د. سيد شعبان

عندما يأتي القطار يترك كل واحد مكانه؛ يعدو خلف العربة التي يخمن أنه سيجد بها موطيء قدم، صراع على الوسيلة شبه المجانية التي بقيت منذ عهد الأجداد، بعضنا يتهرب من دفع الأجرة وكثير يماطلون محصل التذاكر حتى إذا جاءت محطة النزول كان الإعياء قد بلغ به حدا لا يمكن مقاومته، قد يسعد الحظ أحدنا فيرتمي على...
لا أعتقد أنني أنهيت كل الحكي الذي اختزنته ذاكرتي؛ ثمة تشابه بيني وبيني العم ماركيز فكلانا أمسك بقلمه ودون ما كان جميلا، لا أدري إن كان ذلك الكلام الذي ألقت به جدتي في سنوات عمرها التي امتدت مايقارب قرنا يصلح لأن يسمع به الصغار ممن لم يشاهدوا النيل يفيض حتى يغمر كل القرية، لم يعد أحد يتذكر أشجار...
تتداخل نصوصي وتتكاثر كما لو أنها جاءت في زمن الفحولة؛ لست مدلا بما أوتيت ولا أنا ممن يتفاخرون بكم سردهم؛ أجد نفسي مسابقا للزمن ومحاولا التخلص من قبضته. تتجمع تلك الحكايات كما لو أنها واجب مدرسي ينوء به كاهل تلميذ كسول؛ أتخفف منها بأن أمسك بالقلم، أشاغب به على وجه الأوراق البيضاء؛ تتابع لكتها...
تبدو الكتابة مرهقة؛ تحكمها قوانين وتفرض على متعاطيها آليات وقيود قد تكون مرهقة. فالكاتب مستهدف إذا سطر ومتهم إن خرج عن المزاج العام، وهناك دلائل عدة تفصح وتشي، أما الحكي فهو امتداد في المكان واستدعاء لمخزون متراكم من التراث الشعبي في أمثلته وتجاذبات خيوطه، يمتلك الحكاء مساحة من الحرية في القول،...
غريب لا أعلم متى سأصل إلى داري، منذ آويت إلى هذه الحارة أعاني من الوحدة، لا أحد يهتم بي؛ تنفر مني النساء يبدو أنني مصاب بالجرب، هل كتب علي التشرد في بلاد الله؟ أشعر بأنني بلا جذر يشدني إليهم، أو على أقل تقدير لم أجد منهم اهتماما، إنه ازدراء بلا سبب، ربما لخلقتي السوداء المتفحمة، رغم أنهم لا...
المعول يزدهي حين يلامس خد الارض ، يمسك به ، صفحة الكتاب الذي يطالعه كل يوم ، لايمل من قراءته ، حين كان صغيرا ،الحكايات التى ينصت جيدا إلى جدته وهي تسردها شتاء ، يذهب بعيدا حيث موطن الأحلام ، يشاهد الجنيات وهن يغتسلن في النهر ، نعم كن جميلات ، يتوارى حياء ، الخجل يمنعه من أن ينزل خلفهن ، الجمال...
تناقل الناس في كفر المنسي أبوقتب أن سمكة كبيرة تخرج منتصف الليل عند ضفة النهر قبالة موردة الشيخ صفوان؛ رأسها يشبه رأس جمل عم رمضان؛ مؤكد أن الكثيرين شاهدوهما معا؛ حين يصلي يبرك الجمل؛ يقسم أحد الدراويش أن النخلة العجوز تخر ساجدة معهما! أغرب من هذا يمزحان ويتبادلان الضحك؛ يدخن سيجارة تبغ ملفوفة؛...
حملت ما استطعت جمعه من أشيائي البسيطة: أوراقي المهترئة وبضعة ثياب أختزنها ليوم الوجاهة، قنينة حبر؛ ريشة من جنح إوزة؛ أدون بها وقائع رحلتي إلى المدينة البعيدة؛ فقد جاءتني رسالة بالبريد"أن احتفالا كبيرا يعد لأجلك فاحضر في قطار الغد". سرى ذلك الخبر في كفرنا الذي يعتاش على النميمة ويتدثر بالرغي؛...
انطوى كما الأيام الجميلة، سرقها لصوص الزمن في بلاد تصلب أولياء الله فوق جذوع الشجر، تحتفي بالعابرين فوق الفرش الحمراء، ماكينات صوت فارغة. تقلب في فراشه، لم يحظ بساعة نوم هانئة منذ ذلك اليوم الذي احترق فيه أمله، ظلت تلك الذكرى تنهش قلبه وتنزف كلما حاول نسيانها، ارتحل بعيدا؛ فالمنافي أوطان...
أمسك بالقلم واجتهد أن يكتب رسالة، تأخر كثيرا، فمنذ سنوات وهو يبحث عن عنوانه، تعب من السؤال والتحري أين يسكن ذلك الساحر الذي اختزن كل تلك المفردات، حين اهتدى إلى عنوانه البريدي كانت الكوليرا تجتاح أمكنة عدة في العالم؛ أخبره أحد العرافين أن خطابا كهذا يحمل فألا غير حسن، قد يأتي بنتيجة عكسية؛...
حان أوان كشف السر الذي حاولت تكتمه؛ فقدت ذاكرتي أسبوعا كاملا؛ لم تجد محاولات أمي نفعا، بكاؤها استمر ليل نهار؛ تندب ولدها، حين يدهم الداء الصغار فالأمهات قلوبهن تصاب بالحسرة، أخذت- كما قالت لي اليوم- تعيد على مسامعي بأنني ذو لقب مبارك، يحلو لها أن تدعوني المصبح، لم تنم منذ دخلت السرداب القهري،...
بدا لي أن أدون سيرة الدراويش في كفر المنسي أبوقتب؛ سيدنا الشيخ سلامة وحوله هؤلاء الذين ينعمون ببركته وحظوته، قريبا من دوار العمدة الكبير، تحيط بيوت الكفر به، نشعر بالخير في جيرته، كانت عادة أبي أن يعزم الشيخ ودراويشه؛ تمتليء دارنا بأولاد العم، ننتظر مقدمه؛ مبارك من ينال الحظوة بالسلام عليه...
مضت أيام وراءها أخر ، بدأنا نلملم جراحنا التي نزفت بعد موت الكبير، تناوشتنا ثعالب ونبحت خلفنا كلاب ضالة، هجرنا من دارنا فعل إبليس، جاء العيد كما يأتي كل عام، تناهت إلى سمعي تكبيرات تخرج من لسانه، أقوم من نومي مسرعا أقبل يده، يبسطها في حنو، تلهج أمي بالدعاء، يحثني أن أسرع فقد أوشكت الصلاة تفوتني،...
روادنتي عن نفسي؛ تدفع بي إلى عالم متلبس بالأوهام، مفردة لم أكتبها بعد؛ أحاول دائما أن أبتعد عن فكرتها؛ يطاردني الحلم كلما أمسكت بالقلم؛ أخاف أن أمر بمفرداته التي يخايل بها عقلي؛ ثمة خطر ما يقف لي عند حنية الطريق، كلما ألح علي التمست سبيلا أخرى؛ تدور عيناي في الفراغ المحيط بي، أتحسس رقبتي؛ فقد...
هذا قلمي يكتب حكايات، أجلس أتمعن في مفردات معجمي، أختار منها، أحيانا تعجبني كلمة، ألبسها ثوب عروس أو أجعلها تبكي، أخفي وجهتي بتلك الأقنعة، حين أكتب أعايش عوالم سحرية، أسترجع شخصيات مرت بي، بعضها ترك ندوبا في ذاكرتي، وأكثرها كان من خيال. ليس شرطا أن يكون أجمل السرد أكذبه، ربما أصدقه تعبيرا...

هذا الملف

نصوص
590
آخر تحديث

كتاب الملف

أعلى