كعادته نام مبكرا؛ فالشتاء يستدعى الخمول؛ يحتاج الطعام والحساء ينفث دخانه فتستدفيء منه بطون الجوعى، كل هذا صعب في زمن الحروب حيث الأسواق تعاني الكساد والباعة يمنعهم المطر من أن يفترشوا الأرض.
توسد ذراعه وحاول أن يغمض عينيه، تتابعت مشاهد من حياته مثل شريط سينمائي تعرضه قناة الذكريات، تدوي الريح...
يبدو أن الأشياء كما الكائنات الحية مصابة بالتبلد، ساعة الحائط تعاني من فقدان الذاكرة، تتوقف وتتحرك كما يحلو لها، ورقة الزمن لا تبرح اليوم الأخير من الربيع، رغم أن الصيف على أشده؛ تهرب المواقيت من لهبه، تحتمي بتلك الحيلة، فكثيرا ما يكون العطب دفاعا تعجز عنه أشد حالات الهجوم؛ إنه اختزان لأجنة لما...
قمت من نومي فزعا؛ الكلاب في الخارج تواصل نباحها، يبدو أن ما رأيته كان كابوسا مصنوعا من سراب؛ آلة عملاقة تحرث النهر، تمسك بي زوجتي، يصرخ أولادي، هذه كارثة، فتحت جهاز التلفاز، مذيعة تنشر شعرها وتضع أصباغا على خديها، حمالة ثدييها تضج من ضيق، تلمع شفتاها حمرة، تلتهب غريزتي،إنهم يفلحون في إثارة...
الليلة الرابعة!
كان يوم غفران، فدخل عليهم الفتيان ، صرخ المدعو وأزبد يطلب المرجو، فكانت حرب سنة وستة شهور، وعيناك لاترى النور، قنابل وصورايخ وذبخ لكل صريخ، يطلبون الحرية وهل يلام الضحية؟
ترددت أقاويل بأن ابنة ملك الجن الأحمر وقد تبخطرت في شرفات القصر الأنور، تحمل ذيل ثوبها وصيفات وتطعمها...
الليلة الثالثة!
حين كان زمان جاء الغراب بنبأ عجيب؛ أن آلة بحجم كف اليد؛ تخاطب الناس وتختزن الكتب والأفكار؛ يسألونها في فقه الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان فترد بأقوال أبي يوسف صاحبه في كتابه الخراج، وقد تزيد عللا من المبسوط؛ تعرج على فقه مالك في الموطأ وتشرح مراميه في المدونة؛ ليس هذا محل العجب...
الليلة الثانية!
أمسكت بي أميرة الجن، أخدت تتقرب إلي، تميس دلالا وترجو محالا؛ وما كان ذلك إلا أن أشمر عن ساعدي وأجهز على مأمون سياف الرشيد، انتابتني الشكوك فيما تريده، هل حلا في عينيها المقام في قصر السلام؟
أما تراها شغفت بالملك وبهرها العز في بلاط بني العباس، صاحت البومة الحكيمة قائلة:
مسكين...
الليلة الأولى!
حين انتصف الليل صعدت إلى سطح منزلنا الحجري، ذلك الكائن وسط الصحراء تحفه هضاب وتحوطه كثبان رملية، ثمة هاتف دعاني إلى ذلك الصعود، تخفيت عن عيون زوجتي فقد اعتادت منذ فترة أن تغلق باب البيت الكبير بالمزلاج، تخشى علي من هؤلاء الذين يطوفون بالليل والناس نيام، مرة تربط قدمي في حجر،...
دخلت ليلة أمس حجرة الخرافات، حين يكون ذلك أنام مبكرا، تأتيني الهلاوس متتابعة، تعيش معنا قطة أمي، تداعب كلبنا المريض، أخذت تصدر مواء عجيبا، كلما تناهى إلى سمعها قارئة نشرة الأخبار وما يحدث في غزة يزداد صياحها، كبرت أمامي عن ذي قبل، تسربت إلى داخل البيت، قفزت حتى رأت صورة القط الأكبر إنه الوشق...
طبعا أنتم تعرفون حكايته، إما من الصحف اليومية أو حتى من برامج التلفاز التي تكثر فيها الثرثرة مساء؛ يطعمون الجوعى بكلامهم المعسول، ربما رآه بعضكم أو جلس معه، أنا بدوري سمعت به، إنه أشهر رجل في كفرنا؛ وإن كنت حتى الآن لم ألتق به، قيل لي: إنه برجل واحدة، وبعين من حجر، لا أعلم بالضرورة أي العينين،...
في الكون أسرار أهل الطريق لديهم منها الكثير لا يبوحون بها إلا لمن خلصت نيته، يعرفونهم بسيماهم، يتناثرون في الوادي والدلتا عقود جمان، يمشون بها، يفكون بعض ألغازها، شيخ مبارك يجوب الحارة عند منتصف الليل، يطرق الأبواب الغافية وراء السكون، يمسك بمفتاح منقوش عليه " لا غالب إلا الله" مخطوط من جلد عنزة...
مضى زمن الذين تعلمنا منهم روعة البيان والإجادة في فنون القول؛ شاء الله أن يأتلف هذا الجمع في عقد فريد ضم الرافعي والعقاد والمازني ومحمود شاكر وطه حسين والزيات ونجيب محفوظ ومحمد عبدالحليم عبدالله وزكي مبارك وعبدالرحمن بدوي؛ ندر أن تشهد فترة هذا التنوع وذلك التفرد؛ تعددت فنون القول وأبدع كل واحد...
نمت مبكرا؛ وتلك عادة توارثتها عن أبي الذي يغلق باب البيت الكبير ومن أبطأ به السهر بعد صلاة العشاء نالته العصا بما يكره؛ وقد يبيت في العراء يلتحف السماء تتشممه كلاب الشوارع، على أية حال تملكتني هواجس منتصف الليل سيما والشتاء فصل تمرح فيه الجن الحمر وتتراقص بما يعجز بني آدم أن يفعلوه؛ حلمت بأنني...
كعادته نام مبكرا؛ فالشتاء يستدعى الخمول؛ يحتاج الطعام والحساء ينفث دخانه فتستدفيء منه بطون الجوعى، كل هذا صعب في زمن الحروب حيث الأسواق تعاني الكساد والباعة يمنعهم المطر من أن يفترشوا الأرض.
توسد ذراعه وحاول أن يغمض عينيه، تتابعت مشاهد من حياته مثل شريط سينمائي تعرضه قناة الذكريات، تدوي الريح...
أتيت إليكم بعد سفر لم أحدد نهايته؛ باعدت بيني وبينكم بلاد لم أتجاوز حدودها إلا في غفلة من الآلات الممغنطة؛ تعلمت هناك فنون التخفي؛ غطاء امرأة أو وجه متسول يحمل على كتفه جراب الحاوي، أصدر صوت سائل في بلاد تنفر من أبناء السبيل، كل ما أمتلكه ورقة موقعة بأنني مواطن يصلح لأداء مهام غير اعتيادية. هل...
أنصاف وأرباع المثقفين يصدرون طنين الذباب كل آونة؛ مرة يديرونها معركة حول جدوى الشعر وعجز الفصحى بل وآونة يدعون لإلغاء نون النسوة؛ وآخر ترهاتهم قصيدة النثر، يخايلون بعجزهم فيدعون إلى موت المؤلف والتعامل مع النص ثم يذهبون إلى تفكيك اللغة بل وإلى تفجيرها؛ إنهم بدع من التفكير وعبث من العقل، يتصدرون...