قال لها : خذيها.
قالت له: هاتِها
بعد قليل .
قالت له: خذْها
قال لها: هاتيها.
توقفا، وهما يتبادلان النظرات.
توقفا، كان هناك شيء يثير الصمت القابع وراء الكلمات عينها تلك التي نطقاها.
توقفا. إدراكٌ مشترك، ليس بالدلالة ذاتها، حرَّك كلاً منهما ليس في اتجاه الآخر تحديداً، إنما في اتجاه أشعراهما...
ما زلت لحد الآن، رغم مرور أكثر من خمس سنوات، ألهث خلف اللحن الذي جرفتني إيقاعاته المتدفقة من الغرفة الموصدة، في تلك الليلة المذهلة.
كان الكمان قد استعصى على أناملي طيلة شهور، حتى استبد بي اليقين بأن قريحتي الموسيقية قد أضحت جدباء، وغمرني شعور طاغ بالقلق. «فلأغير الجو لعل وعسى..»، قلت...
حزينة تلك العصافير أم أننا نحبسها في أقفاص خشبية ؛ ومعدنية لنشعر فقط بالسعادة قليلاً؟!.
العصفور حزين؛ يتألم من الحبس بينما نحن نضحك ونلهو ونستمتع بآلام الآخرين !!.
متى ستخرج تلك العصافير لتنطلق في الفضاء حرة؛ تزقزق للوجود كله؟!.
دارت برأسي هذه الأفكار وأنا أقف أمام أقفاص العصافير أمام منتجع...
استلقى على ظهره، تاركاً وجهه لموجات الهواء الحار التي تدفعها المروحة السقفية ببطء فوق رأسه. كان العرق يلمع على ملامحه التي حفرت سبعون عاماً أخاديدها . تدور المروحة بصوتها الرتيب في الغرفة العلوية المتهالكة، كأنها تقلب الزمن لا الهواء.
مع كل دورة كانت تزيح شيئاً من الغبار الراقد في زوايا ذاكرته...
في المخيم، لم تكن الخيام تفصل بين الناس، بل تجمعهم أكثر مما ينبغي. كان الصوت يعبر القماش الرقيق كما يعبر الهواء، حتى غدت أسرار البيوت مشاعًا، وصار العطاس في أول المخيم يستحق "يرحمكم الله" من آخره.
جلس أبو العبد أمام خيمته إلى جوار صديقه أبي سالم، يحاولان سرقة دقائق قليلة من حديث الرجال. وبينهما...
خرافة
يقع هذا كل يوم، حين تلتهب الحاجة إلى الخروج تنعدم الأبواب ويتكرر الانغلاق أو تتكرر المرأة. سيكون ?مع ذلك- تافها الخروج إلى المحنة نفسها، أما تفاديها بالبقاء فهو أمنية غير جديرة بالأيام التي ظلت تريد أن تغادر أو الحفاظ على كل قيود الحياة مع الرجاء( لمن نرفع الرجاء؟).
أن يكون التاريخ كفيلا...
أيامي جميعها متشابهة، إلا التي لا أتمكن فيها من ممارسة الجنس؛ فهي مختلفة، وهذا اليوم من أيامي المتشابهة.
لعنتُ كلَّ شيء حين استيقظتُ؛ لأنني منحتُ النوم وقتًا أكثر مما يستحق على حساب الحقيقة!
كان سيمر مثل غيره هذا النهار، لولا أن شبيهي فيه موقعه كموقع يوم الجمعة بين الأيام.
لا أستطيع البوح أكثر...
على حافَّة رصيفٍ باردٍ أقف ساهمًا، أنتظر قطارًا، سوف يُقلُّنِي إلى مدينةٍ، لم أزرها من قبل، لكنَّني اعتدت رؤيتها، كلَّما أغمضت عيني، وأسدلت السّتار على ما حولي. هي حيلةٌ مجرَّبةٌ، ألجأ إليها، حينما أصبح عاجزًا عن التَّنفُّس. أغمض عينيَّ، وأسترخي رغم ما بي من توترٍ، وبعد لحظاتٍ أطأ أرضًا غير...
لن أنتظرك ِ..هكذا .. لن أنتظرك بعد الآن..أكررها لك ِ..
انتظرتك ِ، أقولها، أنتظرك، قلتها..وهأنذا أعيدها.. لن أنتظرك..وأقولها للمرة الأخيرة
سأترك لمحة من بصري القلق ذئباً جريحاً يحتمي ببريته الأخيرة
سترشدك إلى نبض خطاي إن ...إن حاولت النظر أمْسك الهش
أدعك في ذمة العنوان الذي عهدتِه ولم تحسسي...
كان رصيف الدرجة الثالثة بمحطة القطار يعج بالمسافرين.
هي وحدها لفتت انتباهي... وانتباه معظم الواقفين.
قمحية البشرة، واسعة العينين، ذات بنية قوية، وجمال ريفي نادر لا يعرف الزينة. ترتدي جلبابًا باهتًا، وطرحة ملونة، وحذاءً ما زالت عالقة به بقايا طين الحقول، كأنها جاءت إلى المحطة من قلب الأرض...
إلى أبي في رقدته، واحتماله غير المحدود للبقاء في الطابق الأول.
طيف بعيد:
نفذتُ لأبي رغبته، حلقتُ له ذقنه بعد أكثر من أسبوعين على تركها.
طوال الأيام الفائتة كنت أتأمل الشعر العُشبي فوق وجهه، ولا تأتيني الجرأة لأطلب إزالته، حتى بادرَ هو.
أجلستُه على سريره بظهر معتدل على المساند، وبدأت في...
التهمة: دخول معسكر العدو ومعالجة قائده زمن الحرب.
استُدعي الشهود.
قال الجندي:
"قبضنا عليه عائدًا من معسكر الفرنجة."
وقال آخر:
"لم نجد معه سيفًا... بل حقيبة دواء."
وقال قائد الحرس:
"واعترف أنه دخل معسكر العدو."
قيل:
"ولِمَ دخلته؟"
قال الطبيب:
"لأداء واجبي."
قال القاضي:
"أتعلم أن من عالجته...
كانت الحارة القديمة تضيق بأحلام سكانها، لكنها لم تكن يومًا أضيق من قلب لارا وهي تعبرها كل صباح بفستان المدرسة القصير، تحمل حقيبتها الصغيرة وتمضي بخطوات طفلة لم تتجاوز السابعة.
كانت أمها تمشط شعرها البني الطويل بعناية، وتزينه بشرائط بيضاء، فتبدو كزهرة صغيرة نبتت رغم قسوة الجدران الرمادية.
لارا...
كل ما يستطيع أنْ يقوله، الآن، بعد ست سنوات من عدم رؤيتها، عنها، إنها امرأة لا تَفْلِتُ من الذاكرة. ولا يدري حقاً لماذا تُلحُّ على ذاكرته بين فترة وأخرى. تارة يراها كلما رأى فتاة تشبهها، وطوراً يتذكر قصتها كلما شاهد فتاة صغيرة لا تعرف أباها. وحين يبصر تلك التي تشبهها يود أن يسألها عنها، ولكنه...
"بيّارته أكبر من البحر"، كانت تقولها لنا أُمّي عندما يأتي يوم العيد، ويسلّم عليها ويعيّدها دون أن تتبدّل ملامحه الحجرية الصارمة، ويخرج مكتفياً بكاسة شاي.
ويبدو أنه ارتخى للنهاية اليائسة، فاستسلم، كمريض، لا يتغيّا الشفاء!
وربما كان يعتقد أن شَجَرهُ مروحةُ الدنيا، وأن بيّارته أغنية خضراء، ولكن...