د. سيد شعبان - أيام الجامعة وما أدراك ماالجامعة!

كنت مولعا بالقطار ،إذ ليس غيره حمال أثقال ،ومنتدى صحب ،وكنت ممن يعانون ضيق اليد،ولما كان الذهاب للجامعة معتاد شاب ،ونزهة مشتاق ، وبلغة طالب علم يعجب الفتى بالحسان ،ويطرب أن يجد واحدة خصها بميل ،وعلقت قلبه دون أن يدري ،يسهر مع القمر ساعة أن يمر منها طيف ،وقد يرسل عبر نسائم الصباح تحية ما تني تتكرر ، كانت حياته أشبه بفراغ يحاول أن يشغله تدلها ،ومما جناه عليه درسه مجنون بني عامر ،وكل نساء الشعر العربي من عزة وليلي وعفراء وولادة وغيرهن كن ليلاه ،أحب الأمل في عيون المها ،واختلس -مرارا -النظر إلى عيونهن ،فقتلنه وهن أضعف خلق الله إنسانا !
مضى عمره يعلق على الشعر العربي حمله ،ويستذكر مدامع العشاق ،ورجعة أبي العلاء ،وكتابات دارت حول مي ،وما درى أن عمره يتفلت من بين يديه !
ذبالة ضوء راعش ،وانحناءة ظهر ،وحدبة علته ،وبياض فوديه ،وما أغنى عنه أن رأى عمره يمضى سراعا ،ويجمع بقاياه حاملا عصا الترحال ، تركت في قلبه آثارا ،وأشعلت بركنه جمرا موقدا ،لم يكن الفتى -عياذا بالله- ممن يختانون أنفسهم ،ولا من كانت بضاعتهم المواعيد ،بل كان قصاراه أن يتوهم فيمثلن بين يديه شاخصات أماني كذاب!
وهل الصبا غير خدعة متعلل ،وسراب متعطش؟
ومضت أيامه ،وتركن فيه شوقا للقيا ،وأمنية لسال ،وعبرة مالحة ؛على سنوات مضت دون أن يجد طريقه بين النوابغ ،فعالج علما بعد مشيب ،واشترى محبرة بعد نفاد!
لو استدبر فائته ما ترك ملازمة الكتاب ،ولجالس كل محقق نابه ،ولطوف بقطاره آفاق المحروسة !
ما ضره لو جلس إلى الشيخ شاكر ، أو سافر إلى المنصورة فغنم صحبة أبي حسام محمد رجب البيومي ،أو تفهرس بين يدي رمضان عبدالتواب ،أو هدره محمد مصطفى هدارة ،كثيرون ضيع صحبتهم بخداع شرك نصب له وهاهو اليوم يتخسر عمره ضياعا، وهل يكفيه كتبهم ،وما تربى الكتب عالما ولا تخرج غير كليل عين ،راعش يد !

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى