د. سيد شعبان

لم أكتب بعد كل التفاصيل، كنت يومها صغيرا، أتذكر أين سارت قدمي، مثل الصغار كنت أسعد بالحلوى؛ لها سحر عجيب وإغراء لا يقاوم، لا أخفيكم سرا كنت حالما بالغد الجميل، أطالع صفحة القمر، خلته يرسل إلي بتحيته كل ليلة؛ ولأنني بريئ تخيلته هكذا، امتدت بي السنوات حيث تتغير معها ثيابي، لم أجده معي، افتقدت ذلك...
ماتزال الحديقة كما هي؛ ثمة أعشاب تطاولت لم نعد قادرين عليها، تطاولت أغصان الأشجار مثل امرأة تناثر شعرها؛ أصابنا مرض وهزال بعده، تدور نمائم حولنا؛ حراب مسنونة وجهت إلى قلوبنا، المتعطلون ذئاب تفترس لحومنا، بعد الله كنت أتكيء عليه؛ لقد ارتحل وتركنا نتدبر أمرنا؛ حين تبلغ الخمسين من عمرك ثم لاتجد...
بعدت عن الكتابة منذ فترة، شغلت كثيرا برتق ثيابي، لم تعد في خزانتي غير التي تهرأت وسرح فيها الزمن، مضت رغبتي في الألوان الزاهية تلبسها أنثى جميلة، ثوبها من قطن مشجر مطرز بالورد. أسترجع الصور الجميلة لتلك الفتاة. خدها يحمر حين يعابثها الديك الرومي يصيح وراءها يكاد يفتك بها تغيظه الثياب الحمراء...
أحاول منذ فترة الكتابة بعيدا عن المعتاد؛ أبحث عما يدفعني لتغيير نمط سردي؛ بشمت من الحديث عن الزمن الفائت؛ ألتمس في ذلك حدثا واقعيا أو لمحة طارئة؛ ترى هل يتفاعل القراء مع نصوصي؟ أم تراني أعابث طواحين الهواء؟ أتساءل وهل بقي قراء؟ نحن في زمن الهلع من الوباء؛ اختفى دف اللقاء بين الناس؛ يرتاب بعضنا...
لدي وقت أخبركم بتلك الأزمة التي تناقل الناس أسبابها؛ ففي تلك النواحي لايمكن لأمر مثل هذا أن يمضي دون أن تتلقفه الآذان، يكتفون بكسرات خبز تعاركت مع الأيام ومن ثم يمضغون هذه الأقاويل؛ لم أشأ أن أخبركم أنني بعيد عن هذه الترهات منذ زمن، أسكن في بيت ناء، تمر بنا باعة الصحف مطلع كل شمس. أرتشف بعضا من...
كثرت في كفرنا الوشايات حتى هموا أن يشعلوا النار في المبنى الغريب، إنهم اعتادوا تلك العشش الطينية، لا يرغبون أن يروا أنفسهم عراة حفاة بينما يرفل المعلمون في الجبة مثل قبة مقام سيدي إبراهيم الدسوقي، ولا اختيالهم في القفاطين وقد امتلأت من زهو الدراويش حين تتسع بطونهم يوم يفترسون الديك الرومي، إنه...
لاأدري لم جاءت على ذهني؟ أحسبني من الذين زهدوا في الكتابة عن النساء؛ ربما لكثرة ما دارت أحاديثهن على صفحاتي؛ تبدو مثل كائن هلامي لاأكاد أجد لها وصفا غير أنثى العنكبوت؛ تنسج خيوطها تتمتع بصبر أيوب؛ تربض في وكرها حتى تحكم الخناق حول فريستها؛ هكذا عرفته وعرفتها، تمشي كتلة لحم فهي تشبه سلحفاة مضى...
عندما يأتي القطار يترك كل واحد مكانه؛ يعدو خلف العربة التي يخمن أنه سيجد بها موطيء قدم، صراع على الوسيلة شبه المجانية التي بقيت منذ عهد الأجداد، بعضنا يتهرب من دفع الأجرة وكثير يماطلون محصل التذاكر حتى إذا جاءت محطة النزول كان الإعياء قد بلغ به حدا لا يمكن مقاومته، قد يسعد الحظ أحدنا فيرتمي على...
لا أعتقد أنني أنهيت كل الحكي الذي اختزنته ذاكرتي؛ ثمة تشابه بيني وبيني العم ماركيز فكلانا أمسك بقلمه ودون ما كان جميلا، لا أدري إن كان ذلك الكلام الذي ألقت به جدتي في سنوات عمرها التي امتدت مايقارب قرنا يصلح لأن يسمع به الصغار ممن لم يشاهدوا النيل يفيض حتى يغمر كل القرية، لم يعد أحد يتذكر أشجار...
تتداخل نصوصي وتتكاثر كما لو أنها جاءت في زمن الفحولة؛ لست مدلا بما أوتيت ولا أنا ممن يتفاخرون بكم سردهم؛ أجد نفسي مسابقا للزمن ومحاولا التخلص من قبضته. تتجمع تلك الحكايات كما لو أنها واجب مدرسي ينوء به كاهل تلميذ كسول؛ أتخفف منها بأن أمسك بالقلم، أشاغب به على وجه الأوراق البيضاء؛ تتابع لكتها...
تبدو الكتابة مرهقة؛ تحكمها قوانين وتفرض على متعاطيها آليات وقيود قد تكون مرهقة. فالكاتب مستهدف إذا سطر ومتهم إن خرج عن المزاج العام، وهناك دلائل عدة تفصح وتشي، أما الحكي فهو امتداد في المكان واستدعاء لمخزون متراكم من التراث الشعبي في أمثلته وتجاذبات خيوطه، يمتلك الحكاء مساحة من الحرية في القول،...
غريب لا أعلم متى سأصل إلى داري، منذ آويت إلى هذه الحارة أعاني من الوحدة، لا أحد يهتم بي؛ تنفر مني النساء يبدو أنني مصاب بالجرب، هل كتب علي التشرد في بلاد الله؟ أشعر بأنني بلا جذر يشدني إليهم، أو على أقل تقدير لم أجد منهم اهتماما، إنه ازدراء بلا سبب، ربما لخلقتي السوداء المتفحمة، رغم أنهم لا...
المعول يزدهي حين يلامس خد الارض ، يمسك به ، صفحة الكتاب الذي يطالعه كل يوم ، لايمل من قراءته ، حين كان صغيرا ،الحكايات التى ينصت جيدا إلى جدته وهي تسردها شتاء ، يذهب بعيدا حيث موطن الأحلام ، يشاهد الجنيات وهن يغتسلن في النهر ، نعم كن جميلات ، يتوارى حياء ، الخجل يمنعه من أن ينزل خلفهن ، الجمال...
تناقل الناس في كفر المنسي أبوقتب أن سمكة كبيرة تخرج منتصف الليل عند ضفة النهر قبالة موردة الشيخ صفوان؛ رأسها يشبه رأس جمل عم رمضان؛ مؤكد أن الكثيرين شاهدوهما معا؛ حين يصلي يبرك الجمل؛ يقسم أحد الدراويش أن النخلة العجوز تخر ساجدة معهما! أغرب من هذا يمزحان ويتبادلان الضحك؛ يدخن سيجارة تبغ ملفوفة؛...
حملت ما استطعت جمعه من أشيائي البسيطة: أوراقي المهترئة وبضعة ثياب أختزنها ليوم الوجاهة، قنينة حبر؛ ريشة من جنح إوزة؛ أدون بها وقائع رحلتي إلى المدينة البعيدة؛ فقد جاءتني رسالة بالبريد"أن احتفالا كبيرا يعد لأجلك فاحضر في قطار الغد". سرى ذلك الخبر في كفرنا الذي يعتاش على النميمة ويتدثر بالرغي؛...

هذا الملف

نصوص
582
آخر تحديث

كتاب الملف

أعلى