سعيد حجي

في مساء ثقيل من مساءات الحي الجامعي، كانت الغرفة تبدو كأنها قطعة حجر اقتُلعت من جبل مهجور ورميت بين الممرات الطويلة التي تعج بأقدام الطلبة وروائح الرطوبة والعَرَق والشاي الرخيص... الجدران المتشققة كانت تحتفظ ببرودة قديمة، برودة تشبه ذاكرة عجوز عاش زمنا طويلا في الخسارات. المصباح المعلق في السقف...
#بعد شهور طويلة من التلصص العاطفي الصامت، من مراقبتها عن بُعد كما يراقب الفقير واجهة محل فاخر يعرف مسبقا أنه لن يشتري منه شيئا، وقفتُ أمامها أخيرا. كنت أراها كل صباح تقريبا تعبر ممرات الحي الجامعي بخطوات هادئة، تحمل كتبها إلى صدرها كأنها تحتمي بها من العالم. لم تكن الأجمل في الكلية، ولا الأكثر...
في تلك المقاهي الرخيصة التي تختلط فيها رائحة البن المحروق بدخان السجائر واليأس القديم، كنت أبحث دائما عن شيء لا أعرف اسمه بدقة... أجلس قرب الزجاج المترب، أراقب المارة وهم يعبرون الشارع بوجوه متشابهة، وأنتظر أن يحدث أي شيء يكسر هذا الصمت الثقيل الذي يترسب داخلي مثل صدأ بطيء. أحيانا، كانت نادلة...
بعد أن ملأت جوفي بقليل من البطاطس الطرية وشيء من المرق البارد الذي تركته وجبة الغذاء وراءها كأثر هزيمة صغيرة، خرجتُ من الغرفة رقم 292 متثاقل الخطى، لا بدافع الشغف بالمعرفة كما يتخيل الناس حين يسمعون كلمة "مكتبة"، انما هروبا... هروبا من رائحة المراحيض التي كانت تزحف في الممر الطويل كأنها روح عفنة...
كانت لا تزال تحمل قدح اللبن بين يديها حينما خرجتُ لتوه من بين أشجار اللوز، وكان الهواء مشبعا برائحة الطلع، رائحة خفيفة تلتصق بالأنف كذاكرة قديمة، لا تزول بسهولة، وكانت الأرض تحت قدميّ رخوة قليلا، كأنها تحفظ آثار من مرّوا قبلنا، خطوات الرعاة، تعب النساء، وركض الأطفال خلف ماعز شاردة، لا أعلم ما...
ستمر العاصفة... وستجف الأوحال في شمال المغرب، سيعود الطين إلى صلابته الأولى، ستنكمش البرك التي كانت تشبه مرايا مكسورة، ستستعيد الأزقة رائحتها القديمة بعد أن غمرتها رائحة الماء الثقيل، وسيقف الناس مندهشين، كأنهم خرجوا للتو من حلم داكن، كأنهم يلمسون الأرض بأقدام مرتجفة ليتأكدوا أن الكارثة كانت...
كانت شفتاها، حين تُزمّان عقب كل مجّة من سيجارتها، أشبه بفم ريفولڤر قديم يتهيّأ لإطلاق الرصاصة الأخيرة في فيلم نُسي عنوانه وبقيت نهايته عالقة في ذاكرة الصالات المعتمة.... في مقهى الرعاع، حيث تتراكم الأيام مثل رماد كثيف على أطراف الطاولات، وحيث تقاس الرجولة بعدد السجائر الرخيصة الملتهمة في المساء،...
#في الوقت الذي تقرأ فيه أنت هذا النص، بعين اعتادت الحروف واستأنست المعنى، هناك في رقعة ما من هذا الكوكب من لا تزال الحروف أمامه طلاسم صامتة، أشكالا سوداء على بياض قاس، يتهجاها كما يتهجّى الغريب خرائط مدينة لا يعرف شوارعها، يتلمس الصوت دون أن يبلغ الدلالة، يردد اللفظ دون أن يعبر عتبة الفهم، كأن...
لقد رأينا الجميع يهرع إلى القصر الكبير المنكوب، رأينا مدينة كاملة تستيقظ على وقع الماء الثقيل، على رائحة الطين، على صمت الأزقة حين تصبح السماء أثقل من قدرة الأرض على الاحتمال. رأينا الجيش يصل كجسد منضبط وسط الفوضى، رأينا الدرك، رأينا الأمن، رأينا القوات المساعدة، رأينا الوقاية المدنية وهي تقتحم...
=AZZ8PMfxacwO2W-TJib6A-8Ez7pJ4gNEE1Zs1a7kuecLnehLba7AjRNaJgI4eVYmwBKaaAc6_cuuX239j6tCdfJU2-BY0IYC8pj_8WQt72cksIA1cflGGp7CWnXxtp7QtDjeanNxh9GGbDJa6Kob7O-w8DeWW0xElx8pPyGJKlEZ7zRlu8TqAmdXFz5ZGkD0I8JneFVYdgboRpAl3tXaMRt-6z0K40tg7zI2_FMLIQh2xA&__tn__=*NK-y-R']ما نراه اليوم غير مألوف في التداول، غير...
اقرأ ما تشاء من كتب البؤس والفقر والجوع، افتح مجلدات ماركس عن فائض القيمة والاستلاب الطبقي، انبش دفاتر دوركايم حين تكلم عن الانومي والمجتمع المريض، غص في بطون كتب ابن خلدون عن انهيار العمران إذا ساد الجور، تمعن في كل صفحة كُتِبت عن الفقر كظاهرة بنيوية أو جرح تاريخي، اقلب صفحات الروايات الواقعية...
كانت جارتي "لينا" ذات الخمسة والعشرين ربيعا، الفرنسية الأصل، الكاثوليكية الديانة، جميلة بعينيها الزرقاوين وكأن البحر اختزل فيهما لون السماء وعمق الذكرى. كانت تمرّ كل صباح لألقي عليها تحية صباحية، نلتقي عند بوابة الدرج، تهمس بالفرنسية في صمت الصباح، ثم تمضي إلى المعهد حيث تدرس الأدب وتقول إن...
في تلك اللحظة التي تنحني فيها روحك، وتخيل أنّك بلغت قاع القاع، لا شيء يُنقذك سوى ارتعاشة غير متوقعة في الداخل، كتنهيدة لا تعرف من أين جاءت، أو فكرة ضبابية تحاول أن تتشكّل في ذهنك المتصدّع. تلك اللحظة ليست نهاية، بل هي بداية بلا ضوء، ما تزال مغلّفة بالسواد، لكنّها تحمل نطفة تحوّل... الإنسان لا...
أن تحاول أن تكون إنسانا على هذه الارض، فهذا في حد ذاته جهد اسطوري، فعل وجودي يائس تراهن فيه على شرف البقاء وسط عالم يسحبك كل يوم إلى التشظي والانفصال عن جوهرك. الارض لم تعد تلك الأم التي تحتضن أبناءها، بل صارت مسرحا عبثيا، يُنتج اليوم أنماط وجود بلا جذور، بلا قيم، بلا مرجعية... الارض التي نراها...

هذا الملف

نصوص
14
آخر تحديث

كتاب الملف

أعلى