سعيد حجي - في تلك المقهى

في تلك المقاهي الرخيصة التي تختلط فيها رائحة البن المحروق بدخان السجائر واليأس القديم، كنت أبحث دائما عن شيء لا أعرف اسمه بدقة...
أجلس قرب الزجاج المترب، أراقب المارة وهم يعبرون الشارع بوجوه متشابهة، وأنتظر أن يحدث أي شيء يكسر هذا الصمت الثقيل الذي يترسب داخلي مثل صدأ بطيء.
أحيانا، كانت نادلة شاحبة تقترب مني وتسأل ببرود معتاد:
"قهوة أخرى؟"
فأشعر أن السؤال اخترقني أكثر من كُتب كاملة قرأتها عن العبث والوجود والوحدة.
الإنسان في لحظات معينة لا يحتاج إلى حكمة عميقة، يحتاج فقط أن يشعر أن أحدا انتبه لوجوده وسط هذا الزحام الأعمى.
كنّ فتيات مرهقات في الغالب.
وجوه مطفأة، شفاه متعبة من السجائر الرخيصة، وأعين تحمل ذلك الشرود الذي يصيب البشر حين تتحول الحياة إلى روتين ثقيل بلا نوافذ.
يتحركن بين الطاولات بخفة آلية، كأن أجسادهن حفظت الطريق بين فناجين القهوة والكراسي المهترئة دون حاجة إلى التفكير.
إحداهن كانت ترفع شعرها بإهمال، ثم تشعل سيجارة بعصبية وهي تنظر إلى الشارع كأنها تنتظر أحدا لن يأتي أبدا.
أخرى كانت تضحك بصوت مرتفع مع الزبائن، ثم ينطفئ وجهها فور أن تدير ظهرها لهم، فأدرك أن بعض الضحكات تُستعمل مثل المناديل الورقية، مرة واحدة ثم تُرمى.
كنت أراقبهن أكثر مما ينبغي...
ربما لأن الإنسان حين يطول به التعب يبدأ بالتعلق بالتفاصيل الصغيرة؛ بنبرة صوت، بطريقة وضع فنجان على الطاولة، أو بنظرة عابرة تلمع لثانية ثم تختفي.
ومع ذلك، كان ينقصهن شيء غامض.
شيء يشبه الدفء الحقيقي.
كنّ يعرفن كيف يضعن أحمر الشفاه، كيف يمسكن السيجارة بين الأصابع بنوع من التمرد الباهت، كيف يبتسمن لزبون ثقيل الدم كي يحصلن على بقشيش إضافي، لكن أرواحهن بدت بعيدة جدا، كأنها انسحبت منذ زمن وتركت الأجساد تؤدي ما تبقى من الحياة وحدها.
كنت أعود إلى غرفتي آخر الليل وأنا أشعر أنني التقيت بالكثير من الوجوه، ولم ألمس روحا واحدة.
المدينة الحديثة مليئة بالبشر الذين يتقنون الحضور الخارجي ويفشلون في إشعال أي معنى حقيقي داخل الآخرين.
كل شيء صار سريعا، حتى المشاعر نفسها أصبحت تؤدى بعجلة، كأن الناس يخافون من التورط في إنسان آخر.
في الجامعة قرأنا عن الحب عند المتصوفة، عن الجنون العاطفي في الشعر القديم، عن رجال كانوا يقطعون الصحارى خلف امرأة أو ينتظرون رسالة شهورا كاملة.
ثم خرجنا إلى هذا العصر فوجدنا الجميع يهرب من الجميع.
النساء يخفين هشاشتهن خلف دخان كثيف ومساحيق كثيرة، والرجال يخفون وحدتهم خلف النكات والكلام الصاخب.
أذكر نادلة كانت تعمل في مقهى قريب من الحي الجامعي.
كانت جميلة بطريقة متعبة، كأن الحياة استعملت ملامحها بعنف ثم تركتها نصف محطمة.
كلما وضعت فنجان القهوة أمامي، كانت تسألني السؤال نفسه:
"كتقرا بزاف نتا؟"
ثم تضحك بخفة وتمضي.
ذلك السؤال الصغير كان يكفيني أحيانا لأسبوع كامل.
لأنني كنت أعيش فراغا داخليا مخيفا، فراغا يجعل الإنسان يتعلق بأي التفاتة عابرة كما يتعلق الغريق بخشبة صغيرة وسط البحر.
كثير من الرجال الذين تراهم صاخبين في المقاهي يحملون خرابا داخليا هائلا.
يتحدثون عن السياسة والنساء وكرة القدم بصوت مرتفع، ثم يعودون إلى غرف ضيقة مليئة بالصمت والرطوبة والأسئلة الثقيلة.
الرجل حين يجوع عاطفيًدا يتحول إلى كائن هش بطريقة لا يعترف بها أمام أحد.
كنت أبحث عن امرأة تستطيع أن توقظ شيئا حيا داخلي، امرأة تجعل القلب يشعر بأنه ما زال قادرا على الاشتعال، على الارتباك، على الخوف الجميل الذي يسبق الحب.
لكن أغلب الوجوه التي مرّت أمامي كانت باردة، مستهلكة، متعبة من كثرة ما مثلت دور اللامبالاة.
ومع مرور الوقت بدأت أفهم أن المدينة كلها كانت متعبة.
النادلات، الطلبة، الباعة، الحراس، وحتى العشاق الجالسون قرب النوافذ.
كل واحد يحمل داخله رماد قصة قديمة، ويحاول أن يكمل يومه بأقل قدر ممكن من الانهيار.
لهذا كانت بعض الأسئلة البسيطة تهزني بعنف.
"واش بخير؟"
"تأخرت اليوم."
"قهوتك باردة، نبدلها ليك؟"
أسئلة صغيرة جدا، لكنها كانت تمنحني ذلك الإحساس النادر بأن أحدا رآني فعلا، ولو لثوان قليلة، وسط هذا العالم الذي يمر فيه البشر قرب بعضهم مثل قطارات ليلية لا تتوقف.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى