تجلسُ امرأتان فوق مصطبة حجرية في إحدى محطات المحافظات الجنوبية، يلوذ البرد الشتائي القارس بأطراف عباءتيهما السوداوين، وينسج الليل سديمه الثقيل فوق رصيف ينتظر قطاراً قادماً من البصرة، محشواً بأجساد الجنود الناجين بعد أن انطفأت ملحمة الكويت الفاشلة وتركت البلاد نهباً للرماد، وكانت إحداهما فتاة...
"ثلاثون مترًا معلّقة بين الأرض والمجهول"
في الأحلام قد ترتدي عباءة البطل أو قناع الجبان، لكن اليقظة لا تفتح سوى درب واحد، كأنه خط محفور على صخرة، يقودك إلى مصيرك دون التفات.
خطوة واحدة على الحصيرة الهزّازة تكفي لتذكّرك أن الأحلام لا تملك درابزين، وأن النهر تحتك ليس ماءً فقط، بل مارد...
حين ظهر الجني أمامه، لم يشعر بالرعب، فقط أربكته المفاجأة.
انطفأت أنوار الغرفة دفعة واحدة. لم ينقطع التيار؛ ظل ضوء الشارع يتسلل من النافذة، لكن شيئًا أسود كثيفًا ظهر في منتصف الغرفة، كأنه انتُزع من قلب الليل.
تراجع سمير حتى اصطدم ظهره بالحائط. ارتفع الشيء أمامه ببطء؛ رأس طويل، وعينان حمراوان،...
لم تمضِ أيام ثلاثة على انسحاب دبابات الغزاة من نابلس حتى رأيتهن. أخذت في اليوم الأول أجوب شوارع المدينة لأشاهد ما خلفه الغزاة من دمار. رأيت مباني كثيرة قد هدمت. رأيت الشوارع التي خربت أرصفتها يملؤها الطين والغبار. أبصرت صور الشهداء القدامى ولم أبصر، في اليوم الأول، صور الشهداء الجدد، الشهداء...
مهداة لكل امرأة منحت للحياة معنى الكرامة.
السعدية طفلةٌ عمرها ستون سنة.
جلدها صار شبيهًا بورقٍ نُقِع طويلًا في ضوء الشمس، وتجاعيدُه لا تُعلن الشيخوخة بقدر ما تُشبه خطوطَ طفلٍ حاول أن يرسم الزمن فلم يفهمه.
عينان مُرهقتان، جفنان يثقلان مع الغروب، وحدقةٌ تعرف معنى الوهن، غير أنّ النظرة نفسها...
لم يكن أحد في الحي يعرف سر السعدية المرأة
الستينية وزوجها بنعيسى الذي يكبرها بعقد من الزمن وابناؤهما الخمسة الذين تجاوز أصغرهم السادسة والعشرين حتى صار البيت الذي كان يضج ذات يوم بأصواتهم أشبه بمحطة قطار مهجورة؛ أبواب تفتح ولا أحد يدخل.
كان الزوج يقول لمن يسأله عن حالهما:
نحن بخير.
لكن الحقيقة...
شعر أن الغرفة التي يسكنها ضيقة، لا بل ضيقة جداً.
شعر في الوقت نفسه، في الوقت نفسه تماماً وتحديداً، أن هناك شيئاً آخر، شيئاً آخر تماماً وتحديداً، دفع به لأن يفكر في المنفردة التي أقام فيها رغماً عنه، بصفة معتقل سياسي، وهو لم يكن سياسياً يوماً، وأن ما ذاقه من مرارة وكابده من عذاب لا يوصفان.
لحظة...
كنت حزينة، ولا أعرف على وجه الدقة لماذا كان الحزن يرافقني في تلك الأيام كظل لا يفارق صاحبه. لم يحدث شيء واضح يمكنني أن أضع إصبعي عليه وأقول: لهذا أنا حزينة، ومع ذلك كنت أشعر بثقل غريب في صدري، كأن الأيام تخبئ لي شيئًا لا أعرفه، وكأن هناك بابًا في حياتي فتحه أحدهم من خلف ظهري دون أن يخبرني. كنت...
جائزة العلماء.. ليلة في السرداب
حيدر عاشور
ستون عاماً لم يعرف الفجرُ بالنسبة إليه طقساً سوى أن يفتح عينيه على ضوء كربلاء، ويشدّ حزام العمر على مئزره، ليحطّ رحاله كل صباح عند باب القبلة لمرقد الإمام الحسين عليه السلام. ستون سنة والشمس ترتفع وتتدلى، وهو ثابت في مكانه كأنه نخلة عريقة راسخة في...
حين خطت آنا كارنينا عتبة غرفتها التي نفاها إليها تولستوي في فندق "قيصري" البائس بقلب الأناضول، لم تصدمها الجدران، بل صفعتها رائحة غريبة؛ زفير أجساد رحلت وخلّفت عرقها حيّاً في مسام الشراشف والستائر. تلك الرائحة الخانقة حجبت عنها —للوهلة الأولى— وجه الفتاة التي تقاسمها السرير الآخر تحت نافذة مشرعة...
منذ عشرين عاماً، وصديقي إبراهيم، يغزل من خيوط الوهم، شباكاً ليصطاد بها طيف شارابوفا الفاتنة في غرفته النائية في الطابق الأعلى من بيت اهله ، غرفته معبد سري شُيِّد من ورق المجلات؛ الجدران كلها مرايا لامرأة واحدة: ماريا شارابوفا. لم يكن إبراهيم يعرف من لعبة التنس إلا كراتِ الحنين التي تضرب جدران...
1
في مدينة لم تعد مدينة
ثمة رجل ثمانينيّ
تهدَّم بيته
تحطمَ بابُ بيته
ينتظر منذ أيام
أحداً ما
ليكون الراوية الأخير
لمدينة لم تعد مدينة
2
في مدينة لم تعد مدينة
خرج الكلب الأخير فيها من وجاره
وعاد إلى وجاره خائباً جداً
وهو يردد: حتى العظمة لم تعد موجودة
3
في مدينة لم تعد مدينة
استهلك القط الأخير...
بصبر فارغ أزال الضمادات، انفتحت عينه على وجه الطبيب. تمنى للحظة أن ينحصر العالم كله في هذا الوجه.
اعتادت عيناه على الضوء سريعًا، كمحتضر يستردّ أنفاسه. لم يأخذ الطبيب أجر الجراحة وتكفل ببقية المصاريف.
قبّل الشاب يده، وحين قال إنه يحتاج إلى لقمة عيش، ناوله الطبيب المفتاح:
- احرس الفيلا. لن تتعب...
أصبح بطيء الخطى، وئيد الحركة؛ تأكد من ذلك أثناء نزوله درج السلم الذي كان يطويه في الماضي تحت قدميه صعودًا وهبوطًا برشاقة متناهية. لعل ذلك ترجمة صادقة عن نفسه العازفة عن المشاركة في أمور كانت تدعوه، من قبل، إلى الاندماج فيها بكل خلجة من نفسه، وتأخذ بتلابيبه؛ فيعبّ منها عبّ الظمآن حتى الثمالة...