د. سيد شعبان

لماذا يجب علي أن أصحو من النوم؟ حاولت الإجابة على هذا السؤال أكثر من مرة؛ ربما لأنني أكره الليل؛ ينسج حولي رداء من الظلام؛ تدخل الدنيا في ثبات؛ تزورني أطياف لا أكاد اتبين ملامح أصحابها، رجال لايرتدون غير الأقنعة؛ يتبين من عيونهم أنهم يدبرون لي مكيدة؛ أستدير جهة الحائط فتنشق الحجرة عن مغارة...
في حارتنا باب خشبي كبير، دار عليه الزمن، جعلته الفئران ملهى ليليا، كنت أخاف المرور جواره، عليه تصاوير مفزعة، تسكن الشياطين البيوت العتيقة التي هجرها أهلها، سمعت عنه حكايات روتها جدتي؛ يوما ما كان يضج بالحياة، نوافذه كانت مشرعة، البنات الجميلات كن يترآين من نوافذه، شعورهن السابحات مثل اغصان...
تبدو الساحة الثقافية مترعة بكثير من عوالق إن لم تكن أحجارا وجلاميد تقف عثرة كأداء في سبيل المبدعين الذين يلتمسون طريقهم وسط عوالم من كهنة عجائز استبدوا بالمقاعد واحتبسوا الأوراق والدفاتر مرتعا لهم؛ يقربون من أحبوا ويقصون من كرهوا؛ في غيبة من معايير النقد الأدبي أو جماليات الإبداع، يبحث الطليعة...
تلفت فإذا كل من يقف على الرصيف ينظر إليه؛ تعثرت خطواته؛ بدا عليه الارتباك؛ تساءل: أكل تلك العيون مصوبة ناحيتي؟ أسرع في مشيته؛ كادت قدمه تخذله! الساعات الأخيرة؛ وصية أمه؛ تلك الأحلام التي ترفرف أجنحتها في خياله! الناس يتذكرونه؛ لقد كان حديثهم عنه الليلة الماضية دافئا؛ ترى ما الذي دعاه لأن يعود...
واهم من يتصدر لمناقشة الأعمال الأدبية وهو منصرف عن اللغة يحسبها ترفا، فيأتي عمله مهلهل النسج فاقد الصدق الفني، ولا غرو أن كانت الحاجة ماسة إلى نقاد ذوي خلفية معجمية رصينة؛ يداخلون بها ويرصدون ملامح العمل الأدبي إن شعرا وإن نثرا، لكن الواقع الثقافي المعاصر تطفو عليه عوالق من عكر النهر؛ فتصد الناس...
الصَّديق العزيز =AZX3ETrTnQpSBVa1vHj94GTcGsc4_fW0VHtYqGhlk2FylplYcta1CWUBnKyE5UW-EsN6Uvm9xFhob_59mc5mF7LQLlnNvThtig3832cOodTY5RC1VwJMghHxagWy2klauR9Hh46sWCPnT7BS0hz0EGP9&__tn__=-]K-R']د.سيد شعبان أستاذٌ جامِعيّ وأديبٌ، مالَ إلى الأدبِ حتَّى استولَى عليه. غزيرُ الإنتاج، مُجَوِّدُه. جَمَعَتْ بيننا...
في البلاد البعيدة تهرب الجنيات المسلسلة بقيد حديدي، تمعن في التخفي وراء أشجار الجميز العملاقة، يقال إنها عند منتصف الليل وحين يكون الظلام شديد العتمة تتجول في الممرات الخلفية وراء البناية العتيقة المنزوية في العزبة القبلية، تشعل جدتي موقدها الحجري وتغذيه ببقايا أشجار الكافور التي نخرها السوس، في...
في الكون أسرار أهل الطريق لديهم منها الكثير لا يبوحون بها إلا لمن خلصت نيته، يعرفونهم بسيماهم، يتناثرون في الوادي والدلتا عقود جمان، يمشون بها، يفكون بعض ألغازها، شيخ مبارك يجوب الحارة عند منتصف الليل، يطرق الأبواب الغافية وراء السكون، يمسك بمفتاح منقوش عليه " لا غالب إلا الله" مخطوط من جلد عنزة...
توقف قطار السادسة صباحا في محطة مصر ذلك الصرح الذي يشبه في كثير من تصميمه محطة لندن، تناسق بين أجزاء المكان، براعة في تشيكل قضبان الفولاذ، يبدو أن المحتلين كانوا يبنون لقرون تمتد، مضت ساعتان تقريبا، عندما خرجت من البيت والليل يلم أستاره، أدركت القطار قبل أن يغادر محطته التي تحمل عباءة الزمن،...
في كل صباح تنادي عليها الست عدلات؛ تطالبها بإحضار العيش والفول وبضع حبات من الطعمية؛ يخرج عمنا السيد من شرفة البيت يرجوها أن تمر على سلومة البقال؛ تحضر له علبة السجائر؛ وحبة جوز؛ يغامزها بحاجبيه؛ صوت عمتنا أم بهلول يرج الشارع؛ بنت لعبيه هات لي صابون وكلور؛ هدوم عمك الأسطى محسوب زفت وقطران؛ ترجع...
كل عام يحدث هذا، تكاد الأشجار تتهاوى حيث تهب عاصفة شديدة؛ الآخرون سبقونا إلى العالم الذي تسكنه الأرواح، يبدو أنهم وجدوا سعادة هناك، تتجمع القطط والكلاب لتكمل تفاصيل لوحة مبهرة، أسكن جوار المقابر، أشعر بحركة داخلها كل ليلة؛ تدب حياة لا أستطيع تصورها؛ لم يأت أحد منها ليخبرني بما هناك؛ ألتمس طريقي...
كان اللعب سمير لداتي والغناء شدوهم أما أنا فكنت ذلك الفتى الذي يبحث عن المعرفة، ينقب عنها بين طيات الأوراق الملقاة عرض الشارع وعند عم حمدي صالح البقال، حين أعود من المدرسة كانت الإذاعة رفيقة طعامي، استمعت إليها وتعلقت بأصوات مذيعيها، أفتيم قريطم وماجد سرحان، كان بيتنا الطيني رحبا ولا إخال غيره...
كعادته نام مبكرا؛ فالشتاء يستدعى الخمول؛ يحتاج الطعام والحساء ينفث دخانه فتستدفيء منه بطون الجوعى، كل هذا صعب في زمن الحروب حيث الأسواق تعاني الكساد والباعة يمنعهم المطر من أن يفترشوا الأرض. توسد ذراعه وحاول أن يغمض عينيه، تتابعت مشاهد من حياته مثل شريط سينمائي تعرضه قناة الذكريات، تدوي الريح...
دقت ساعة منتصف الليل؛ ثمة سكون خيم على الحياة من حولي؛ يدق باب البيت؛ لم أتوقع زائرا؛ ترى من يكون القادم؟ أعيش هنا منعزلا؛ انتابني خوف شديد؛ بدأت أفكر في مواجهة مايحدث؛ نظرت إلى عصا أبي؛ تراها تصلح لمواجهة الخطر؟ تسقط السماء مطرا شديدا؛ لوذت بربي؛ ثم آويت إلى فراشي؛ سريعا أخذت في سبات عميق...
بحثت عنها فلم أجدها؛ صارت هذه مشكلتي في الحياة في ذلك البيت الذي ازدحم ببقايا الأجداد؛ ثيابهم لا تصلح لي،لا أقلام تركوها ولا أموال تورثناها؛ إنهم شغبوا علينا بحكاياتهم، فقط كانوا يعتاشون عليها. تعيث الفئران فسادا في البيت، الثقوب تشبه الغربال، يبدو أنها ملت معيشتنا؛ في زمن الجدب تفر الهرة بحثا...

هذا الملف

نصوص
447
آخر تحديث

كتاب الملف

أعلى