ
وَوَسطَ مَصَابيحِ السّيّارَاتِ المُسَلَّطَةِ عَلَى حُدُودِكِ
مَنْ يَحْدِسُ أنَّ حَرْفاً أصْغَرَ مِنْ جَناحِ ذُبابَةٍ
يَنزلُ مُغبرّاً بالبارودِ
وَسَطَ الرَّصاصِ الّذي يَدرُزُ نوافِذَكِ
وَيَصْمُتُ في الدَّمِ الّذي يُلَطِّخُ الأبْوابَ
مَنْ يَحْدِسُ أنَّ فَمَكِ الّذي ضَاعَ في جَوْفِكِ
كَخاتمٍ في بِئرٍ
يَنْطِقُ في عَاصِفَةٍ رَعْدِيَّة
وَمَوْجَةٍ تَرْفَعُ السَّواحِلَ
لَنْ يُكَلِّمَكِ أَحَدٌ
وَلَنْ تَتَبَدَّلَ مِياهُكِ بَعْدَ الآنْ
سَتَكونينَ في طَرَفِ العَالَمِ
وَسَيَرْجِعُ الجَمِيعُ قَبْلَكِ
الحَدَائِقُ الِّتي تُرَافِقُ البَحْرَ
لَنْ تَجْرُؤَ عَلَى اقْتِحَامِ أحْجَارِكِ السُّودِ
وَالطُّيورُ المُهَاجِرَةُ تَخْشَى أنْ تُعْتَقَلَ
في غُيومِكِ المُدَخَّنَة
سَحَابَةُ أزْهَارِ اللّيَمُونِ الّتي تَصْحَبُ المُسَافِرِينَ
سَتَهْبِطُ عَلَى تُخُومِكِ القَريبَةِ
وَلَنْ يَصِلَ المُسَافِرُونَ
وَلَنْ تَتَبَدَّلَ سَمَاؤُكِ
سَيَبْقَى لَكِ الهَوَاءُ الّذي يَتَلَكَّأ
عِنْدَ مَدَاخِلِ الأَزِقَّةِ
يَفُورُ دَائِماً بِالمِلْحِ وَالرَّملِ وَالذُّبَابِ
يَنْزِفُ عَلَى الأَوَاني وَالسَّواقي والأنْقَاضِ
سَاقِطاً هُنا وَهُنَاك
بَطِيئاً،
مُذْ دَوَّخَتْهُ مُلُوحَةُ الضِّفَافِ
وَيَتْرُكُ في عُقُودِ العَرَقِ النَّازِفَةِ
ثِقْلَ دُمُوعِ البَحر.
...
كُنْتِ جَزِيرَةً وَحِصْناً
وَخَاناً للْمُسَافِرينَ
لَا يَتَّسِعُ نَهَارُكِ لِلْبِنَاءِ
وَلَا يَكْفي لَيْلُكِ لِلأَحْلَامِ
لَمْ تَكُنْ نُجُومُكِ كَبيرَةً
وَلَا قَمَرُكِ لَامِعاً
لِذَا كَانَ بَحَّارَتُكِ يَسْقُطُونَ عَلَى السَّلَالِمِ
وَجُنُودُكِ يَجِفُّونَ في الأبْرَاجِ
عَلَى القَوَارِبِ المُبْتَعِدَةِ
كُنَّا نَرَى السَّماءَ الوَاسِعَةَ
وَنُغَنِّي وَنَتَنَاسَلُ
كَحَشَرَاتِ الكُرُومِ
نَرْقُصُ في النَّسِيمِ الخَفيفِ
وَنَرْفَعُ قَصائِدَ وَحُبّاً
لِلَّواتي لَا يَصْعَدْنَ إلى الشّرُفَاتِ
تَكُفُّ الرُّطوبَةُ رِيَاحَكِ
لِذَا لَا تَشْتَعِلُ عَلَى سُفُوحِكِ النِّيرانُ الكَبِيرَةُ
لَكِ قَلْبُ سَمَكَةٍ وَرُوحُ طَيْرٍ بَحْرِيّ
لِذَا تَتْرُكينَ مَوْتاكِ عَلَى الصُّخُورِ
وَتَسْقُطينَ مِنْ ضَرْبَةِ المِجْذَاف
أنتِ حِذَاءُ البَرِّ، المُنْدَسَّةُ بَيْنَ شُقُوقِ المَوْجِ
تَحْمِلُ طُرُقُ البَرِّ المُزارعينَ إليكِ
وَتَحْمِلُ طُرُقُ البَحْرِ الغُزَاةَ
فَتَطْفَحُ السِّلالُ بِعُيونِ الفَلَّاحين
يَمُرُّ عَلَيْكِ الجُنودُ الفَارُّونَ
وَمِنْ نَوَافِذِكِ
يُطْلِقُونَ عَلَى النَّاسِ في الأسْواق
هَكَذا مَرَّ عُلَمَاؤُكِ وَقُضَاتُكِ وَرُؤَسَاؤُكِ
تَحْتَ السِّلَاحِ
بَيْنَما فُقَرَاؤُكِ يَثْقُبُونَ الأسْماكَ المَيْتَةَ
بَحْثاً عَنْ مِلْحِ المَائدَة
حينَ نَزَلْنَا مِنَ القُرَى
أَفْرَغُوا بَنَادِقَنا مِنْ كُلِّ حَبَّةٍ بَاقِيَةٍ
أَوْقَفُونَا عَلَى مَوائِدَ
وَعَرَضُونَا عَلَى السّكَارَى
قَطّعُونَا عَلَى صَخْرِكِ
بَعِيداً مِنْ نُجُومِ الحَقْلِ
رَبَطُونا إلى السُّفُنِ
حَمَّالينَ وَعَبِيداً
عَلَى الحِبَالِ عَصَرُوا القُلوبَ المُدَوَّرَةَ
كَتُفَّاحَاتِ الجَبلِ
وَأَطْلَقُوا الأَمواجَ الصَّغيرةَ عَلَى جُثَثِ الغَوَّاصِينَ
هَكَذَا كُنَّا في أسْواقِكِ نَرْقُصُ بَيْنَ الطَّلَقَاتِ
نَمْشِي وَعُيونُنَا فِي الأرْضِ
كَأنَّها تَبْحَثُ عَنْ زِرٍّ ضَائِعٍ وَرَأسِ إبْرَةٍ
هَكَذَا بِتْنَا بِقُلُوبٍ خَصِيَّةٍ
وَوُجُوهٍ كَالنِّعَالْ
نَخْشَى أنْ نَبْتَعِدَ فيكِ
إلى الحَدِّ الّذي تَصِلُ إليهِ جِرْذَانُ اللَّيلِ
نُنْكِرُ أصْوَاتَ البَرْقِ وَالرِّيحِ وَالمَطَرِ
لِنَتَعَلَّمَ كُلَّ يَوْمٍ
لَهْجَةَ سَرَطَانِ البَحْرِ
المُتَعَفِّنِ في المِيَاه.
■ ■ ■
هَذهِ أحْلَامُكِ تَجْمُدُ
حَالَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثُقُوبِ رَأسِكِ المُدَبَّبَة
وَهَا هيَ تَتَكَاثَرُ كَحِجَارَةٍ رَمَادِيَّةٍ
في حَوْضِكِ الضَيِّقِ
تَبْتَعِدينَ عَنْ يَدِ البَحْرِ المُعَانِقَةِ
وَتَغْتَسِلينَ مِنَ الزَّبَدِ
لَكنْ تَبْقَى مَشَاعِلُ بَحَّارَتِكِ
تَخْطُو عَلَى الأَمْوَاج
هَلْ تَهْمسِينَ بِكَلمَة... هَلْ تَحَطَّمَتْ
عَلَى فَمِكِ صَدَفَة؟ هَلْ ارتَعَشَتْ عِظَامُكِ لحظةً، أمِ الدَّمْعَةُ الأَخيرَةُ تقْرَعُ في
حَجرِ القَلْبِ؟
أنتِ صُوْرُ الَّتي سَقَطَتْ
مِنْ جَيْبِ التَّاريخِ
كَيْفَ تَبْقَيْنَ عَلَى الرِّمَالِ
كَالعُلْبَةِ الضَّائِعَةِ؟
مَنْ يَدْفَعُكِ ثَانِيَةً إلى البَحْرِ؟
مَنْ يَحْمِلُ شَجَرَةً إلى شَوَارِعِكِ المَسْقُوفَةِ؟
مَا زالَ الصَّيْدُ مُتَّصِلاً عَلَى جَبِينِكِ
وَجَبينُكِ يَنْتنُ مِنْ رَائِحَةِ الصَّيْدِ
وَالدِّمَاءِ البَارِدَةِ
مَا زَالُوا يُخَوِّفونَ التَّلامِيذَ مِنَ البَحْرِ
وَالصَّيَّادينَ مِنَ الكُتُب
نَحْنُ الَّذينَ نَتَكَلَّمُ مِنْ جُثَّتِكِ
نَفْتَحُ نَوَافِذِنَا في رِمَّتِكِ المُتَصَخِّرَة
نَرَى الدِّمَاءَ تَنْزِلُ مِنَ العِصِيِّ
وَالسَّكَاكينِ
وَوَرَقِ اللَّعِبِ
لَكِنْ نَبْقَى إلى أنْ يَصِلَ التَيَّارُ
إلى أنْ يُلامِسَ قَلْبَكِ
لا نُفارِقُكِ كأمَرَاءِ البَحْرِ
وَلَا طُيورِ اليَابِسَة
فَنَحْنُ لَسْنا شَيْئاً سِوَى قَنَاطِرِكِ
وَصُخُورِكِ
وَأسْماكِكِ
وَأنتِ مَرْكَبَتُنا نَدْفَعُكِ للجَبَلِ وَالبَحْرِ
لَكِنْ نَسْقُطُ تَحْتَ عَجَلَاتِكِ
في نِهَايَةِ اليَومِ
نُغَنِّي حَيْثُ نَعْمَلُ
لَكنَّ الوَقْتَ يَمُرُّ عَلَيْنا
وَيُغادِرُنا أعْمِدَةً وَرُخَاماً
وَالوَقْتُ يَتَوَجَّعُ وَهوَ يُكْمِلُ لَمْسَتَهُ الحَجَريَّة
أمَامَكِ نَحنُ نَصْطَفُّ جُزُراً مُتَبَاعِدَةً
وَأَنْتِ تَنْقُلينَ عَلَيْنا قَدَمَكِ إلى المِيَاهِ
في اللَّيالي تُسْرِعُ القَواربُ وَالفُصُولُ
وَلَنْ تَموتي
سَتُحَلِّقينَ أيَّتها الأمُّ عَلى جُسُورِكِ
سَتُحَلِّقينَ
بَيْنَما تَهْبِطُ جُسُورُكِ إلى الأوْدِيَةْ.

الخُرُوْج
نَحْلُمُ في لَيْلٍ لَا يَرْتَفِعُ إلى حَافَةِ السَّرير. نَجْلِسُ بَيْنَ الحِيطَانِ المُفَكِّرَة. ونَتْرُكُ هَذهِ الكُتَلَ اللاغِطة حَوْلَنَا كأدْمِغَة باهظة، تَئِنُّ وَتُخْرِجُنا مِنْ قَاعِ الكَأسِ المَاضِيَة. تَضَعُنَا كَعَيْنٍ مُدَمّاةٍ عَلَى حافَةِ الطّاوِلَة، تُبْصِرُ الصُّورَ الصَّاحِيَةَ تَرْتَدُّ إليْها وَتَتَكَدَّسُ فِيها. تَرَى الأحَلامَ الّتي قَتَلَها لَيْلُها تَخْطُرُ في النَّهارْ...
هَذِهِ سَاعَةُ حُلُمِ الأشيَاءِ
المَاءُ يَتَجَمَّعُ وَيَتَبَدَّدُ عَلَى الشِّبَاكِ وَالمَصَافي، وَنَحْنُ بَيْنَ الحَجَّارينَ نَتْبَعُ كِسرَاتِ المَطَرِ عَلَى أعْشَاشِ الصَّخْرِ. ذَلِكَ البَحْرُ لا يُجْمَعُ بالقَطْرَةِ، فَلْنُخْرِجْ أسْمَاكَنَا الأليفَةَ، وَلْنَحْطِبْ في النَّهارِ والجُذُوعِ وَالحَجَرِ خَلْفَ القَطْرَةِ المُتَخَشِّبَة. لَقَدْ فَقَدْنَا وَنَحْنُ نَمْسَحُ النُّقُودَ بَحْراً كامِلاً وَانْطَوَتْ فَوْقَ رُؤوسِنَا سَمَاءٌ بِرُمَّتِها كَمِنْديلٍ وَرَقيٍّ، وَهَا هيَ تَنزِلُ وَتَقْعي تَحْتَ أبصارِنَا وَنَحْنُ عَلَى مِيزَانِنَا لَا نَدْرِي.
ألَسْنَا نَرَى وَنحنُ نُحَدِّقُ فِي جُيُوبِنَا الأشجارَ عَلَى النّقود. ألَا تَتَجَمَّعُ عِظامُ البَحْرِ الحُوتِيَّةُ عَلَى السَّاحِلِ وَالأَمْوَاجُ تَتَدَلّى لُعَاباً عَلَى فَمِهِ المَيتِ، ألا تَنْتَظِرُنا تَحْت المَصَابيحِ وفي الكُوَى الأسْمَاكُ المَيتَةُ كالرَّسَائِلِ الخَطِرَة. ألَا تَتَوَزَّعُ خصلَاتُ البَحْرِ عَلَى الشَّوارِعِ فتظْلمُ بِرَائِحَتِها الأسْوَاق.
مَنْ يَرَى بَعْدَ اليومِ بِعَينِ بِئرٍ مُغْلَقَةٍ وَعَيْنِ قِطْعَةٍ ذَهَبِيَّةٍ، مَنْ يَرْمِي غَابَةً في جُبٍّ كَمَا يُلْقِي كِتَاباً مُهْمَلاً. مَنْ يَطْرُدُ السَّماءَ كطَيْرٍ عَابرٍ ويهرُّ السَّحابَةَ بالعَصا.
يَخْرُجُ البَحْرُ. نَقْتَفِيهِ وَهُوَ يَنْزِفُ لُجَجَهُ المُهَلْهَلَة عَلَى المَفارقِ. تَتَعَثَّرُ عَاصِفَةٌ بِفَضَاءِ السُّفُنِ. والبَحْرُ يَتَقَدَّمُ كَالأَعْمَى وَجُمُوعُهُ تَتَقَطَّعُ في كُلِّ نَاحِيَة. يَدُورُ حَوْلَ الجُذوعِ وَيَرْتَفِعُ بِلَا هزَّةٍ وَلَا تَجَاعِيدَ عَلَى الحِجَارَةِ المُعَرَّفة. تَغِطُّ البرَكُ وَتَغِطُّ المُسْتَنْقَعَاتُ، وَتَتَجَمَّعُ طَبَقَاتُ حَشَراتٍ وَأجنِحة. يَنْخَلِعُ الوَقْتُ عَنْ جِلْدِ السَّاقِيَةِ البَاقِيَةِ وَيَخْرُجُ كَروحٍ مِنْ بَيْنِ الأَنْقَاض. ثُمَّ تَدْنُو مِنْهُ شَمْسٌ كَدَالِيَةٍ مُعَلَّقَةٍ فَتَرْشَحُهُ الأرْضُ وَتَذْرِفُهُ إلى الأقَاصِي.
يَخْرُجُ البَحْرُ فَنَقِفُ كَنَخيلٍ صَحْرَاويٍّ. تَجْلِسُ الأرْضُ عَلَى عَقَارِبِ سَاعَاتِنا وَتَدورُ حَوْلَ إبْهَامِنا.نَقْعي في ظِلِّنا، مُخَبِّئينَ السَّماءَ تَحْتَ عَصاً لَا تَرْسمُ ظِلاً. هَا هُنا يَقِفُ كُلُّ شَيءٍ كَوَرَقَةِ المَوْزِ، وَتَنْويعاتُ الرِّيحِ وَالمَطَرِ لَا تَقَعُ عَلَى الذّاكرَة، أينَ تَكونُ الأرضُ؟ تَحْتَ كيسِنا، أيْنَ نُفَكِّرُ؟ على صُنْدوق. تَفْتَرِقُ الخُطَى وَالبقعُ بَيْنَما يَرْتَجُّ تَحْتَ الشِّبَاكِ الجَديدَةِ والأحْذيَةِ روحُ البَحْرِ.
تَتَجَمَّعُ الأمْوَاجُ المَحْلُولَةُ عَلَى الدفَّةِ كالأحْشَاءِ، وَتَخْرُجُ أعْشَابٌ وَأسْرَابٌ مُقَطَّعَةٌ مِنْ بَطْنِ البَحْرِ المَلْغُومِ، نَسْمَعُ صَلِيلَ السَّلَاسِلِ حَوْلَ مَرَابِطِ السُّفُنِ، وَمَرَابِطِ المَوْجِ. وَنَرى اليَمَّ المُرَقَّطَ تَحْتَ بُقَعِ الزَّيتِ وَالعُلَبِ وَالنّفايَاتِ المُلَوَّنَة، ثُمَّ يَفُورُ المِيناءُ كُلّهُ بِزَفَرِ البَحرْ.
يَغيبُ البَحْرُ، يُقَطّبُ، وَيَتَمَدَّدُ الوَقْتُ وَالأبَديَّةُ جَسَدٌ صُحُفٌ وَأوْرَاقٌ عَلَى حُجراتِهِ المَكْشُوفَة. تَتَوَقَّفُ أفْرَاسُهُ، وَتَنَامُ أعْشَاشُهُ. تَتَوَقَّفُ البَاقَاتُ. طُرِحَتْ في المَاءِ رُقيَةُ قَصْديرٍ ذائِبٍ فَسَاحَ في الحَوَاصِلِ وَبَيْنَ الجُدرانِ. يَغِطُّ في الغُرَفِ وَالمَعَامِلِ وَتَحْتَ المُحَرِّكات. صَعَدَ إلى السَّطحِ وَطَفَا بِلا رُكبتَيْنِ كَالعَبْدِ. جَمَعُوا أزْهَارَ الرَّبوِ البَحْرِيِّ وَنَزَعُوا الزَّبَدَ، نَزَعُوا أكَاليلَ الجُنُونِ البَحْرِيِّ وَحَقَنُوا التَّيَّار، هَكَذا جَفَّتْ آبَارُ البَحْرِ وَنَامَ الجرْدُ البَحْرِيُّ تَحْتَ مَدَاخِلِ البَوَاخِرِ وَحَوْلَ الآلاتِ، هَكَذا أحسَّ بِرُكْبَةٍ هُنَا وَرُكْبَةٍ هُنَاك، بِكُوعٍ وَأليافَ وُضُلوع. انربَطَ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ كالكيسِ، تَصَلَّبَتْ قطَرَاتُهُ كَفِقرَاتِ الظَّهْرِ وَتَجَمَّعَ حَوْلَ أخْشابٍ وَمَسَامير. الآنَ يَجُرُّ البَحْرُ مَاءَهُ الكَسِيح، الآنَ يَدِبُّ إلى الضّفّةِ. يَنْعَقِدُ مِنَ القَاعِ إلى السَّطحِ، وَيَلْتَفُّ مِنَ الدَّاخِلِ بِلُبِّ خَشَبٍ وَلُبِّ مَعْدنٍ. يَنْجَدِلُ المَاءُ عَلَى نَولٍ بِعَجَلَاتٍ وَيَتَقَطَّعُ كَألوَاح. تَرْتَفِعُ ضَجَّةُ حَطَّابينَ يَكْسِرونَ الأعْماقَ، ويُبْنَى البَحْرُ كَالغَابَاتِ وَالمُدُنِ، بَيْنَ أحْوَاضِ السُّفُنِ وَالمَعَامِل.
كانَ البَحْرُ مُزَيَّحاً بِزَوايا شُمُوسٍ مَكْسُورةٍ بِزَوَايَا رِجَالٍ لَمْ تَتَحَطَّمْ.
كانَ الرِّجالُ مُزَيَّحينَ بِالكَلَامِ.
كانَ الكَلامُ بَاقِياً عَلَى الأرْضِ الكَبيرةِ كَمَدينةٍ مُعَظِّمَه.
كانَ البَحْرُ، كانَ الرِّجالُ، كانَ الكَلامْ.
قصيدة النثر: البيان وما بعد القصيدة
عباس بيضون
لم تتأخر قصيدة النثر كثيراً عن قصيدة التفعيلة، إذا عدنا إلى تواريخ صدور المجموعات الشعرية، فسنجد أن "أنشودة المطر" لبدر شاكر السياب، صدرت في العام نفسه الذي صدرت فيه "لن" مجموعة أُنسي الحاج، في حين أن "قصائد أولى" لأدونيس صدرت 1957، و"أقول لكم" لصلاح عبد الصبور أيضاً في العام ذاته، وعام 1959 صدرت "حزن في ضوء القمر" مجموعة محمد الماغوط.
لم تتأخّر قصيدة النثر عن التفعيلة، لقد تزامنتا، ذلك يعني أن القصيدتين تلقّتا في الوقت نفسه ذات التأثير الغربي. لا بد أن قصيدة التفعيلة تطلّبت مواءمة بين البيت الشعري العربي، والتصرّف المستجد في وزنه وقافيته، بينما وصلت قصيدة النثر في أول بُدوّها موازية في ذلك لترجمات قصائد بعضها كان موزوناً في أصله. قصيدة النثر لم تكن بعيدة عن هذه الترجمات، بل إن نصوصها الأولى التبست بها، فبدت هي الأُخرى قريبة منها، أو هكذا تراءى لقرّائها ونقّادها الأوائل، الذين نحا بعضهم إلى اعتبارها غير عربية، وكان في هذا بعض الاتهام، خصوصاً أنها، أي قصيدة النثر، ظهرت في حقبة غليان قومي، كان التراث من أركانه، لم يكن هناك آنذاك حدّ بين السياسة والأدب، بل بينها وبين أي شيء آخر. لا بدّ أن روّاد قصيدة النثر الأوائل، أُنسي الحاج بصورة خاصة، كانوا يتصدون للفصاحة عن وعي. الفصاحة بمعنى الإيقاع الذي يعثر عليه كتّاب من مطالعاتهم للتراث ويخترعونه له، ويبنون مطوّلاتهم عليه، هذا الإيقاع الذي كان مبنى النصوص وأحياناً موضوعها، هو ما تصدّى له شعراء النثر الأوائل، أفقدهم ذلك أحياناً كلّ إيقاع. ففي المعركة لم يكن مهمّاً إلا مواصلة التحدي، وإن ترك ذلك فراغاً تحته.
هذه الفجوة لم تلبث في واحدة من المرات أن انقلبت على نفسها، وهذه المرّة بفضل الترجمة أيضاً، إذ كان الفصل فيها لترجمة أدونيس لبيرس، ترجمة سرعان ما غدت أصلاً. لقد بدا هنا أن المشروع الحداثي وجد نموذجاً مطابقاً، نموذجاً جامعاً بين معاصرة النَّص وعربيته. وجدت هكذا معاصرة بل وعالمية لا تخسر في سبيل ذلك الإيقاع. هذا ما ولّد مع الوقت تياراً وقصيدة مقابلة. الأرجح أن المحاولات الأولى لقصيدة النثر كان بعضها قريباً من البيان الشعري، لا بد أن كثيراً من القصائد كُتبت كأمثلة وكتمارين على هذا الغرض الجديد، لكن الشعراء أنفسهم وأُنسي الحاج أولهم ناقد الفصاحة الأول، لم يلبثوا أن خرجوا من ذلك ليباشروا صناعة القصيدة كقصيدة لا كبيان.
هكذا كتب الحاج "ماضي الأيام الآتية"، ومن يقرأه يفهم أن الشاعر الذي لم يكتب فقط مقدّمة مجموعته "لن"، وإنما على غرارها قصائد المجموعة، اهتدى في "ماضي الأيام الآتية" هذه المرّة إلى القصيدة ذاتها، وكتبها بتواضع شديد، تواضع من يعرف أن القصيدة قد تكون نمطاً آخر من الصمت، وأنها تُجتَرح اجتراحاً، وأن الانحناء لها هو ما يفعله الشاعر. إلى جانب أُنسي الحاج كان هناك محمد الماغوط الذي وصل إلى قصيدة النثر من غير المنبر الثقافي الذي أوصل غيره. وجدها وكتبها دون أي سؤال نظري، كتبها ببساطة من يقرأها لنفسه.
لكن الشاعر الذي بقي حائراً محيِّراً كان شوقي أبي شقرا، لم يقل شوقي أبي شقرا كلمة في نقد الشعر، لكنه كتب قصيدة لم يوجد أحد ليجسّمها أو يقوّمها. كانت القصيدة غريبة عنه وعن قرّائها، لكن السؤال عنها وحولها يغرقها في الغموض. كان يكتب كلاماً يتردد بين العبث والارتجال والتغريب، بعض القراء أخذتهم مفردات الريف فجعل للقصائد موضوعاً ريفياً. لا نعرف ماذا كان رأي أبي شقرا في هذه القراءة، لكن كان قريباً من الفهم أن قصائده لعبٌ يستيقظ أحياناً على موضوعات ومعانٍ، لا يلبث أن يشتّ عنها. تشبه قصائد أبي شقرا أن تكون ترجمات، لا لقُربها فقط من أكثر سورياليّي الشرق قفزاً على المعاني وأكثرهم ارتجالاً.
لكن هذه القصائد تشبه أن تكون ترجمات، لأن لا لغة لها. ولأن في ذلك فرادتها واختلافها. ينفي أدونيس أن يعدّ بين شعراء النثر، رغم أنه صاحب "مفرد بصيغة الجمع"، وهي مع ترجماته لبيرس من أبرز ما كتب في شعر النثر، وأقول شعر النثر لا قصيدة النثر، لأن الديوان بكامله يوشك أن يكون مطولة شعرية واحدة. لا أفهم لماذا توقّف عن كتابة شعر النثر أو قصيدة النثر، أظن أنه اكتفى منها، سرعان من أنجز فيها مشروعه، رغم أن أدونيس في كلّ ما يكتبه صاحب مشروع، ومن الصعب أن نقرأه دون أن نتخايل وراء نصوصه مشروعاً ما.
الجيل الثاني وربّما الثالث او الرابع، من شعراء قصيدة النثر، هُم الذين صنعوا القصيدة، وساقهم ذلك إلى أن يتخفّفوا من البيان، وأن يتواضعوا أكثر فأكثر لبُعدهم عنه، لكن هذه الأجيال تنوّعت، وهي تتداول قصيدة لم تعد مجرد بيان. عرضوا هذه القصيدة على اللغة الموروثة، لكن عرضوها أيضاً على الحكي وعلى السرد وعلى اليوميات المدينية، فهذه القصيدة تزداد مدينية، بقدر ما تزداد حكياً وتفرداً وشارعية. اليوم لم يعد وراء القصيدة النموذج الوافد، لم يعد لهذه القصيدة مرجع أو غرار، لم تعد، نقدياً، بالضرورة من الشعر وحده إذ عملها على النثر، كان موازياً له بل متقدّماً أحياناً، لم تعد تجري على مثال من أي نوع كان، لم تعد ثقافية بالضرورة ولا ترجيحاً أو إعادة قراءة. لم يعد أمامها نموذج ولم تعد هي تسعى لأن تكون نموذجاً. هذه المرة صارت بين الخواطر واليوميات والأفكار السريعة والحكاية والحديث والعمق الدفين والهوامش. إنها هكذا تؤسس لقصيدة ثانية لشعر على غير مثال الشعر الذي ألفناه. نحن حقاً في قصيدة بنت لحظة لا تطيل الوقوف عندها، فيما بعد القصيدة.
أعلى