يشرب الشاي في المقهى الذي يحتشد بالذين يعيشون على الهامش؛ يتصفح جريدة الصباح؛ لاجديد فيها؛ كاد أن يحفظ سطورها؛ لايمل من قراءة الإعلانات المبوبة لعل وعسى يجد وظيفة خالية؛ يحدق بعينيه في المارين؛ أمواج تغدو وتروح في شوارع مدينة لاتنام؛ امرأة تحمل أرغفة الخبز وتهرول كأن قطارا يوشك أن يفوتها؛ فناة...
كنت مولعا بالقطار ،إذ ليس غيره حمال أثقال ،ومنتدى صحب ،وكنت ممن يعانون ضيق اليد،ولما كان الذهاب للجامعة معتاد شاب ،ونزهة مشتاق ، وبلغة طالب علم يعجب الفتى بالحسان ،ويطرب أن يجد واحدة خصها بميل ،وعلقت قلبه دون أن يدري ،يسهر مع القمر ساعة أن يمر منها طيف ،وقد يرسل عبر نسائم الصباح تحية ما تني...
من دفتر الحكايات!
مضت الأيام ومايزال بي حنين إلى أن أكتب ما أهمله التاريخ؛ فالسرد في جماله يعتني بتلك المنمنمات التي يغفل عنها المؤرخون؛ إنهم يدونون الوقائع التي اشتهرت وذاع صيتها؛ عشت زمني بكل أبعاده؛ جبت البلاد طولا وعرضا؛ انتميت للوطن؛ قرأت لأعلامه واستمعت لزعمائه؛ أبحث عن الكتاب في مظانه؛...
من المعروف أن السيطرة الفنية على أبعاد الشكل في الفن عموما وفن القصة القصيرة خصوصا مسألة فى غاية التعقيد والصعوبة لايستطيعها غير فنان متعدد القدرات التشكيلية والتوصيلية معا،كاتب قادر على السيطرة على أدوات فنه النتيجة الطبيعية للسيطرة على مطارح رؤاه وتطوحات أخيلته.
ونحب أن ننووه منذ البداية إلى...
مضت سنوات ومايزال بي حنين إلى الطريق إلى المدينة التي عانقت خيالي؛ في الطريق إليها ثمة عقبات؛ لم أعد ذلك الفتى الذي يسابق الريح؛ يعدو مسرعا حين يسمع صافرة القطار تنبيء أنه على وشك الوصول إلى المحطة، تغيرت المعالم وتقطعت الأشجار؛ النخلة اليتيمة سكنتها الغربان؛ الجميزة العتيقة نخرها السوس؛ كل من...
قمت من نومي فزعا؛ الكلاب في الخارج تواصل نباحها، يبدو أن ما رأيته كان كابوسا مصنوعا من سراب؛ آلة عملاقة تحرث النهر، تمسك بي زوجتي، يصرخ أولادي فالجوع في هذه الأيام أنواع كما الجنون؛ ندور في حلقة مفرغة، كارثة تلو الأخرى تمثل وحشا، فتحت جهاز التلفاز، مذيعة تنشر شعرها وتضع أصباغا على خديها، حمالة...
لم أكتب بعد كل التفاصيل، كنت يومها صغيرا، أتذكر أين سارت قدمي، مثل الصغار كنت أسعد بالحلوى؛ لها سحر عجيب وإغراء لا يقاوم، لا أخفيكم سرا كنت حالما بالغد الجميل، أطالع صفحة القمر، خلته يرسل إلي بتحيته كل ليلة؛ ولأنني بريئ تخيلته هكذا، امتدت بي السنوات حيث تتغير معها ثيابي، لم أجده معي، افتقدت ذلك...
ماتزال الحديقة كما هي؛ ثمة أعشاب تطاولت لم نعد قادرين عليها، تطاولت أغصان الأشجار مثل امرأة تناثر شعرها؛ أصابنا مرض وهزال بعده، تدور نمائم حولنا؛ حراب مسنونة وجهت إلى قلوبنا، المتعطلون ذئاب تفترس لحومنا، بعد الله كنت أتكيء عليه؛ لقد ارتحل وتركنا نتدبر أمرنا؛ حين تبلغ الخمسين من عمرك ثم لاتجد...
بعدت عن الكتابة منذ فترة، شغلت كثيرا برتق ثيابي، لم تعد في خزانتي غير التي تهرأت وسرح فيها الزمن، مضت رغبتي في الألوان الزاهية تلبسها أنثى جميلة، ثوبها من قطن مشجر مطرز بالورد. أسترجع الصور الجميلة لتلك الفتاة.
خدها يحمر حين يعابثها الديك الرومي يصيح وراءها يكاد يفتك بها تغيظه الثياب الحمراء...
أحاول منذ فترة الكتابة بعيدا عن المعتاد؛ أبحث عما يدفعني لتغيير نمط سردي؛ بشمت من الحديث عن الزمن الفائت؛ ألتمس في ذلك حدثا واقعيا أو لمحة طارئة؛ ترى هل يتفاعل القراء مع نصوصي؟
أم تراني أعابث طواحين الهواء؟
أتساءل وهل بقي قراء؟
نحن في زمن الهلع من الوباء؛ اختفى دف اللقاء بين الناس؛ يرتاب بعضنا...
لدي وقت أخبركم بتلك الأزمة التي تناقل الناس أسبابها؛ ففي تلك النواحي لايمكن لأمر مثل هذا أن يمضي دون أن تتلقفه الآذان، يكتفون بكسرات خبز تعاركت مع الأيام ومن ثم يمضغون هذه الأقاويل؛ لم أشأ أن أخبركم أنني بعيد عن هذه الترهات منذ زمن، أسكن في بيت ناء، تمر بنا باعة الصحف مطلع كل شمس.
أرتشف بعضا من...
كثرت في كفرنا الوشايات حتى هموا أن يشعلوا النار في المبنى الغريب، إنهم اعتادوا تلك العشش الطينية، لا يرغبون أن يروا أنفسهم عراة حفاة بينما يرفل المعلمون في الجبة مثل قبة مقام سيدي إبراهيم الدسوقي، ولا اختيالهم في القفاطين وقد امتلأت من زهو الدراويش حين تتسع بطونهم يوم يفترسون الديك الرومي، إنه...
لاأدري لم جاءت على ذهني؟
أحسبني من الذين زهدوا في الكتابة عن النساء؛ ربما لكثرة ما دارت أحاديثهن على صفحاتي؛ تبدو مثل كائن هلامي لاأكاد أجد لها وصفا غير أنثى العنكبوت؛ تنسج خيوطها تتمتع بصبر أيوب؛ تربض في وكرها حتى تحكم الخناق حول فريستها؛ هكذا عرفته وعرفتها، تمشي كتلة لحم فهي تشبه سلحفاة مضى...
عندما يأتي القطار يترك كل واحد مكانه؛ يعدو خلف العربة التي يخمن أنه سيجد بها موطيء قدم، صراع على الوسيلة شبه المجانية التي بقيت منذ عهد الأجداد، بعضنا يتهرب من دفع الأجرة وكثير يماطلون محصل التذاكر حتى إذا جاءت محطة النزول كان الإعياء قد بلغ به حدا لا يمكن مقاومته، قد يسعد الحظ أحدنا فيرتمي على...
لا أعتقد أنني أنهيت كل الحكي الذي اختزنته ذاكرتي؛ ثمة تشابه بيني وبيني العم ماركيز فكلانا أمسك بقلمه ودون ما كان جميلا، لا أدري إن كان ذلك الكلام الذي ألقت به جدتي في سنوات عمرها التي امتدت مايقارب قرنا يصلح لأن يسمع به الصغار ممن لم يشاهدوا النيل يفيض حتى يغمر كل القرية، لم يعد أحد يتذكر أشجار...