قصة قصيرة

رأيتها عدة مرات على مدار سنوات لا تقل عن العشر, في كل منها كنت منشغلًا بجريدتي. لكن ظللت أعرف بمرورها من.. عطرها العتيق الذي يلتصق بذرات الهواء لفترة, من حفيف أوراق شجرة عجوز لم تكن تهتز طربًا إلّا عند قدومها, من ترحيب بائعة الجرائد القابعة بناصية "بهجت" وهي تقول لها بصوت مسموع: -أهلًا بست...
هذا هو الشَّهر العاشر الذي يقضِي معظم ساعاته في العمل، إنَّه يعمل ست عشرة ساعة يوميا، حتَّى في أيَّام العطل الرسميَّة، جاهداً في الوفاء بالتزاماته، محاولاً تقليص القروض التي تثقل ظهره. ما يهوِّن الأمر، تفهُّم زوجِه وتحمَّلها ظروفه الصَّعبة، ونيابتها عنه في القيامِ بحقوق أبنائِه على أكمل وجه...
إلى أبي في رقدته، واحتماله غير المحدود للبقاء في الطابق الأول. طيف بعيد: نفذتُ لأبي رغبته، حلقتُ له ذقنه بعد أكثر من أسبوعين على تركها. طوال الأيام الفائتة كنت أتأمل الشعر العُشبي فوق وجهه، ولا تأتيني الجرأة لأطلب إزالته، حتى بادرَ هو. أجلستُه على سريره بظهر معتدل على المساند، وبدأت في...
لم يكن أهل القرية يعرفون للعجة لا طعما ولا لونا ولا رائحة ولا أي معنى من المعاني. وكان كل طعامهم الشكوكة نهارا والكسكسي أو المحمصة ليلا حتى جاء المختار الديمقراطي بالعجة فرأى فيها الناس بدعة من البدع إذ البيض عندهم للبيع غالبا وإن أُكل يؤكل مسلوقا أو مقليا. وسئل عن ذلك فقال: هذا طعام من لا طعام...
يتساءل كثيرون:أين يوجد هذا المكان الذي تحتفي فيه بسردك؟ وفيما يمتاز عن البقاع والأمكنة؟ لايدرون أن المكان كما يحتوينا بجدرانه وشوارعه وأزقته؛ نسكنه ويحن إلينا؛ فيه درجت خطواتنا الأولى؛ كانت أمهاتنا جميلات كما البدر؛ نجري ونلهو ولانخشى غائلة الأيام؛ فلدى آبائنا من القوة ما يحمينا؛ ألفنا الشجر...
دخلت بعد أن أطلقت مفاتن جسدها تتغنج شبقا أمامها، نثرت رائحة العطر الذي أرتده رغبات مكبوتة، عيون شخصت نحوها مفترسة جسدها، تحول البؤبؤ فيها إلى الاستطالة، خرج لعاب غرائز عبر ألسنة تذوقت أريج عطرها الذي ينادي هل من رغبة في اشتهاء جسد غرورا، كانت براعم أنفها قد شمت فرز الرجال الحاضرين اشتهاء في...
طرق الباب ودفعه، فانفتح من تلقاء نفسه، او أنه كان مفتوحا.. وضع الدراجة في البهو، ودخل إلى وسط المنزل.. قبّل يد زوجة عمه.. كانت ملتحفة بملاءة رقيقة من صوف.. لم يكن الجو باردا.. فاجأته قائلة من غير مقدمات: ـ اطلعت على ما تكتب من قصص.. عمك كان قد اشترى لي لوحة الكترونية، وتعلمت الكتابة والابحار في...
في لقائنا الأول، ابتسمَ إليَّ كَأنَّه يُطمئنني، امتلأ وجهه الأبيض الُمشرب بحُمرةٍ بفرحٍ متراقص ، زادَ من أُلفته، اشعر وكأنَّما أعرفه منذ زمنٍ، مَدَّ يده مُسلِّما في تَلطُّفٍ زائد، لا أعرف غيره في المكان، بعد عباراتِ التِّرحَاب المتلاحقة، اكتسى وجهه بالجديةِ، قائلا:” هل فطرت؟”، عندها تلعثمت، قبل...
يتثاءب النهار في قريةٍ مصريةٍ نائيةٍ، تتمدد البيوت الطينية على الأرض تئن تحت ثقل السنين، وتتراكم فوق جدرانها ندوب الشتاء القاسي والصيف القائظ، في ظل شجرةٍ عجوزٍ على أطراف القرية، فلاحٌ فقيرٌ ممدد تحتها، حافي القدمين، يحدق في الأفق بعينين أنهكهما الجوع والحلم، وفجأةً تمرُّ أورطة من عساكر...
عاش "أدهم" أربع سنوات يقتات على فتات الذاكرة. كان الفقد هجيرًا لا يرحم، اختطف رفيقة دربه في غمرة زحام العودة من العمل، تاركةً خلفها "ياسين"؛ خمس سنوات من البراءة المذعورة. صار الصغير هو الشاطئ والمرسى لأدهم، يحمله فوق كاهله كتميمة مقدسة، يرى في ملامحه طيف الغائبة التي لم تغادر روحه قط. حين دخلت...
لم يعد بَرْزَهْ الكُرديُّ يتحمُّل هذه الاستمرارية في المآسي والكوارث التي يتعرض لها منذ زمان طويل، تعجز ذاكرته نفسها عن استيعابها، وبالتالي عن التأريخ لها على وجه الدقة. برزه الكردي، كما وجد نفسَه هكذا، سلالات من الأرومة الكردية ذاتها تعاقبت، كل سلالة تحمل الاسم، والصحيح اللقب الأكثر شهرة...
وقفت في شارع لحمامصية، القريب من حيّ النجارين والمفضي إلى باب الجديد بمكناس، وأنا أشعر أن المكان لا ينتظر أحدا، ولا يغادر أيضا. تغيرت الواجهات، واختفت المقهى الشعبية التي كان أبي يرتادها بعد عودته من الحقل بثوبه المغبر وصمته الطويل. وحده محل المجوهرات بقي، بواجهته اللامعة، كأن الزمن يفضل أن يلمع...
يقضي أكثر وقته علي المقهى في مناقشات مع روادها ،هو في الحقيقة لا يناقشهم لسبب بسيط لأنه ليس باستطاعة أي شخص وإن كان خطيبا مفوها ؛أن يتحدث في وجوده ليس؛ لسعة علم حسين وقوة منطقه واحاطته بالقضية من كل جوانبها القضية ، بل لكونه يندفع متقمصا هيئة زعيم يخطب في حشد من جماهير أمته العريضة ...
ها هو عوده القديم مهملٌ في ركنٍ متربٍ، قد اهترأ جرابه، وظهرت أوتاره المرتخية، ولا يدري على وجه اليقين هل ارتخت بعد غيابكِ أم بعد أن أصاب المرض يده؛ فصار عاجزًا عن العزف.. أتذكرين جلستكما المتكرّرة على تلك الأريكة وأنامله وريشته تداعبان الأوتار، وما إن تشرب أذناكِ اللَّحنن وتنسجمين؛ حتّى تصيحي...
“حمد الله ع السلامة” تأتي إلى مسامعها؛ فتدرك عودتها من جديد، جسدها ثقيل مستسلم، رأسها مستلقي على الوسادة مسلوب الإرادة، تفتح عينيها ببطء، فيمنعها التصاق جفنيها المرتعشين، كوليد انتزع لتوه من عالمه، تعي الحركة والضجيج من حولها، لكنها لا تميز الوجوه والأصوات بعد، تبلل شفتيها، علها تخفف من جفاف...
أعلى